مقالات وآراء

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم: إنقلاب عسكري آخر بعثوه ذميما مُضرم(2)

أقنعة تحالف بورتسودان وأقنعة تحالف تأسيس الطقوسية والوجه الآخر لعمسيب

 

محمد عبد الخالق بكري

التعريف الخاطئ لما يحدث منذ أبريل 2023 يعوق مقاومته ووضع نهاية له. ما يحدث ليس حرباً أهلية، بل هو انقلاب عسكري. لذلك يظل شعار لا للحرب شعاراً كسيحاً عاجزاً عن توحيد الحركة المدنية في مواجهة الانقلاب ذي الرأسين.

تصطف الآن قطاعات هامة من الحركات المدنية والحركات المسلحة والمثقفين مع هذا الطرف أو ذاك من أطراف الانقلاب — وقد حدث ذلك تاريخياً من قبل في تاريخ الانقلابات العسكرية في السودان — مما يشير إلى أن الأزمة هي في الواقع أزمة المؤسسة السياسية السودانية ككل.

لابد من إدراك أن المأساة الكبرى من قتل وتقتيل وتنكيل وإبادة ومجاعة ونزوح وأوبئة وانهيار للبنية التحتية، بل انهيار البيئة الجغرافية، هي النتيجة والمحصلة النهائية لتدهور المؤسسة السياسية السودانية ككل بنظامها الحزبي التعددي وشقها الانقلابي.

لكن، لابد من الإصرار هنا، هذه المرة، أن الانقلاب العسكري يلعب دور حفار القبور للمؤسسة السياسية السودانية بأكملها. إذا لم يُفهم ذلك ستظل المؤسسة السودانية تدور حول نفسها في دوامة من الحروب والانقسامات إلى أن تفنى.

هذه الحرب قامت بين شريكين في انقلاب عسكري وقع خلاف بينهما، وهذا أيضاً ليس غريباً في تاريخ الانقلابات العسكرية في السودان. التكتيك الانقلابي للاستيلاء على السلطة أنتج هذا الوضع، وانزلاق الحركة المدنية نفسها في ممارسة الطقوس واللهاث خلف السلطة والحكم والمكانة مكّن الشريكين الانقلابيين من استعمال الأقنعة والطقوس، ذلك لأن الأطراف المدنية نفسها ولغت في الطقوس واللهاث خلف السلطة والأقنعة.

تناولت في الحلقة الماضية ملامح الانحدار نحو الطقوسية فيما حدث بين البرهان وحميدتي (الجيش والدعم السريع). ووعدت بأنني سأتناول في حلقة تالية انحدار النظام الحزبي السوداني ككل وساسته وتحالفاته الراهنة – الذي هو جزء من المؤسسة الآفلة – في الطقوسية والطقوس. وقلت سأتناول ذلك بأمثلة بارزة عبرت عنها هذه الأحزاب والتحالفات، بما في ذلك تحالف حكومة بورتسودان وتحالف تأسيس وحكومته، ثم قحت/تقدم/صمود، ثم التغيير الجذري/الحزب الشيوعي. وخلال ذلك سأتناول شهادات ونظرات كتاب مرموقين عبروا عن انخراطهم في هذا المأتم الطقوسي انحيازاً لهذا الطرف أو ذاك من الانقلابيين.

لنبدأ بتحالف بورتسودان وتحالف تأسيس. ولابد أولاً من نزع قناع الطقوس من أوجه التحالفين بأمثلة بسيطة.

—

تحالف بورتسودان

تعامل البرهان وتحالفه الراهن مع الوثيقة الدستورية يقربنا خطوة أخرى نحو فهم الطقوسية. إلى اليوم يعتمد البرهان في الحكم على الوثيقة الدستورية، بينما يجمع القانونيون على أنه تم عملياً إلغاء هذه الوثيقة منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021. وبالتالي أي تعديلات عليها هي في حقيقة الأمر باطلة ولا قيمة لها.

إذن، تعلق البرهان وتحالفه بالوثيقة عبارة عن قناع طقوسي لاستجداء الشرعية محلياً وإقليمياً وعالمياً، حيث لم يعد للوثيقة وجود قانوني. سقط التعاقد، دستوري أو غير دستوري، ولكن البرهان يصر عليها كقناع طقوسي في سبيل البحث عن شرعية مفقودة (ولابد أن نتذكر هنا أن حميدتي كان شريكه في تلبس هذا القناع).

الانحدار في الطقوسية لا قاع له. فلنأخذ نظرة إلى إعلان تحالف البرهان متأخراً جداً عن تشكيل حكومة مدنية من التكنوقراط يرأسها رئيس وزراء مدني. كتب الكثير عن رئيس الوزراء وخوضه في الطقوس – ابتداء من توزيعه للزهور والورد في الطائرة إلى سجدته وتعفير وجهه بمدرج المطار إلى إطلاق العنان لعقيرته بالهتاف بحياة طويلة لرئيس دولة جارة في الشارع العام. هذا كله لا يعدو أن يكون مظهراً سطحياً من الطقوسية، ولكن الطقوسية مثل لعبة (البازل) تمسك كل قطعة منها برقبة الأخرى.

