مقالات وآراء

خطاب الكراهية… حين يحاول الكيزان صناعة وهم الخيانة

ما يُبنى اليوم في السودان ليس مجرد رأي مضاد أو موقف سياسي متوتر، بل هو خطاب كراهية منظم، تعمل على تضخيمه أبواق الكيزان التي لم تتوقف يومًا عن صناعة الأعداء الوهميين. هذا الخطاب لا يستهدف طرفًا عسكريًا بقدر ما يستهدف وعي الناس؛ إذ يحاول أن يغرس في المجتمع فكرة زائفة مفادها أن كل من يرفض الحرب هو خائن، وعدو، ومنتمي للدعم السريع، حتى لو لم يكن بينه وبين أي طرف أي رابط سوى أنه مواطن يريد النجاة لبلده ولأهله.
الذين يقولون “لا للحرب” ليسوا أصحاب شبكات مصالح، ولا يتكئون على ثروات، ولا ينتظرون مواقع سلطة. هم ببساطة مواطنون عاديون خسروا من حياتهم ما يكفي، ويرون أن استمرار الحرب هو استمرار لنزيف بلدهم. هم من لا يملكون إلا صوت الحقيقة، ولا يحملون إلا خوفًا على وطن يتلاشى.
وفي تناقض مرير يفضح خواء خطابهم، يروج الكيزان لفكرة أن “لا نهاية لهذه الحرب إلا بالموت”، وكأن التفاوض جريمة، وكأن كل تجارب السودان السابقة من الجنوب إلى دارفور لم تُحسم إلا بالجلوس حول طاولة الحوار. وحتى عالميًا، انتهت الحروب الكبرى كلها بالتفاوض لا بالإبادة. ورغم هذا التاريخ الواضح، يصرون على صناعة وهم دموي يُقنع الناس بأن الحرب قدر أبدي، بينما الحقيقة أنه مجرد ستار يحجب مصالحهم.في المقابل، أولئك الذين يشعلون الحرب ويستثمرون في استمرارها هم ذاتهم أصحاب المصالح الواسعة، والشبكات المالية الضخمة، والامتيازات التي لا يمكن أن تُصان إلا إذا تُرك المجتمع ممزقًا، خائفًا، ومشتتًا. الكيزان يدركون أن السلم يهدد مواقعهم، وأن وعي المجتمع هو الخطر الأكبر على مشاريعهم؛ لذلك يدفعون بخطاب الكراهية إلى أقصى حدوده، ويصنعون عدوًا من كل صوت حر.
الخطر الحقيقي لا يكمن في أصوات الكراهية نفسها، بل في أن يصدّق الناس هذه الأكاذيب. هذا التصديق يشير إلى ضعف الوعي المجتمعي وإلى هشاشة الثقافة المدنية بعد عقود من التلاعب بالعقول. حين يصبح رفض الحرب جريمة، وحين يتحول صوت العقل إلى تهمة، فهذا يعني أن المجتمع يعيش حالة من الاضطراب القيمي التي تحتاج إلى إعادة بناء عميقة.
لكن رغم كل هذا، ما يزال هناك خطاب آخر يولد في الشارع: خطاب الوعي، والتماسك، والقدرة على الفرز بين من يريد الوطن ومن يريد الغنيمة. هذا الوعي الصاعد هو ما يخيف الكيزان، لأن مجتمعًا واعيًا لا يمكن أن يُخدع بسهولة، ولا يمكن أن يُقاد بشائعة، ولا يمكن أن يعيد إنتاج جلاديه.
إن قوة المجتمع ليست في عدد السلاح، بل في صلابة العقل، وفي قدرته على رفض التلاعب. وكلما ارتفع صوت “لا للحرب”، اتسعت دائرة الوعي، واهتزت أبراج الزيف التي يحتمي خلفها تجار الخوف.وعندما يصل المجتمع إلى هذه النقطة نقطة الوعي القادر على المقاومة فلن يكون خطاب الكراهية أكثر من صدى باهت يحاول أن يعيش في زمن لم يعد يشبهه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..