مقالات وآراء

صابونة وظهرة

عثمان يس ود السيمت

في الزمن الجميل أيام القراية (التمام) والنظافة والنظام ونحن في المدرسة الوسطى، يوم الخميس العصر كان بدونا قرش ونص نشتري بروة صابون أبو غزالتين بقرش وظهرة النيل بتعريفة، (ونتفرشخ) قدام طش الغسيل ونلم هدوم المدرسة ونديها وشين غسيل ، ووش مصمصة، وبعدين نكسر حتة من الظهرة (ونظهر) الهدوم البيضاء كلها إلا اللباسات عشن اللباسات ما بفتشوها في المدرسة يوم السبت والتلاتاء. بعد كده نغسل الأردية الإستاك بورت، ويوم الجمعة نكويها بي مكوة الفحم ونعمل حسابنا (ما نحرقها). هذه الاستراتيجية والسياسة (المجربة استمرت معنا 8 سنوات (نغسل ونظهر) وبالتالي نظهر كل أسبوع في (شكل مقبول). لكنها فيما يبدو (والله أعلم) أنها استمرت مع الكيزان حتى اليوم فهم قد جربوا الغسيل والظهرة والمكوة كاستراتيجية اتبعوها منذ 36 سنة وكانت (ظابطة) معاهم كويس ولا داعي لتغييرها. يغسلون من شاءوا و(يمصرون ويعصرون ) من شاءوا ويظهِّرون من شاءوا.

منذ أيام تواترت الأخبار عن محادثات يجريها وفد (غير رفيع المستوى) بواشنطن التي دنا عذابها جداً، وطرفا المحادثات الجيش الكيزاني والدعم السريع. وهنا قبل كل شيء وقفة قصيرة نتيحها لكل سوداني (من الزمن الجميل أو جيل ثورة ديسمبر المجيدة) عشان (يتشهود) ويشيل نفس ويتعوذ من زمن أصبح من يتفاوض (نيابة عنه) هم الحرامية الذين سرقوا ماضيه وحاضره، هم الكيزان من خلف الستار والدعامة على عينك يا تاجر. هل هناك مهزلة أكبر من هذه تلوح في الأفق. الوفد الكيزاني للجيش يرأسه ضابط برتبة فريق، ولا علم لي بمن يرأس وفد الدعامة وكما قال الفنان (ولا بنساك ولا عايز ولا بقدر) وهذا ينطبق على طرفي مائدة المفاوضات. ففي مثل هذه الأيام قبل 62 سنة جلس على مائدة بالقصر بالخرطوم (رجال شرفاء) لا فيهم طق ولا فيهم شق يتفاوضون حول تسليم السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة الفريق إبراهيم عبود (كان هو الفريق الوحيد بالجيش) ومعه ( اللواء عوض عبدالرحمن ، محمد إدريس عبدالله ، العقيد يوسف الجاك ، العقيد مزمل غندور والعقيد محمد الباقر أحمد. وجلس أمامه ثلة أتذكر منهم بابكر عوض الله، طه بعشر ، أحمد سليمان، الأمين محمد الأمين وأحمد متولي العتباني وميارك زروق وعابدين إسماعيل وسر الختم الخليفة. فهل هناك وجه للمقارنة، فقد خرج الاجتماع خلال ساعات بتسليم السلطة للمدنيين ورفض عبود الاستمرار كرئيس حتى تستقر الأوضاع، وبعد رجاء واستجداء وافق على أن يستمر لمدة شهر (على أن توفر له الدولة بيتاً حكومياً يقيم فيه ريثما يدبر لنفسه سكناً مع أحد اقربائه) فقد كانت تلك دولة ال زيرو فساد. وعندما انتهى الشهر ذهب كما وعد. ويومها، عرض عليه مبارك زروق مبلغ 5 ألف جنيه لبناء بيت له فرفض استغلال المال العام لأغراض شخصية وقال إنه سيقيم مع قريبه الفاتح عبود المحامي. وهنا قال مبارك زروق قولته المشهورة باللغة الإنجليزية وترجمتها (أقطع يدي إن لم يكن هذا الرجل أعظم من كل الزعماء الذين عرفتهم وعرفهم العالم).

