مقالات وآراء

حال البلد 2/2

 

تاج السر بدوي زين العابدين

تمثل السيطرة على الفاشر من قبل الدعم السريع خسارة ميدانية يصعب تعويضها بعد أن بسطوا سيطرتهم على ولايات دارفور الأخرى. قبل الفاشر وبعد الفاشر سيطروا على بارا وانتشروا في أجزاء كبيرة من شمال كردفان وغرب وجنوب كردفان. وفي المشهد أيضًا هددت مسيراتهم أجزاء من ولاية الخرطوم: أم درمان ومطار الخرطوم إلخ.

كل هذه الأحداث المؤلمة لا تمثل خسائر في الأرواح ودمارًا للبلد فحسب، بل تصدعًا عميقًا في بنية الدولة السودانية يصعب رتقها. لذلك يبقى المطلب الأشد إلحاحًا هو أن توقف الحرب فعليًا ونهائيًا لكي تتم معالجة الأخطاء السياسية المزمنة وتصحيحها من جذورها. إن وجود السودان كدولة مهدد اليوم أكثر من أي وقت مضى طوال تاريخ البلد، ولا يقارن ما حدث بانفصال دولة جنوب السودان فقد كان ذلك أمرًا مختلفًا وموجعًا أيضًا وانتهى بالانفصال للأسف.

لكي نعرف متى تنتهي الحرب يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أعداء البلاد ظلوا لعقود منذ استقلال البلاد عن بريطانيا يعملون لإضعاف السودان وتفتيت وحدته تمهيدًا للانقضاض عليه وإعادة استعمارِه ونهب موارده. كنا ندرك هذا في العموم وها هو حادث اليوم. أعداؤنا كُثُر على رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا، ودول إقليمية أبرزهم مصر والإمارات العربية المتحدة التي تلعب دورًا إجراميًا على مرأى ومسمع العالم كمخلب للدول الغربية التي تستغلها كقِطَّة سمينة فقط، فجعلوها تنفق أموالًا طائلة للإمداد بالسلاح والعتاد والمرتزقة في حرب السودان وغير السودان. وهناك عدد من دول جوارنا الإفريقي يعادون بلادنا بوضوح بتمرير السلاح عبر موانئها البحرية والجوية وعبر حدودها البرية، وأبرز هذه الدول تشاد وإفريقيا الوسطى ويوغندا وليبيا (حفتر). أما مصر فقد ظلت منذ أمد بعيد تعمل لإضعاف السودان بشتى الطرق ولتفتيت وحدته، وهذا يجعل مصر رأس الرمح في معظم الاعتداءات الواقعة على بلدنا.

وللسخرية تتصدر هذه الدول ما يسمونها إعلاميًا الدول الراعية لجهود إحلال السلام في السودان وهي في الواقع جهود لكسب الوقت لصالحها، وشعارهم المؤكد: دع الحرب تستمر طالما “حيلهم بينهم” وطالما نحن لا نخاطر بقواتنا ومواردنا. هذه خيبة ما بعدها خيبة: أن نقاتل بعضنا البعض من أجل مصالح أعدائنا في الخارج وإطاعة لتعليمات المستبدين علينا في الداخل الذين قادونا إلى الهاوية.

المشهد الخفي

من عيوبنا أننا لا نهتم عادة بمعرفة المشاهد الأبعد من أبصارنا والخافية علينا، ويبدو أن لا حكوماتنا ولا مخابراتنا تهتم بشيء من ذلك. من الأشياء التي نجهلها ولا نهتم بمعرفتها هو كيف عملت هذه القوى المعادية لإنتاج هذا الحال الذي نجد بلادنا غارقة فيه، بما في ذلك إشعال الحرب وجعلها ملتهبة حتى اليوم.

“العمل” هي الكلمة المفتاحية لما يجري ضدنا في الخفاء. ظل أعداؤنا يعملون دون كلل منذ عقود تخطيطًا وتنفيذًا لتجزئة السودان كهدف استراتيجي جيوسياسي واقتصادي حيث يقع السودان في المنطقة العربية الإسلامية المستهدفة بالإضعاف وإشاعة الفوضى لاستغلال ثرواتها وللسيطرة عليها في الأساس.

تاريخيًا كانت هذه المنطقة تحت الحكم الاستعماري البريطاني الفرنسي بموجب عدد من الاتفاقيات فيما بين الدول الأوروبية: أولها اتفاقية برلين 1884–1885 التي قسمت إفريقيا إلى 50 دولة كمستعمرات. ثم اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 وهي اتفاقية بين بريطانيا وفرنسا أساسًا حيث وُزّعت فيها الأقاليم التابعة للإمبراطورية العثمانية (وتشمل الدول العربية) بعد هزيمة الإمبراطورية. ثم بعد ذلك خاضت تركيا حربًا مع الدول الأوروبية في 1923 واستردت استقلالها.