تبدت طقوسية منصب رئيس الوزراء أكثر وضوحاً في افتقاده القرار منذ الوهلة الأولى حتى في تكوين حكومته واختيار وزرائه، حتى مع الإعلان الهزلي في الصحف ووسائل التواصل “عن وظيفة وزير شاغرة.. تقدم الطلبات إلى..” فلندع هذا الطقس الفج جانباً.

ادعى تحالف البرهان أنه بصدد تكوين حكومة تكنوقراط يرأسها مدني بعد الفراغ العريض لفترة طويلة تلبية لمتطلبات إقليمية ودولية. ومعروف أن حكومة تكنوقراط يعين فيها الوزراء بناءً على مهاراتهم الفنية والتقنية بدلاً عن الانتماء السياسي والمحاصصات. ودائماً ما تشكل في قمة الأزمات السياسية.

في نهاية الأمر، بعد وعد ووعيد (وامشى وتعال.. وقوم لف! ولت وعجن) احتفظ قسم تحالف البرهان المعروف بالقوات المشتركة بـ6 وزارات بما فيها المالية والمعادن، وابتلع رئيس الوزراء مهانة الموقف بعد أن أطلق على حكومته حكومة الأمل وخرج من المولد الطقوسي دون حمص، اللهم إلا القرطاس الطقوسي كرئيس لحكومة تكنوقراط وهمية.

الأمثلة الدالة على الطقوس وفيرة، وقدم البرهان والسيد عقار حصيلة وافرة منها، ولكن علينا أن نركز فيما يهم الناس من طقوس الانقلابيين.

شهدنا مثالاً آخر لسياسات تحالف بورتسودان الطقوسية فيما عرف بـ“ورشة مناقشة مقترحات تعديل قانون الصحافة لسنة 2009″، عقدت الورشة تحت شعار “حرية إعلامية بمعايير مهنية.” حضر الورشة كتاب وصحافيون، وبالطبع سياسيون وقانونيون، بل وحراس القانون من نواب نيابة ومحامي الحكومة العام نفسه.

تحدث العديد منهم، ولم تخلُ خطبة واحدة من كلمات “الحرية” و”حرية الصحافة” و”حرية التعبير” و”الاعتراف بحق الصحافي في الوصول إلى المعلومة”، بل و”مواجهة خطاب الكراهية.” بينما قانون الوجوه الغربية ساري المفعول في نفس اللحظة على بعد خطوات من فندق منتجع الربوة، مكان انعقاد الندوة.

واقع الأمر أن الورشة برمتها طقس فخيم أسدى لكلمة الحرية، وعلى وجه الخصوص حرية الصحافة والمطبوعات، كل الثناء والتبجيل، ولكن في النهاية كان الطقس والمذبح واضحاً. الغرض الرئيسي من الورشة كان التمهيد للحد من حرية النشر والصحافة، حيث تلت كل الكلمات والخطب عن الحرية مفردة (…ولكن)، وتصدرت كلمات مثل (مقتضيات الأمن القومي) و(حماية قيم المجتمع) و(الممارسة الصحيحة لاستخدام المعلومات)، فضلاً عن (المرتكزات الدينية والأخلاقية) معظم الأوراق والتوصيات.

وبالطبع تتناقض الورشة الطقوسية في رمتها ومخرجاتها مع حرية الصحافة كما أقرتها المواثيق الدولية، بل ضاقت حتى بقانون 2009 الذي تمت صياغته تحت ظل دكتاتورية عمر البشير. وقد وصف قانون 2009 عندها بأنه “أكثر تشدداً من قانون الصحافة لعام 2004.”

رغم تعقيد مفهوم الطقوسية، هذا بالضبط ما أقصده بالطقوس في هذه الحالة: قناع كثيف لإخفاء الحقيقة عن طريق إفراغ جوهرها والإبقاء على اللغة كقوقعة فارغة. وللمفارقة، الجميع يعلم ما حدث للصحفيين من إيقاف بل واعتقال بعد الورشة.

 

تحالف تأسيس وفلاسفته

لننظر الآن إلى الجانب الآخر من العملة في طقوسية الانقلابين: تحالف تأسيس وأقنعته من خلال النظر إلى المثقفين المنحازين له.

المقولة الأساسية لهذا التحالف التي عبر عنها منظروه الجدد تتعلق بصراع الهامش والمركز والنخبة النيلية المسيطرة والاضطهاد التاريخي للهامش، خاصة الغرب، على يد النخبة النيلية. هناك حديث كثير في وسائل التواصل الاجتماعي عن الامتيازات التي تمتعت بها القبائل التي تسكن في مثلث حمدي.

ذلك صار تنظيراً محورياً بين داعمي مشروع الدعم السريع الانقلابي الحالي، ولعل خير من يمثله الدكتور الوليد مادبو. د. مادبو يتحدث عن “نخب المركز – ومن يدور في فلكها من نخب الأقاليم المصطنعة – وقد امتهنت الكذب والتضليل.”

