الأمم المتحدة تبدأ رسمياً في إختيار أمينها العام الجديد

طه يوسف حسن
حراكٌ دبلوماسي تشهده أروقة الأمم المتحدة في نيويورك و بعض العواصم من أجل إختيار الأمين العام للأمم المتحدة في مرحلة غير مسبوقة من الاهتمام السياسي والدبلوماسي، مع اقتراب نهاية ولاية أنطونيو غوتيريش وبدء العدّ التنازلي لانتخابات 2026. لكن ما يميز هذا السباق ليس فقط الأسماء المطروحة، بل السياق الدولي المضطرب والضغوط المتزايدة لإعادة تعريف شروط القيادة في المنظمة.
أزمة شرعية متراكمة… وطلبٌ متزايد على الشفافية
منذ إنشاء منصب الأمين العام للأمم المتحدة عام 1946، ظل اختيار الأمين العام عملية مغلقة تتحكم بها إلى حد كبير الدول الخمس دائمة العضوية، رغم أن المنصب يمثل، نظريًا، “ضمير المجتمع الدولي”. ومع أن الجمعية العامة أقرت قواعد جديدة للشفافية في سبتمبر الماضي، فإن القرار النهائي لا يزال محتجزًا داخل الغرف المغلقة في *دائرة الفيتو* إذ يتطلب المرشح دعم 9 أعضاء من مجلس الأمن دون اعتراض من أي من الدول الخمس الكبرى.
هذه التركيبة التاريخية أصبحت اليوم محلّ جدل واسع، إذ ترى دول من الجنوب العالمي أن استمرار هذه الآلية الإنتقائية لا يعكس التوازن الدولي ، وتعتبر منظمات المجتمع المدني أن تغييب المرأة عن هذا المنصب لأكثر من سبعة عقود أصبح أمرًا غير مقبول سياسيًا وأخلاقيًا.
تنازع إقليمي بين أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية
في قلب المشهد الانتخابي، يبرز تنازعٌ بين مجموعتين إقليميتين ، أوروبا الشرقية — لم تشغل المنصب منذ تأسيس الأمم المتحدة، وتعتبر أن “دورها المستحق” قد تأخر و أمريكا اللاتينية والكاريبي — لم تقدم أمينًا عامًا منذ 34 عامًا، وتملك هذا العام واحدة من أقوى القوائم من المرشحات والمرشحين.
توازن القوى هذا، الذي كان يمكن التفاوض حوله في ظروف أكثر هدوءًا، أصبح اليوم معقدًا بفعل عودة الاستقطاب الدولي، وحرب أوكرانيا، وتراجع الثقة العالمية في المؤسسات متعددة الأطراف.
تأثير التحولات في واشنطن على مسار السباق
يلعب الموقف الأمريكي دورًا محوريًا دائمًا في مثل هذه الانتخابات، خاصةً في ظل وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض يعيد رسم الحسابات بالكامل بسبب إنتقاده لمنظومة الأمم المتحدة ،إذ إن التوجه الدولي الذي كان يدفع باتجاه اختيار امرأة من أمريكا اللاتينية قد يتأثر برغبة إدارة ترامب في دعم شخصية أكثر تحفظًا أو توافقًا مع رؤيتها للعلاقات الدولية.
هذا العامل وحده كفيل بإعادة تشكيل خريطة التحالفات، وفتح الباب أمام مرشحين من خارج التوقعات التقليدية.
قراءة في خريطة المرشحين
السباق الحالي لا يضم أسماء عابرة، بل شخصيات تمتلك سجلات دبلوماسية وإدارية ثقيلة و أبرز المرشحات والمرشحين المُعلنين:
من بينهن ميشيل باشيليت من (تشيلي): ، الرئيسة السابقة والمفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وتشمل خبرتها العمل كأول مديرة تنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة. وقد أيّد وبارك رئيس تشيلي، غابرييل بوريك، ترشيحها رسميًا، قائلاً: “المساواة ليست لفتة رمزية؛ بل تُحسّن الفعالية والشرعية”.
يترشح أيضًا، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل ماريانو غروسي من الأرجنتين الذي بُنيت حملته على خبرته في الأمن النووي ودبلوماسية الأزمات. غروسي، الذي أكد ترشحه رسميًا في أغسطس في مؤتمر صحفي بواشنطن، قال إنه لا يعتقد أن الجنس يجب أن يكون عاملاً حاسمًا في السباق.
ريبيكا غرينسبان: من كوستاريكا، الأمينة العامة للأونكتاد، نائبة رئيس كوستاريكا سابقاً، يؤكد برنامجها صراحةً على الحاجة إلى إصلاح متعدد الأطراف.
ديفيد تشوكيهوانكا نائب رئيس بوليفيا، يضيف بُعدًا سياسيًا من أمريكا الجنوبية، لكنه قد يواجه صعوبة في حصد توافق واسع.
برونو دونات (موريشيوس): دبلوماسي في الأمم المتحدة، يمثل المجموعة الأفريقية تقليديًا، لكن حظوظه مرتبطة بتوافقات داخل القارة الأفريقية وخارجها.
أسماء مرشحة متداولة خلف الكواليس:
ويكمل القائمة المعلنة ديفيد تشوكيهوانكا، نائب رئيس بوليفيا،و يتسع نطاق الترشيحات أيضًا، ليضم رئيسة وزراء باربادوس ميا موتلي، ووزيرة البيئة المكسيكية أليسيا بارسينا، ورئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن، ومن بين المرشحات المحتملات الأخريات اللواتي وردت أسماؤهن في الصحافة: أمينة محمد، نائبة الأمين العام من نيجيريا والمملكة المتحدة؛ وكريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي من بلغاريا؛ وأخيم شتاينر، المدير الألماني البرازيلي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ وفوك يريميتش، وزير خارجية صربيا السابق والرئيس السابق للجمعية العامة؛ وماريا فرناندا إسبينوزا غارسيس من الإكوادور، الرئيسة السابقة للجمعية العامة.
إرث أنطونيو غوتيريش…
سيترك غوتيريش وراءه سجلًا معقدًا، برغم أنه نجح في إصلاحات داخلية وحقق التكافؤ بين الجنسين إضافةً إلى قيادة حكيمة للملف المناخي إلا أنه واجه انتقادات بسبب صمته و حياده تجاه الانتهاكات الكبرى التي ارتكبتها الدول مثل ما حدث في غزة و السودان.
الدول الخمس الدائمة العضوية، هي الأخرى عقبة رئيسية في طريق الإصلاح وهو ما يراه المؤيدون “براجماتية ضرورية” ويعتبره المعارضون “تنازلًا عن السلطة الأخلاقية”.
المرشح القادم سيرث عالمًا أقل استقرارًا، وأممًا أكثر انقسامًا، ومنظمة بحاجة لإعادة تعريف دورها في مواجهة الأزمات المناخية والأمنية والاقتصادية.
المرحلة المقبلة ستشهد ، جلسات استماع علنية للمرشحين، اقتراعات سرية متعددة داخل مجلس الأمن، قد تمتد لأسابيع أو أشهر ، صفقات وتوافقات بين كتل إقليمية صاعدة وقوى كبرى لا تزال تملك مفاتيح اللعبة.
في الجوهر، هذا السباق ليس مجرد اختيار إداري رفيع، بل اختبارٌ لمستقبل الأمم المتحدة نفسها و لمستقبل الشعوب : هل تستجيب قواعد السباق الإنتخابي للتغيير ؟ أم أن قواعد الخمس الكبار ستفرض مرة أخرى واقعًا مكرراً للدورات السابقة؟



