
في المقال السابق، تحت هذا العنوان، ذكرنا أسباب تمركز الوظائف العليا والوسيطة في دولة ما بعد الاستعمار، في الكوادر من مناطق وسط وشمال السودان. وبينا أن ذلك يرجع إلي السياسة الاستعمارية بتركيزها خدمات التعليم في القطاع الحديث، الذي نشأ في وحول المشروع العملاق لزراعة القطن في منطقة الجزيرة وسط السودان. وفي واقع الأمر تركت المناطق الواقعة في القطاع التقليدي، تحت نظام الإدارة الأهلية، المعتمد علي زعماء القبائل منذ ولاية السير “ونجت”، {1900- 1916}. ورغم أن هذا النوع من الإدارة قد اعتمد علي شيوخ القبائل كزاعماء إداريين بسلطات قضائية، إلا أنهم لم يعتمدوا كاداريين حكوميين بدرجات إدارية ورواتب. لذلك اعتمد زعماء الإدارة الأهلية، علي جزء من الدخل الذي يتحصلونه من الضرائب المفروضة علي القطعان في أسواق الماشية ومحاصيل الزراعية المطرية؛ وعلي العائد من علاقات الإنتاج “شبه الإقطاعية”. وبالتالي لم يهتم المستعمر بفتح مدارس لتأهيل أي نوع من الكوادر لكي تساعد في إدارة القطاع التقليدي. تجدر الإشارة إلى أنه وحتي العام 1944، كان هناك خريج واحد من إقليم دارفور الذي تم ضمه للإدارة الاستعمارية علي السودان في العام 1917. وحتي العام 1952، كان حوالي 15% فقط ممن يكملون الدراسة الاولية في الإقليم، يستوعبون في المرحلة المتوسطة. كذلك تجدر الإشارة الي أنه حتي العام 1953 كانت هنالك مدرسة متوسطةواحدة في إقليم دارفور، ومدرستان في كل من كسلا وكردفان وثلاثة مدارس في الأقاليم الجنوبية وخمسة في كل من النيل الأزرق والشمالية.
نذكر بأن العديد من المدارس الأولية، في تلك الأقاليم، قد أنشئت بالعون الذاتي الأهلي خلال فترة الإستعمار وبعدها. كل هذة الحقائق، تؤكد أن السياسة الإستعمارية هي السبب فيما ورثته الدولة من خلل وعدم توازن في توزيع خدمات التعليم بعد الإستقلال. لكن من المؤسف أن هذا الخلل قد استمر ولو بدرجة أقل نسبيأ إلي يومنا هذا. وذلك ينطبق أيضأ علي خدمات الصحة، المياه، الكهربأء، استصلاح الأراضي، الخ… وكما أسلفنا، ظلت العلاقة بين القطاعين الحديث والتقليدي، علاقة ذات اتجاه واحد، حيث تستنزف موارد القطاع التقليدي نحو المراكز الحضرية دون رجوع عائدها للإستثمار في مناطق مصادرها. نذكر هنا بأن مساهمة القطاع التقليدى في الناتج المحلي الإجمالي، كانت أكثر من 50% خلال الفترة التي سبقت استخراج البترول.
من البديهي أن الإستقرار ، السياسي، الإقتصادي الإجتماعي، يتطلب اعتماد وتطبيق استراتيجية تنمية متوازنة تزيل الفجوة بين القطاعين الحديث والتقليدي وتعتمد نظام إدارة لامركزي، يساعد علي تحديد واشباع الحاجات المادية والثقافية المحلية للسكان. وبلا شك، ذلك لن يتم إلا في ظل نظام ديمقراطي يحقق العدالة الإجتماعية المفقودة، حتي بعد خروج الإستعمار. ومن المؤكد، أننا إن استطعنا إلي ذلك سبيلا، سوف نتخطي، بل نكسر الحلقة المفرغة التي ظلمنا ندور داخلها منذ العام 1956 وحتي الآن. الحلقة المفرغة التي أوصلتنا الدرك السحيق الذي نحن فيه الآن. حقأ لن نستطيع الخروج من مأزقنا هذا دون تخطي عقبة الإزدواجية القطاعية، إلي رحاب نظام حكم ديمقراطي حقيقي، يفضي إلي التنمية المتوازنة التي تحقق استحقاقات الحرية والسلام والعدااااالة.
“اللهم قونا وقدرنا علي كسر الحلقة المفرقة الشريرة وعلي تخطي عقباتها من ظلم وبؤس وإزهاق للأنفس التي حرمت إلا بالحق”.




دولة 1898 سقطت من السماء!!