وعندما خرجت دول المنطقة من العباءة الاستعمارية واحدة تلو الأخرى في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حيث حقق السودان استقلاله عن بريطانيا في 1956، وعقب انحسار الظل الاستعماري عن المنطقة ظلت الدول الغربية تخطط لكي تظل مهيمنة على مقاليد الأمور وذلك بعملها الدؤوب في وضع السياسات وتنفيذها على الأرض لتكون مهيمنة على الموارد الاقتصادية، فأمّنت سيطرتها على الحكام العرب وعلى قراراتهم حتى اليوم.

ثم في عام 1948 زرعت الدول الغربية إسرائيل في المنطقة لكي تضمن سيطرتها ونفوذها على الموارد الاقتصادية وعلى رأسها البترول والغاز وبقية الثروات، والآن العالم كله يشاهد كيف تعربد إسرائيل عسكريًا والغرب يمدها بالسلاح والدعم السياسي لتبقى شوكة وسط دول المنطقة. ثم برزت حاجتهم لمخالب من دول المنطقة العربية لكي تنهش اللحم وتكسر العظم، ومن بين تلك الدول تم تجنيد مصر ودولة الإمارات لتلعبا هذا الدور. فانظروا إلى أدوار مصر والإمارات المتناسقة القبيحة في ليبيا والسودان بدفع من إسرائيل: جاء في جريدة الوطن السعودية في 23 مارس 2022 أنه تم عقد اجتماع بين عبدالفتاح السيسي ومحمد بن زايد ورئيس وزراء إسرائيل في شرم الشيخ. ولا نحتاج لفطنة استخباراتية لكي نعلم أن ملف السودان كان الحاضر الأساسي في اجتماعهم. (راجع هذا التاريخ مع الأحداث التي كانت تجري في بلدنا).

ولن يكتمل مشهد الذين يعملون في تمزيق البلاد دون ذكر نظام حكم الإنقاذ الذي قاده د. حسن عبدالله الترابي والقائد العسكري عمر حسن البشير في يونيو 1989. لقد ظهر دور نظام الإنقاذ التمزيقي واضحًا عندما لم يعملوا بصدق لدعم خيار الوحدة لمنع فصل الجنوب. بصورة مجملة نقول إن الاستفتاء الذي أُجري كان صوريًا تمامًا وكان الانفصال هو الخيار الإجباري تقريبًا أمام الجنوبيين، وكان خيار الوحدة ملغمًا بدم جون قرنق فاختاروا الانفصال.

ومن العجب أن نظام الإنقاذ يتبنى هذه الرؤية التمزيقية بشكل ثابت، وهذا أمر تدعمه حقائق يعلمها الجميع. من هذه الحقائق نذكر أن مشروع عبد الرحيم حمدي (وزير المالية في نظام الإنقاذ) تم طرحه بعد أن تبنى حزب المؤتمر الوطني المشروع رسميًا، وكان الهدف منه تنمية الولايات الشمالية والجزيرة والنيل الأبيض والشرق واستبعاد دارفور وكردفان بدعاوى زائفة وغير مسؤولة. ومن الحقائق المعلومة التي تثبت نواياهم التمزيقية أن عمر البشير وعناصر قيادية نافذة في نظام الإنقاذ كانت لهم مواقف تدل على كراهيتهم الشخصية لمواطني دارفور، وتلك مواقف عنصرية جهوية غير لائقة بقادة. إن التكييف القانوني لكل ما ذكرنا هو الخيانة العظمى.

هذا الموجز التاريخي ليس الغرض منه التذكير بالوقائع التاريخية فقط، ولكن الغرض الأساسي هو أن نشير إلى كلمة مفتاحية هي “العمل”. لقد نجحت الدول الغربية في النيل منا وإيذائنا عن طريق “العمل” تخطيطًا وتنفيذًا، ولا يزالون يعملون لتحقيق مصالح اقتصادية لهم خارج حدودهم ولتحقيق هيمنتهم على الدول الأخرى سواء باستعمارها أو بشن الحروب المباشرة وغير المباشرة.

وما يهمنا في هذا الإطار التاريخي هو أن نبيّن أن حكوماتنا المتتالية فشلت في العمل لتنمية البلاد وللارتقاء بالمواطن في حياته ومعيشته، وفشلت في دحر الجهوية والعنصرية، وفشلت في استغلال مواردنا البشرية المؤهلة والطبيعية الهائلة للتنمية لدعم اقتصاد البلاد، وظل السودان في ذيل قائمة الدول الفقيرة لعشرات السنين، وهذا أمر غير طبيعي في حال الشعوب.

