مقالات وآراء

اذا كان الوطن يعني لنا شيئًا .. فعلينا أن ننهض الآن لإنقاذه وإلا …

 

نتمنى أن تقود التصريحات الأمريكية في أعقاب زيارة ولي العهد السعودي لأمريكا، إلى وقفٍ عاجلٍ للحرب وإنهائها، غير أنّ السلام المستدام سيظل مرهونًا بالتوافق بين أهل السودان أنفسهم، على ميثاقٍ وطني يؤسس لدولة جديدة تقوم على الوحدة والسلام والاستقرار، تحقيقا لشعارات ثورة ديسمبر المجيدة. وهذا لن يكون بالعاطفة وحدها، ولا بتكرار الحديث عن جذور الأزمة؛ بل لا بد أن تكون هذه الحرب المؤلمة قد تركت في داخلنا قناعاتٍ راسخة ومرتكزاتٍ أساسية تُمهّد للتوافق حول مطلوبات ذلك الميثاق.

انطلاقًا من هذا الفهم نستعرض بعض تلك المرتكزات ثم مطلوبات الميثاق:

أولًا: المرتكزات التمهيدية لميثاق أهل السودان للسلام والوحدة

1- أهمية الوعي بأن أزمتنا وطنية داخلية، وأن التدخلات الخارجية جذورها داخلية.
هذا الفهم ضروري لتعزيز الثقة بالنفس ومواجهة الأسباب الداخلية، بما يؤدي إلى وطن موحد وقوي ومحترم، يفرض وجوده بين الدول ويتجاوز، وبحكمة، التدخلات الخارجية غير الحميدة.

2- خطاب الكراهية:
هناك خطابُ كراهيةٍ يقوم على فهمٍ خاطئ بوجود تهميشٍ لمناطق أو قبائل دون أخرى، فالجميع ضحايا للنخب المتعاقبة، وهي تنحدر من مختلف أنحاء البلاد. لذلك فإن توجيه اللوم أو الكراهية إلى أي فئة أو منطقة بعينها ليس صحيحًا.
إدراكُ هذه الحقيقة ضروريٌّ للتعافي النفسي ونبذ الكراهية، وقبول بعضنا بعضًا، لتكوين شعبٍ واحدٍ قادرٍ على صناعة المستقبل.
(نتناول خطاب الكراهية في مقال تفصيلي).

3- حكومة المرحلة الانتقالية:
ضرورة أن تتكوّن من كفاءات وطنية مستقلة، حتى تتفرغ الأحزاب لبناء نفسها وتنظيم صفوفها.
كما أن إدارة المرحلة بعيدًا عن المناكفات والمهاترات يضمن عدم تنامى الكراهية والخلافات.
وتبرز أهمية عودة شباب الثورة إلى المشهد العام، ليجمعوا كلمتهم ويثبتوا قدرتهم على المشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية.

3- غموض إدارة العمليات العسكرية:
الطريقة الغامضة لإدارة العمليات وتعثر التفاوض داخل الجيش والدعم السريع تكشف قلق قياداتهما على مصيرهم بعد السلام.
تجربة الانتقال السابقة أكدت خطورة إشراك من يواجهون اتهامات جسيمة، وأهمية وجود جيش مهني غير مسيّس.
وهذا يستلزم تنحي قادة الجيش والدعم السريع عن مواقعهم السياسية والعسكرية ضمن تسوية تاريخية.

4- الإسلاميون جزء من الواقع:
الإسلاميون جزءٌ من الواقع السياسي والاجتماعي، مهما سبّب هذا الواقع من دمار.
لكن إقصاءهم يتناقض مع التعافي الشامل.
وتبقى أمامهم مطلوبات أساسية:

  • التحول إلى حزب مدني
  • عدم استغلال الدين أو السلاح
  • عدم التمسك بالتمكين
  • القبول بدولة المواطنة
  • عدم الإفلات من العقاب

5- إصلاح الأحزاب:
الأحزاب بحاجة إلى نقد ذاتي شجاع، ومراجعات فكرية تتجاوز الزعامة الفردية والأيديولوجيات الجامدة، وتفسح المجال للقيادات الشابة.

ثانيًا: مطلوبات ميثاق أهل السودان للسلام والوحدة

الاقتناع بالمرتكزات أعلاه يمهّد للتوافق حول مطلوبات الميثاق الوطني، وهي:

1- الديمقراطية:
أساس دولة المواطنة.
تنهي صراع السلطة، وتضمن المساواة، وتكافح الاستبداد والفساد.
وتحتاج لتجارب تراكمية لترسيخ المؤسسية.
كما يتطلب النجاح أحزابًا ديمقراطية داخليًا.

دول الإقليم بحاجة لفهم خصوصية السودان، وفي المقابل على السودانيين احترام استقرار الأنظمة الإقليمية.
لذلك يجب أن يكون الانتقال الديمقراطي تدريجيًا هادئًا يحافظ على الأمن ويطمئن الجوار.

2- عدالة توزيع السلطة:
الديمقراطية وحدها قد لا تمنع احتكار السلطة.
والحكم اللامركزي (فيدرالي أو حكم ذاتي موسع) يضمن وحدة الدولة ويسمح للأقاليم بإدارة شؤونها.

3- عدالة توزيع الثروة والتنمية:
أساس عملي لوحدة الوطن.
التنمية المتوازنة تُشعر الجميع بالانتماء وتمنع الإقصاء.

4- العلمانية:
تعني حرية العقيدة والمساواة، وعدم جعل الدين أساسًا للتشريعات العامة.
الأحوال الشخصية تُترك للطوائف.
ويبقى الإسلام دين الأغلبية دون توظيف سياسي.
مع احترام قيم المجتمع السوداني المحافظ.

5- وحدة ومهنية القوات المسلحة:
بكوادر غير مسيّسة، وإعادة الضباط المبعدين، والاستفادة من المتقاعدين.
إعادة بناء الجيش ضرورة وطنية.
وحله ليس إجراءً عمليًا لأنه يعني تفكيك الدولة نفسها.

6- العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية:
محاسبة مرتكبي الجرائم، ومنع الإفلات من العقاب.
المصالحة لا تسقط العدالة بل تكملها، وتسعى للتعافي وتعويض الضحايا.

7- إصلاح واستقلال الخدمة المدنية ومؤسسات العدالة:
إعادة هيكلة شاملة، وإزالة التمكين بمنهجية حكيمة ومنصفة، لبناء مؤسسات مهنية مستقلة.

خاتمة

باختصار:
الميثاق الوطني لبناء الدولة السودانية يحتاج أولًا إلى قناعات تمهيدية، ثم إلى المتطلبات المذكورة أعلاه، وكلها أصبحت من بديهيات حسم الملف السياسي بين المدنيين والعسكريين.

القوى الوطنية السودانية بحاجة ماسّة إلى تجميع صفوفها في هذه المرحلة المفصلية الحرجة، حتى لا تجد نفسها أمام حلول جاهزة تُفرض عليها عبر سباقات المصالح الدولية.

ونسأل الله التوفيق.

 

 

تعليق واحد

  1. اهم نقطة واجب الاعتراف بيها هي انو السودانيين فاقدين الاهلية لتنفيذ كل ما ذكر في مقال الاستاذ الكاتب. اي انسان صادق و عاقل عليه أن يدعو الى اي نوع وصاية اممية لفرض النظام و منع الفوضى و الغوغايئة السائدة في الساحة الان . على جميع السودانيين التواضع و الاعتراف بأننا مجتمع فريد في الكوكب من التخلف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..