الطب أو لا شيء : انهيار التنوع الأكاديمي في السودان

في السودان، لم يعد التعليم العالي ساحةً لتنوّع الطموحات أو لاختبار الميول. تحوّل المشهد إلى سباقٍ أحادي الاتجاه، عنوانه العريض: الطب أو لا شيء. من لم يظفر بمقعد في كلية الطب، يوصف بلا تردّد بأنه فاشل أو “زول ما نفع نفسو”، كما نقول بالدارج السوداني.
“سباق نحو المعطف الأبيض”
مع إعلان نتائج القبول للجامعات السودانية كل عام، يتكرر المشهد ذاته: فرحٌ هستيري في البيوت التي أحرز أبناؤها مقعداً في كلية طب، وصمتٌ ثقيل في بيوت أخرى لم يحالفها “الحظ الأبيض”.
تحوّل القبول في كلية الطب إلى شهادة نجاحٍ اجتماعي أكثر منها أكاديمية، بينما تقف بقية التخصصات في “الظلام الحالك”، لا يطرق أبوابها إلا من فقد الأمل أو (كان مضطراً).
“مقاييس النجاح بالمقلوب”
أجريتُ خلال الفترة الماضية تقصياً محدوداً حول معايير اختيار التخصصات، فوجدت أن العائد المادي والاستقرار الوظيفي يأتيان في الصدارة. فالطب، حتى في الدول الفقيرة، يظل المهنة الأكثر طلباً وضماناً، في وقت تتضاءل فيه فرص خريجي الهندسة أو الاقتصاد، وتغيب العدالة في التوظيف بسبب “الواسطة” وضعف المؤسسات.
من الطبيعي إذن أن يرى الطالب في الطب “طوق نجاة” مهنياً ومادياً، بينما تظل باقي التخصصات في مؤخرة الطموحات.
إلى ذلك، فإن سهولة الهجرة تمثل دافعاً قوياً. فالدول حول العالم تطلب الأطباء باستمرار، ما يجعل دراسة الطب أقرب إلى تذكرة خروج من واقعٍ اقتصادي قاسٍ. لذلك نجد عائلاتٍ تدفع عشرات الملايين سنوياً ـ نحو 25 مليون جنيه سوداني أحياناً ـ مقابل مقعد في كلية طب، بينما لا تتجاوز رسوم كلية الهندسة أو الاقتصاد بضع مئات الآلاف فقط.
لكن، هل يتناسب هذا الفرق المالي مع فرق الجودة؟ هل تحظى الكليات الأخرى بنفس العناية والتقنين؟
قطعاً لا. فوزارة التعليم العالي، كما يبدو، صارت تنظر إلى الجامعات بمنظارٍ تجاري بحت؛ الكليات التي لا تدرّ مالاً لا تحظى بالاهتمام.
“هيبة الطبيب.. وصناعة الوهم”
لا شك أن للطبيب مكانة اجتماعية مرموقة، فهو “منقذ الأرواح” والعالم ببواطن الأمور، غير أن هذه الصورة تضخمت حتى أصبحت أسطورة اجتماعية، تُغري آلاف الطلاب بالسير في طريقٍ لا يرغبون فيه حقاً، فقط لأن “المجتمع عاوز كده”.
هذا الشعور بالفخر والزهو الذي يحيط بالمهنة زرع في نفوس كثيرين رغبةً محمومة في ارتداء المعطف الأبيض، حتى وإن كان الثمن هو التضحية بالشغف والرغبات الحقيقية.
“جامعات بلا تنوع أكاديمي”
النتيجة واضحة: تدفق هائل نحو التخصصات الطبية، مقابل انهيار في بقية المجالات.
كليات العلوم والآداب والزراعة فقدت بريقها، ومع ضعف الإقبال تراجعت الجودة وانكمش التمويل.
ولأن وزارة التعليم العالي لا تضع سياسات توازن بين احتياجات السوق والمجتمع، فقد تحولت الجامعات إلى مصانع متخصصة في إنتاج الأطباء، بينما تتساقط بقية الحقول المعرفية كأوراق الخريف.
“زمن التشبّع القادم”
الخطير في الأمر أن هذا الاتجاه غير قابل للاستمرار. فعندما تُغلق دول الخليج أبوابها أمام الوافدين في القطاع الصحي ـ وهو أمر بدأ فعلاً في مجالات أخرى ـ سيجد السودان نفسه أمام وفرة غير مبرّرة من الأطباء، في سوق محلي ضعيف، وأجور زهيدة لا تليق بسنوات الدراسة الطويلة وتكاليفها الباهظة.
عندها فقط، سيكتشف كثيرون أنهم طاردوا حلماً اجتماعياً لا مهنة مستدامة.
“البدائل موجودة ولكن !! ؟؟”
ليس القصد من كل ذلك التقليل من قيمة الطب، بل التذكير بأن النجاح لا يُقاس بالتخصص بل بالإبداع.
فهناك مجالات تفوق الطب في العائد المادي، مثل الذكاء الاصطناعي، التمويل والاستثمار الكمي، وهندسة البترول.. لكنها تحتاج إلى رؤية تعليمية جريئة، ودعم رسمي حقيقي، لا إلى اجترار نفس القوالب القديمة.
نهمس في أذن أبنائنا الطلاب:
“يا من تستعد لدخول الجامعة، لا تجعل المجتمع يقرر عنك، النجاح ليس مهنةً بعينها، بل هو ثمرة رغبة حقيقية وجهد مستمر.
تميّز في ما تحب، فليس مطلوباً أن تكون “دكتور” لتكون ناجحاً.
كما نقول في السودان: (الزول البيحب شغلتو، بيبدع فيها ولو كانت صغيرة).
تميز عن غيرك، فقد وُلدت لتكون مُختلفاً.”




ياشيخ وقسما أنا دخلت جامعة الخرطوم كلية علمية مرموقة ولكن كانت رغبتى الهندسة وذلك لرغبة الأسرة ولكن عندما لم أجد نفسي في هذه الكلية العلمية المرموقة، امتحنت شهادة مرة أخرى ودخلت الهندسة حيث وجدت نفسي، والطب، ليس كل الأطباء ناجحون والله أنا أعرف ناس دفعتنا درسوا طب الخرطوم وكانوا في الثانوي من المبرزين في الزمن الجميل ولكن لم ينالوا حظا من النجاح في مهنة الطب، لذلك المسألة أرزاق، والله في تخصصات مغمورة جدا ولكن سوقها افضل من الطب والهندسة، لذلك لاتحكم علي الأشياء من ظاهرها،
زميل لنا بجامعة بغداد اداب قسم تاريخ طبيعي تخيل كنا نتحك معه كيف يقبل بهذا القسم ومن اين له بالوظيفة فاذا بة فور تخرجة متحف قطر القومي طلبته للتوظيف وحتي الان وانا المسكين مجمعي الطبي شقاء عمري تم نهبه ثم حرفه الان انا سواق تاكسي فتامل