ما العمل؟

إن ما يجب علينا القيام به كثير للغاية، ولكن الأولوية هي للتركيز على كل عمل يؤدي إلى إيقاف الحرب. ولإيقاف الحرب لا يوجد أهم من العمل السياسي الراشد الذي يجب أن يؤخذ بشكل جاد من قبل أحزابنا السياسية.

في مرحلة الحرب هذه يجب على هذه الأحزاب أن تعمل لتوعية قواعدها الشعبية كرسالة إلى كل فرد ليقوم بالعمل الذي باستطاعته، مهما يكن العمل صغيرًا، لمنع انتشار السلاح باعتباره العنصر الأساسي لتأجيج نار الحرب وإثارة الفتن في المجتمع. وأن تعمل الأحزاب لشحذ همة قواعدها الشعبية لعمل كل ما يمكن عمله لسد الثغرات المؤدية إلى ترويج وتوزيع السلاح. هكذا ينبغي على أحزابنا أن تخاطب قواعدها في الداخل بدلًا من أن تتجه يمنة ويسرة خارج البلد بحثًا عن طرق لإيقاف الحرب وبحثًا عن حلول لمشاكل البلد.

قبل كل هذا يجب على أحزابنا مراجعة سياساتها الداخلية والخارجية وإصلاحها بنسبة 100% لأنها سياسات فاشلة بالتبعية لفشل الدولة.

وإذا كان هذا النداء يصلح لنخاطب به جميع الأحزاب، فإن حزب المؤتمر الوطني ينبغي أن نخاطبه بصورة مختلفة لأنه الحزب الوحيد الذي باستطاعته التأثير إيجابيًا نحو إيقاف الحرب لو اتخذت قيادته القرار الوطني الصحيح. إن قوة تأثير المؤتمر الوطني نابعة من كونه الأقوى تنظيمًا (بفضل المال العام) وأنه يسود الساحة السياسية السودانية طوال 36 سنة حتى اليوم.

انطلاقًا من هذه الحقائق الثابتة نوجه الخطاب والنداء إلى جميع منتسبي المؤتمر الوطني سواء الناشطين حاليًا أو المبتعدين:

• إن حزبكم يسيطر على الجيش وبالتالي يتحكم في عملياته،
وأن الدعم السريع نشأ وعمل وتطور إلى ما هو عليه الآن داخل المؤتمر الوطني، وبالتالي فإن عناصره القيادية ليسوا غرباء على المؤتمر الوطني. لذلك نوجه الرسائل التالية إليهما:

• إن الانحياز لشعبكم ولمواطنيكم هو الأمر الذي يكسبكم رضى الشعب حتى بعد كل ما حدث، ويا لهول ما حدث. فهلا أوقفوا هذه الحرب العبثية بدلًا من استمرارهم في التقاتل خضوعًا لإملاءات وإغراءات القوى الأجنبية التي تريد استمرار هذه الحرب لتدمير بلدنا وتشريد مجتمعاتنا في الشرق والغرب والشمال والجنوب دون استثناء وتريد طمس هويتنا.

• نتمنى أن يتلقف هذه الرسائل نفر قليل ولو شخصان من ذوي التأثير لكي يقوموا بمهمة إقناع الصقور من قيادات المؤتمر الوطني للانحياز لشعبهم في الداخل. أليس من العيب والتقصير الشنيع في حق الوطن أن لا يوجد فريق أو نفر صالح يسعى للتأثير الفعال في المواقف الشخصية للقيادات في طرفي الحرب؟

• هل معنى هذه الرسائل والنداءات المستعطفة للمؤتمر الوطني أن يفلت المجرمون منهم من المحاسبة؟
نعم، ليفلتوا إذا كان المقابل هو إيقاف الحرب حقيقة، وإذا كان المقابل هو تجنيب البلد مصائر أسوأ تنتظرنا وتنتظر الأجيال القادمة. ثم ما هو السبيل إلى محاسبة مجرمين أدمنوا السلطة وصاروا يهربون إلى الأمام من انقلاب إلى انقلاب إلى قلاقل إلى حرب، وهم الآن بيدهم البندقية وتحت إمْرتهم قيادة الدولة كأمر واقع. نقول هذا للهتيفة الذين لا يحسنون حساب الأمور.

قال تعالى: “ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”
صدق الله العظيم

[نُشر الجزء الأول من هذا المقال في صحيفة الراكوبة الإلكترونية في 22 أكتوبر 2025]

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..