هذا مقتطف من مقاله الأخير المنشور بتاريخ 1 نوفمبر 2025 بعنوان “تحرير الفاشر: سقوط الوهم وولادة الوطن.” في هذا المقال يستنكر د. وليد قول بعض النخب “المركزية” بسقوط الفاشر بينما أن ما حدث في نظره تحرير، بل ولادة وطن.

هذا، في نظري، قناع طقوسي كثيف يصدر من أكاديمي له باع كبير في حقله، ويبدو لوهلة قناعاً من الصعب تفكيكه، لأن التهميش واقع والتهميش حقيقة منذ أول انقلاب عسكري والحرب على القوميات الجنوب سودانية — بل منذ تأسيس أول حكومة تعددية سودانية تحت ظل اتفاقية الحكم الذاتي وقبل الاستقلال — إلى أن استقال مواطنو جنوب السودان من هذه المؤسسة الظالمة وانفصلوا وأسسوا دولتهم.

لكن في النهاية، في نظري، د. وليد يتحدث نيابة عن انقلاب آخر ويلبس قناع يمثل انقلاب الآخر: انقلاب حميدتي والدعم السريع.

جملة الوليد في هذا المقال ونصفها الآخر على وجه التحديد التي تقول:

> “… نخب الأقاليم المصطنعة وقد امتهنت الكذب والتضليل”
قد تفتح لنا نفاجاً في تحليل طقوسية هذا القول وطقوسية الدفاع عن الطرف الآخر من الانقلاب.

 

ألا يعني تعبير د. مادبو “نخب الأقاليم المصطنعة” اللفظ الدارج بين مؤيدي الدعم السريع لدمغ أبناء دارفور المؤيدين لتحالف البرهان المعروفين عندهم بـ((الفلنقيات))؟

الوليد مادبو أكاديمي، أوجه له السؤال التالي: هل يكفي وصف (فلنقيات) وتهميش الأطراف، بما فيها دارفور، وسيطرة المركز — كيف يكفي ذلك لإهمال الاقتصاد السياسي للانقلاب العسكري في السودان وما يترتب عليه من توزيع السلطة والثروة والمكانة؟

السؤال قائم سواء استُعمل تعبير “نخب مصطنعة” أو “فلنقيات.”

كيف تُفسر وجود (فكي) جبريل، كما يقول رفاقك في وسائل التواصل الاجتماعي — ويا للوصف العنصري البغيض — في قلب سلطة بورتسودان؟
كيف تُفسر وجود حاكم دارفور الطقوسي منى أركو في قلب سلطة الجلابة؟
كيف تُفسر وجود وزير دفاع ينحدر من قبائل جبال النوبة، الفريق حسن داؤود كبرون كيان — وهو السكرتير الأول للجيش الذي “طالما استخدم طائراته ومدفعيته لإبادة القرى الآمنة في دارفور” — على حد تعبيرك؟
كيف تُفسر وجود أحد أبناء قبيلة الرزيقات — عرب دارفور، بل قبيلة حميدتي نفسه ونسيبه — في هيئة أركان الجيش الذي يقاتل حميدتي الآن؟
كيف تُفسر أن زعماء أكثر المجموعات الثقافية تهميشاً في تاريخ السودان مثل شعب البجا يقفون الآن مع انقلاب البرهان (ومن قولت تيت، بل منذ إغلاق الميناء في وجه الصادر والوارد وخنق الاقتصاد المحلي في وجه حكومة حمدوك)؟

هذا لا يُفسر بعبارة “نخب الأقاليم المصطنعة.”

هذا ليس مثلث حمدي، هذا نادي السلطة الانقلابية، ويصح لك أن تقول “نخبة الانقلاب.” وهي عبارة عن شخص ما — أو جماعة ما — من كل عرقية سودانية فرضت لنفسها مقعداً في طاولة الانقلاب العسكري بطريقة أو بأخرى تحت ظل (Predatory State)، وأنت أستاذ في الحوكمة.

ذلك لأن الهامش في قلب المركز والمركز في قلب الهامش، وحميدتي نفسه وحركته المسلحة كان في قلب المركز وقاتل أبناء عمومته من أجل المركز ومركزه وسالت دماء.

هل كان حميدتي نخبة مصطنعة؟ لقد احتل مقعداً مرموقاً في هذه الطاولة، قبل انتفاضة ديسمبر وبعدها، وبنفس تلك المقاييس كان حميدتي أكبر الـ(فلنقيات) التي شهدها تاريخ دارفور السياسي حتى الآن.

بكل بساطة هناك أقنعة طقوسية لستر الانقلاب يلزم الكشف عنها منذ زمن

“يا حارسنا وفارسنا وبيتنا ومدارسنا”
التي قال بها شاعر مجيد في شبابه تحت سطوة ضبابية لانقلاب آخر اندثر في شعاب التاريخ.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..