لماذا ذكرت هذا الموقف وأطلت فيه؟ ذكرته للمقارنة بين مفاوضات تجري في وضح النهار بين سودانيين وبدون وسيط ووجهاً لوجه وبين طرفين شرفاء حتى النخاع. ولم تستمر سوى أقل من أربعة أيام. ذاك كان الجيش الذي عرفناه أبيٌ وفيٌ عصيٌ عن الفساد والهوى والاختراق السياسي، فعندما (سلم عبد الله خليل السلطة لعبود في 17 نوفمبر 1958طلب منه تعيين السيد عبد الرحمن المهدي رئيساً للدولة فرفض عبود)، الجيش كان يرفض التسييس، هل أدركتم الفرق. اليوم قامت حرب أتت على الأخضر واليابس وطرفا الحرب فصيل عبارة عن مليشيا كونها الجيش (بعد أن تم تسييسه وتمكين الكيزان عليه بالكامل) وهو شيء لم يكن ليخطر ببال (جيش عبود) بالرغم من أنهم في مجلس وزرائهم أتوا بالتكنوقراط الحقيقيين للوزارات التي رأوا أنها يجب أن تدار بخبرة تفوق خبرتهم كعسكريين، فأتوا بمأمون بحيري للمالية وأحمد خير للخارجية ومحمد زيادة أرباب للتربية والتعليم وغيرهم من التكنوقراط.

اليوم تدور المحادثات في واشنطن أو لا تدور فالشعب لا يعرف بالضبط، ولماذا كل وفد في غرفة (كأنهم أجاويد يريدون إرجاع فلانة لطليقها فلان). بئس الجيش وبئس المليشيا وبئس وتعس الكيزان والراجي منكم فائدة وطاته صبحت. أما حكاية الغسيل والظهرة فقد اجتمع (المؤتمر الوطني والإسلاميين) هكذا جاء في الأخبار ولم افهم من هم الإسلاميون المجتمعون غير الكيزان (كلهم كيزان بمختلف مسمياتهم)، اجتمعوا وقالوا أن البرهان (راح ليهو الدرب) ويجب أخذ الحيطة والحذر. هل صدقتم هذا الكلام، لا أعتقد أن عاقلاً تفوت عليه هذه (البلفة) كما فاتت على البنوت اللائي قال لهن العبادي في رائعته (سايق الفيات) :
عطشان قلت ليهن وصحَّت البلفة.
مافيش كاس قريب قالن بدون كلفة .
تشرب من كفوفنا لما تتكفى.
العبادي بلف البنيات bluffed them والبلفة كانت زمان كلمة معروفة متداولة وتعني الخدعة. وهن مالقن (كوز قريب) لندرة الكيزان في ذلك الزمان وكان حنان الكفوف يغني عن الكيزان وبدون كلفة. أما بلفة اليوم بأن البرهان فارق درب الكيزان فهذه لن تفوت علينا حتى وإن استنطقوا العبادي وجميع شعراء الزمن الجميل من رقدتهم. قانون عرفناه وعاصرناه في السودان (خمسة لا يتبدلون الكوز والشيوعي والبعثي) والإتنين الباقيين ما بقدر اقولهم. البرهان ياسادة في طش الغسيل يخضع لوشين صابون أبو غزالتين وحيمصمصوه ويمصروه ويظهروه وحيجيكم يقدل تاني . أبو داوود قالوا ليهو عثمان حسين ظهر بطريقة جديدة ضربت الوسط الفني ، قال ليهم (زي الجزمة القديمة المكرمشة الضربوها ورنيش). طبعا أنا زعلت من النكتة عشان من عشاق عثمان حسين. دحين أعملوا حسابكم من أجندة الكيزان الجديدة (صابونة وظهرة وممكن ورنيش برضو).
[email protected]

‫2 تعليقات

  1. لك التحية دكتور عثمان. كالعادة مقالك في منتهى الروعة. المقارنة بين حالة الجيش زمان وحالة الجيش الآن تبعث على الاسى. اما حالة الشعب السوداني فتصعب على الكافر ولكن عبدة السلطة والدينار وتجار الدين والأفاكين ومرضى النفوس لا يهمهم شىء. في بداية الحرب خرج علينا المعتوه قائد البحرية السابق الفريق فتح الرحمن متوعدا بعدم تطبيق الاتفاق الاطاري حتى لو احترق السودان كله. وقبل ايام خرج علينا المعتوه الآخر “الخبيث الإسطراطيجي” عبدالباسط متوعدا بحرق رمال وغابات السودان اذا تم تطبيق مبادرة الرباعية. لن استغرب يا دكتور عثمان اذا تم وقف اطلاق النار في قادم الايام بضغط من الخارج ان نشهد تفجيرات وعمليات انتحارية فالكيزان في حالة يأس وتوهان وانهيار وواضح عليهم اثر الغسيل بالصابون والعصرة القاتلة. ربنا يورينا فيهم يوما اسودا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..