مقالات وآراء

منظمة المدافعين تتحول إلى منبع الخطر: الوجه الآخر لمنظمة “ديفند ديفندرز

مريم خليل

منذ تأسيسها في عام 2005، رفعت منظمة “ديفند ديفندرز” (Defend Defenders) راية نبيلة معلنة هدفها الأسمى بأن تكون الحصن الآمن للمدافعين عن حقوق الإنسان في القرن الأفريقي والمنطقة الفرعية، وأن تعمل على الحد من تعرضهم للاضطهاد والمخاطر. هي منظمة عريقة تعمل كأمانة عامة لشبكة المدافعين الأفريقية، وتتمتع بخبرة كبيرة في إدارة برامج الحماية والأمن وبناء القدرات.
لكن، منذ فترة وجيزة، بدأت تتكشف صورة أخرى صادمة وقبيحة، صورة ترسم تناقضاً كبيرا بين الرسالة والأهداف المعلنة والواقع الممارس، خاصة في ظل الأزمات الإنسانية والنزاعات المسلحة. فبدلاً من أن تكون الملاذ الآمن، تحولت إلى منبع الخطر الحقيقي على المدافعين، وأنها أصبحت جسراً لعبور المصالح الشخصية على حساب أرواح وحرية النشطاء الحقوقيين والمدافعين.
 تتلقى “ديفند ديفندرز” موارد مالية ضخمة من منظمات ومؤسسات دولية، خُصِّصَت لدعم مشاريعها في حماية المدافعين وتعزيز قدراتهم. ومع ذلك، تشير الانتقادات الموجهة إليها إلى فشلها في ترجمة هذا الدعم إلى برامج حقيقية وذات جدوى. تتهم المنظمة بأنها تكتفي بتنظيم ورش عمل توصف بأنها لا تعدو كونها “مسرحيات. هذه الورش، التي يفترض أن تكون منصات لتبادل الخبرات وبناء القدرات، تفتقر إلى أدنى مستويات الشفافية في عملية اختيار المشاركين. وبدلاً من استهداف المدافعين الأكثر عرضة للخطر والأكثر حاجة إلى الدعم، تعتمد المنظمة على “الشللية” والعلاقات الشخصية والمحسوبية التي يديرها موظفوها. هذه “الشللية” هي مجموعات من الأشخاص الذين يوصفون بأنهم (مزيفون)، ينتمون إلى تجمعات أيديولوجية وأحزاب سياسية، ويسعون فقط وراء المصالح الذاتية. إنهم يستغلون اسم الدفاع عن حقوق الإنسان للحصول على الحوافز المالية وتذاكر السفر، محولين ورش العمل والفعاليات إلى غاية في حد ذاتها، عوضا عن أن تكون وسيلة لدعم قضية نبيلة. يعد ملف المشاركات الخارجية للمنظمة من أكثر النقاط إثارة للجدل. الفعاليات التي تنظم في عواصم العالم، والتي يُفترض أن تكون منصات للمناصرة وكشف الانتهاكات، تتحول، بحسب الشهادات، إلى “جولات سياحية خارجية” للمقربين.
يسافر هؤلاء المشاركون، الذين لا يمثلون بالضرورة المدافعين الحقيقيين، ليجلسوا متفرجين وصامتين في المحافل الدولية، يستمتعون بالسفر والحوافز المالية، ثم يعودون دون تقديم أي عائد ملموس للقضية. السؤال الذي يطرحه النشطاء الحقيقيون هو: ما الذي استفاد منه المدافعون خصوصاً في مناطق النزاع من هذه المشاركات؟ وما هو العائد الحقيقي الذي قدمته “ديفند ديفندرز” للعالم باسم هؤلاء المدافعين؟. وبدل أن تلتزم المنظمة بواجبها في توثيق الانتهاكات بدقة وموضوعية، تشير التقارير إلى أنها تشتري معلومات من بعض الناشطين ثم تعيد صياغتها لتقديمها على أنها تقارير أصيلة. ويؤكد مصادر داخل المنظمة أن حوالي 40% من تقاريرها تحتوي على معلومات غير دقيقة، تعتمد على مصادر مزيفة أو غير موجودة على أرض الواقع، أو على بيانات مفبركة لا تمت للحقائق بصلة.
