مقالات وآراء

تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي (10-11)

الدكتور عبد الله الفكي البشير

الذكرى 57 لمحكمة الردة الأولى وتشكيل التحالف الديني العريض ضد الفهم الجديد للإسلام

“ظل الأزهر هو الحامي والناشر للمعرفة الإسلامية لأكثر من ألف عام إن قيمته الحقيقية تكمن في خدمته التاريخية. بيد أنه وفي هذا العصر الحديث- عصر الذرة- حيث الإيقاع السريع للحياة، فإن هذا المعهد الإسلامي يعجز عن المواكبة، فالمجتمعات الإسلامية ذات نمط التفكير الحديث تبحث عن سبيل الرشاد في أماكن أخرى”.
محمود محمد طه، 1963

مؤامرات التحالف الديني العريض ضد الفهم الجديد للإسلام
من محكمة الردة 1968 وحتى تنفيذ حكم الإعدام على المفكر محمود محمد طه في العام 1985

“أما أمركم لي بالتوبة عن جميع أقوالي فإنكم أذل، وأخسأ، من أن تطمعوا فيَّ.. وأما إعلانكم ردتي عن الإسلام فما أعلنتم به غير جهلكم الشنيع بالإسلام، وسيرى الشعب ذلك مفصلاً في حينه.. هل تريدون الحق، أيها القضاة الشرعيون؟ إذن فاسمعوا!! إنكم آخر من يتحدث عن الإسلام فقد أفنيتم شبابكم في التمسح بأعتاب السلطة، من الحكام الإنجليز، والحكام العسكريين، فأريحوا الإسلام، وأريحوا الناس من هذه الغثاثة”.
محمود محمد طه، 19 نوفمبر 1968

كان الحكم الباطل، بالردة عن الإسلام، الذي أصدرته المحكمة المهزلة، المحكمة الشرعية غير المختصة في العام 1968 في حق المفكر محمود محمد طه، سابقة خطيرة، في الفضاء الفكري والديني والسياسي في السودان. لقد تم تصميم سيناريو الردة بشراكة واسعة خارجية ومحلية، وعندما صدر الحكم مثَّل لحظة التكوين الفعلي للتحالف الديني العريض ضد الفهم الجديد للإسلام/ الفكر الجمهوري وضد صاحبه المفكر محمود محمد طه وتلاميذه الإخوان الجمهوريين. فما أن أصدرت المحكمة حكمها بردة المفكر محمود محمد طه عن الإسلام، حتى توالت الخطابات من مكونات ذلك التحالف الديني العريض من خارج السودان، حيث المؤسسات الإسلامية وعلمائها، التي كانت محور كتابنا: المؤسسات الدينية: تغذية التكفير والهوس الديني، موجهة إلى وزير الشؤون الدينية والأوقاف في السودان، وهي تحمل التأييد لحكم الردة الذي أصدرته المحكمة الشرعية.

نسج السردية التفكيرية: سردية كسل العقول وتناسل الجهل

“وهم يريدون بعد هذا أن نؤمن ونطمئن إلى كل ما يتحدث به القدماء… نعم نستطيع أن نؤمن وأن نطمئن لو أن الله قد رزقنا هذا الكسل العقلي الذي يحبب إلى الناس أن يأخذوا بالقديم تجنباً للبحث عن الجديد. ولكن الله لم يرزقنا هذا النوع من الكسل، فنحن نؤثر عليه تعب الشك ومشقة البحث”. طه حسين (1889- 1979)

ظل التحالف الديني العريض، ومنذ صدور حكم محكمة الردة 1968، يعمل، وبأساليب مختلفة وعديدة ومفارقة للحق والورع العلمي، والوازع الأخلاقي، على نسج سردية التكفير. لقد عمل بشكل دؤوب على تنميط صورة المفكر محمود محمد طه، وربطتها بالكفر والإلحاد في الشارعين الإسلامي والسوداني، وقد فصلنا كل ذلك في كتبنا آنفة الذكر، وكما سيرد تفصيل موجز في هذه الحلقة والحلقات التالية. كان قوام ذلك التحالف الديني العريض: الفقهاء ومن يسمون برجال الدين، والقضاة الشرعيون وهيئة علماء السودان، وأساتذة جامعة أم درمان الإسلامية، والإخوان المسلمون، وبعض رجالات الطائفية والقادة السياسيون، ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف، وكبار موظفي الدولة السودانية، وبعض أعضاء مجلس السيادة، وبعض علماء السعودية، ومشايخ الأزهر، ورابطة العالم الإسلامي التي يتكون مجلسها التأسيسي من ستين عضواً يمثلون مختلف دول العالم الإسلامي، وتتخذ من المملكة العربية السعودية مقراً لها. والندوة العالمية للشباب الإسلامي (السعودية). ومن نماذج أعمال مؤسسات هذا التحالف، إصدار الفتاوي بالتكفير، وتمويل إعداد الدراسات ضد الفهم الجديد للإسلام، واستكتاب مشايخ الأزهر، وأساتذة جامعة أم درمان الإسلامية، وبعض الأساتذة في السعودية، وإصدار البيانات وباستمرار الموجهة للوعاظ ولأئمة المساجد، ومخاطبة المثقفين وتهديدهم بألا يناصروا المفكر محمود محمد طه… إلخ. وقد فصلنا كل ذلك في كتابنا آنف الذكر، وكذلك في كتبنا: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، دار رؤية للنشر، القاهرة، 2013 ؛ الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف، دار باركود للنشر، الخرطوم، 2020 ؛ محمود محمد طه: من أجل فهم جديد للإسلام، دار محمد علي للنشر، صفاقس/ مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2024.