إن هذا التناقض يمثل استغلالاً قاسياً لمعاناة النشطاء الحقيقيين، الذين يخاطرون بحياتهم يومياً، بينما تستخدم قضاياهم لتحقيق منافع شخصية ومكاسب سياحية لآخرين. يصل مستوى الاتهامات إلى ذروته في سياق الحرب المشتعلة في السودان، حيث تتحول المنظمة من مجرد متهمة بسوء الإدارة إلى متهمة بالعمل ضد المبادئ التي تأسست عليها. حيث تشير معلومات موثوقة إلى انحياز ودعم عدد من موظفي “ديفند ديفندرز” لأطراف النزاع المسلح في السودان، سواء الجيش أو قوات الدعم السريع. وولدينا معلومات موثوقة عن أولئك الموظفين، الذين يتواصلون مع قيادات الدعم السريع، ويساعدون على التخطيط والتسهيل لمشاركاتهم الخارجية، بينما ينحاز آخرون للجيش السوداني، خصوصاً ضمن الأجسام التي أنشأتها المنظمة، مثل (تحالف المدافعين السوداني). هذا الانحياز المزعوم يشكل طعنة في ظهر المدافعين الحقيقيين الذين يفترض أن تكون المنظمة حامية لهم. فكيف يمكن لمنظمة تدعي الحياد والدفاع عن حقوق الإنسان أن تسمح لموظفيها بالعمل كأذرع داعمة لأطراف تسببت في إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم؟
وتتجسد هذه المأساة في “الفضيحة المدوية” التي كشفت عن ظهور قيادية في المكتب القيادي لـ”تحالف المدافعين السوداني” بزي عسكري، معلنة انضمامها لإحدى الحركات المسلحة التي تقاتل مع الجيش السوداني، وتؤكد المعلومات أن هذه القيادية ما هي إلا كادر مدرب يعمل لصالح أجهزة الأمن والمخابرات السودانية، وقد نفذت مخططات مطلوبة منها داخل التحالف قبل أن تكشف عن حقيقتها. ولا تقتصر هذه الحالات على شخص واحد، بل هناك آخرون موجودون داخل ما يسمى بـ(سودان ديفيندر). هذه الحوادث، وغيرها من حالات الاختراق المزعومة، تؤكد أن المنظمة لم تعد مجرد فاشلة في حماية النشطاء، بل تحولت عن قصد أو غير قصد، إلى أداة لرصد وتسليم المدافعين الحقيقيين إلى مصير مجهول وخطير.
اليوم، لم يعد هناك مكان آمن للمدافعين عن حقوق الإنسان في السودان. فالمدافعون الذين اعتقلهم الجيش أو قوات الدعم السريع، وفق المعلومات المتاحة، تعرضوا لذلك بناءً على بيانات ومعلومات سُلِّمَت من داخل المنظمة وفروعها إلى أجهزة المخابرات التابعة لأطراف النزاع. هذه الاتهامات تضع “ديفند ديفندرز” أمام مسؤولية تاريخية لا يمكن التهرب منها. ومن الضروري أن تفتح المنظمة تحقيقاً شفافاً وفورياً في هذه المزاعم، وأن توضح موقفها من الانحيازات المزعومة لموظفيها. كما يجب على المانحين الدوليين مراجعة دعمهم، والتأكد من أن أموالهم لا تستخدم لتمويل رحلات سياحة وشبكات غامضة باسم الدفاع عن حقوق الإنسان، أو، ما هو أسوأ، لتسهيل تسليم النشطاء والمدافعين للجهات الأمنية في السودان.
إلى المدافعين والنشطاء الحقيقيين. تحلوا بأقصى درجات الحيطة والحذر، وتعاملوا مع المنظمة وفروعها بحذر شديد. من الضروري أيضاً تغيير عناوين تواصلكم فوراً. ففي زمن تحولت فيه المنظمة إلى مصدر خطر، أصبح الحفاظ على حياتكم هو النضال الأهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..