الأزهر يُفتي بالكفر الصراح ويصف فكر المفكر محمود محمد طه بالفكر الملحد

“الإسلام ليس هو إسلام الأزهر، ولا إسلام المعهد العلمي، ولا إسلام الفقهاء، ولا القضاة الشرعيين، هذه صورة خالية من المحتوى، اسم بلا محتوى، الروح ماتت فيه، لابد من البعث”.
محمود محمد طه

تبع صدور حكم المحكمة الشرعية في الخرطوم في 18 نوفمبر 1968، أن أفتى الأزهر بالكفر الصراح، ووصف المشروع الفكري لمحمود محمد طه بالفكر الملحد. جاء ذلك في خطاب من مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر مُوجه إلى وكيل وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بالسودان، بتاريخ 5 يونيو 1972. أوضح المجمع في خطابه بأنه وقع تحت يدي لجنة الفتوى بالأزهر كتاب الرسالة الثانية من الإسلام تأليف محمود محمد طه “وبما أن هذا كفر صراح ولا يصح السكوت”، عليه، مخاطباً وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، “الرجاء التكرم باتخاذ ما ترونه من مصادرة لهذا الفكر الملحد”. كما طالب الأزهر في خطابه إلى جانب المصادرة لفكر محمود محمد طه، طالب الحكومة السودانية بـ “العمل على إيقاف هذا النشاط الهدام خاصة في بلدكم الإسلامي العريق” . لم يكن عداء الأزهر ومشايخه لمشروع المفكر محمود محمد طه، الفهم الجديد للإسلام، جديداً فقد بدأ العداء منذ خمسينات القرن الماضي، وقد فصلنا ذلك في كتبنا آنفة الذكر، ومضمن فيها كذلك نص فتوى الأزهر ضمن رسالة كنت قد وجهتها إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد محمد أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين، وذلك بتاريخ 21 يوليو 2020، وتقع الرسالة في (25).
كان فضيلة الشيخ الدكتور أحمد، شيخ الأزهر، قد تلى البيان الختامي لـ “مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي”، الذي نظمه الأزهر في القاهرة خلال الفترة ما بين 27- 28 يناير 2020، بمشاركة 46 دولة من دول العالم الإسلامي. خرج المؤتمر ببيان ختامي جاء في (29) نقطة. تلى شيخ الأزهر البيان، وذكر في النقطة السابعة منه، قائلاً:
“التكفيرُ فتنةٌ ابتليت بها المجتمعات قديمًا وحديثًا، ولا يقول به إلا متجرئ على شرع الله تعالى أو جاهل بتعاليمه، ولقد بينت نصوص الشرع أن رمي الغير بالكفر قد يرتدُّ على قائله فيبوء بإثمه، والتكفير حكم على الضمائر يختص به الله سبحانه وتعالى دون غيره، فإذا قال الشخصُ عبارةً تحتمل الكفر من تسع وتسعين وجها وتحتمل عدم التكفير من وجه واحد فلا يرمى بالكفر لشبهة الاحتمال؛ اعتدادا بقاعدة (ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين)”.
بناءً على “مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي”، واستناداً على بيانه الختامي، واستدعاءً للنقطة السابعة منه، أعلاه، التي ذكرها فضيلة الشيخ الدكتور أحمد، شيخ الأزهر، أرسلت له الرسالة عبر البريد السريع (DHL)، ونشرتها كرسالة مفتوحة في (24) صفحة في الصحف وفي موقع على شبكة الإنترنت، وأرسلتها كذلك عبر البريد الإلكتروني.
نلتقي في الحلقة القادمة (11- أ) مع الفتوى بالردة عن الإسلام: فتوى رابطة العالم الإسلامي في حق المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه.

‫2 تعليقات

  1. فيما يتعلق بمن يتبعون فكر و عقيدة محمود محمد طه الباطلة اسلاميا , هناك نقطتان عقلانيتان لا ينكرهما الا جاهل أو متكبر ألا وهما
    1. محمود محمد طه بنى دينه الجديد على أساس أن هناك آيات من القرءان الكريم يجب عدم العمل بها في العصر الحالي و سمى الشريعة الاسلامية كلها بما في ذلك الأحكام الواردة في القرءان الكريم سمى كل ذلك بشريعة القرن السابع ( القرن الاول الهجري) . النقطة الأولة هنا هي : علي أس أساس بنى محمود دينه الجديد , اذ من المعروف انه حتى في عالم الصناعة اذا وضع المصع 0 بتشديد النون – ولله المثل الأعلى – برنامجا او ارشادات تشغيل محددة لا يمكن تغييرها الا بالرجوع اليه و بما أن المولى عز وجل ليس كمثله شيء و يعلم الغيب و ما سيحدث و ماحدث من قبل و ما يحدث الان فما هو الاساس لعطيل آيات كثيرة من القرءان الكريم و هذا مع العلم أن تعطيل آية واحدة من القرءان الكريم يعتبر كفرا محضا الا اذا كانت هناك شبهة أو عدم فهم و عندها على الشخص أن يقر بعدم فهمه عند توضيح ذلك له , فهل أقر محمود بأنه كان مخطئا أم أصر على تحريف كلام الله تعالى عنوة و قصدا
    الخلاصة : تغيير أحكام الله تعالى او تغيير الشريعة الاسلامية لا يمكن الا بوحي من المولى عز وجل و قد انقطع الوحي بوفاة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم

    2. ذكر كاتب المقال ( إذا قال الشخصُ عبارةً تحتمل الكفر من تسع وتسعين وجها وتحتمل عدم التكفير من وجه واحد فلا يرمى بالكفر لشبهة الاحتمال؛ اعتدادا بقاعدة (ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين)”. )
    تعليق : ما يهمني هنا هو هذه القاعدة (ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين)” و التي هي ليست من القرءان الكريم . هذه القاعدة لم يطبقها محمود محمد طه في نفيه و نقضه لأحكام الشريعة في عصرنا هذا و لكن تلامذته يرجعون اليها عندما تكون في صالحهم فقط مع العلم بأن العلماء الذين أفتوا بردة محمود محمد طه هم من وضعوا هذه القاعدة فلماذا تقبلون منهم ما وضعوه و ترفضون كلام الله عز وجل

  2. أقتباس (“التكفيرُ فتنةٌ ابتليت بها المجتمعات قديمًا وحديثًا، ولا يقول به إلا متجرئ على شرع الله تعالى أو جاهل بتعاليمه، ولقد بينت نصوص الشرع أن رمي الغير بالكفر قد يرتدُّ على قائله فيبوء بإثمه، والتكفير حكم على الضمائر يختص به الله سبحانه وتعالى دون غيره، فإذا قال الشخصُ عبارةً تحتمل الكفر من تسع وتسعين وجها وتحتمل عدم التكفير من وجه واحد فلا يرمى بالكفر لشبهة الاحتمال؛ اعتدادا بقاعدة (ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين)”)

    إنّ ما ذُكر حول خطورة التكفير وصعوبة الحكم على الضمائر كلامٌ صحيح في جوهره، فمعرفة ما تخفيه النفوس هو من علم الله وحده، ولا يطّلع على السرائر إلا هو سبحانه وتعالى، ولذلك كان أهل العلم عبر القرون يحذّرون من إطلاق حكم الكفر على الأفراد دون بيّنةٍ قاطعة وشروطٍ منضبطة وموانع معتبرة، لأن الخطأ في هذا الباب ليس كغيره، وقد جاء في النصوص أن من كفّر مسلمًا بغير حق رجع الحكم عليه.

    ومع ذلك، فإن تجريم “التبشير بالكفر” أو نشر الأفكار التي تمسّ ثوابت الدين أو تؤدي إلى الفتنة بين الناس، أمرٌ يدخل في نطاق الولاية العامة التي تملكها الدولة ومؤسساتها المختصة، كالأزهر الشريف بصفته مرجعية علمية ودينية، والحاكم بصفته مسؤولًا عن صون السلم الأهلي ومنع الفوضى الفكرية أو الدينية. وهذا التدخل لا يكون للحكم على الضمائر ولا لإصدار أحكام غيبية، بل لحماية المجتمع من الانقسام ومنع تداول ما يثير الفتنة أو يزعزع استقرار الناس في دينهم.
    وهذا هو الإطار الذي تُفهَم فيه بعض القضايا التاريخية التي أثارت اضطرابات فكرية واجتماعية، ومنها قضية محمود محمد طه؛ إذ تدخلت الجهات الدينية والقضائية حينها باعتبار أن ما طُرح كان يُنظَر إليه كدعوة إلى أفكار تهدد بنية المجتمع العقدية وليس باعتباره حكمًا على النوايا أو الضمائر، فالمحاسبة على السرائر لا يملكها إلا الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..