
إحدى المفاهيم الخاطئة التي حملها خطابنا السياسي، قولًا وممارسة، هي أننا نظرنا إلى الحركة الإسلامية أو (الكيزان) — كما في الوصف السياسي اليومي — بوصفها حالة سياسية وتنظيمًا يمتلك أُطره ومؤسساته، قاد انقلابًا عبر جناحه العسكري، ثم قام بتسكين عناصره المدنية في جهاز الدولة فيما عُرف بالتمكين. لكننا لم نرصد جيدًا الجذور الاجتماعية والطبقية للتنظيم نفسه وتطوّره. فهو ليس تلك الجماعة الصغيرة من طلاب جامعة الخرطوم في الخمسينيات من ذوي الجذور الريفية أو القادمين من الأرياف الذين أعلنوا تنظيمهم — أو لنقل كتلتهم الطلابية — كردّ فعل على صدمة المدينة وحداثتها ووحشتها التي باغتتهم، فقالوا: «نحن بس ناس الدين»، كما أخبرني محدثي من المؤسسين الأوائل ، متمسّكين بالتقاليد كما قال ( في الواقع لم تكن هناك مسافة واضحة تفصل التقاليد عن الدين كلاهما كان من متعلقات النشأة الريفية للمؤسسين الأوائل للاخوان
وهنا أسرد هنا ما سمعته من أحد المؤسسين، عمي المرحوم الدكتور يوسف حسن سعيد أبو شعر، حين جلست معه في منزله بود نوباوي. كان غرضي معرفة الجذور الطبقية للمؤسسين ومن بينهم محمد يوسف، علي طالب الله، ويوسف حسن سعيد. كان اثنان منهم أبناء مزارعين فقراء، بينما كان والد علي طالب الله يملك «زريبة حطب» في مدينة ود مدني. وقد دفعت تحولات دولة ما بعد الاستعمار — حين أصبح التعليم وسيلة للترقي والطموح الاقتصادي — بهذه الفئات إلى جامعة الخرطوم. لكن لنقل إن الفقر ورقة الحال كان في ذلك الزمن المشهد الأساسي لمعظم أهل السودان. فالاستعمار لم يكن مجرد إدارة، بل كان نمطًا للحياة وتحطيمًا قاسيًا لأساليب العيش ومعايير الجاه الاجتناعي للمجتمعات التقليدية قبل مجيئه.
مرّ التنظيم بمراحل الستينيات والسبعينيات ثم عهد الإنقاذ وإلى يومنا هذا. ويمكن القول إن (الكوزنة) لم تعد مجرد تنظيم سياسي — مؤتمر وطني أو حركة إسلامية — بل حدث انفصال مبكّر منذ أواخر عهد نميري والديمقراطية الثالثة، وتوّج ذلك في عهد الإنقاذ. إذ انه من خلال التنظيم السياسي الإسلامي وعبر السلطة، تمت أعادت استيعاب بنية طبقية واجتماعية جديدة وصار أحد تعبيرات هذه البنية الطبقية ا. لم يعد خطاب الإسلام السياسي — الذي يعلنه الان «البراؤون» أو الناجي عبد الله وغيرهم — هو المحدد الوحيد، بل غدت المصالح الاجتماعية لفئات أوسع من تعبر عنها البنية التنظيمية السياسية للتنظيم هي المحددة الفعلية لشكلها الاوسع . ويمكن هنا إن نطلق عليها «السوق الاقتصادي للإسلام السياسي» وأصبح هذا «السوق» هو المجال الذي تتبادل داخله المصالح المشتركة، في إطار أيديولوجي أكبر من شعار «لا لدنيا قد عملنا».أو (فليعد للدين مجده)
ومع الزمن اي الزمن الاجتماعي ، تداخلت فيه اعتبارات قبلية وعشائرية وخطابات «أولاد البلد» والأسر والمدن نفسها كجغرافيا اجتماعية، شندي ، كريمة دنقلا الأحجار الكريمة الخ. لذلك سيصبح سؤال: «لماذا يوجد (كيزان) داخل قوات الدعم السريع؟» سؤالًا سهل الإجابة . فالسوق السياسي للحركة الإسلامية انحلّ في تركيبة اجتماعية وقبلية تحكمها شروط طبقية، وتتحكم فيها معايير تقديم أشخاص وتأخير آخرين اي آم من يتحكم في من يتقدم ليس معايير تنظيمية وأنما معايير اجتماعية هي من تعلن كفاءة الترقي التنظيمي
ولنكون أكثر صدقًا هنا ، يجب أن نكون حذرين في توصيف هذه البنية الاجتماعية القبلية نفسها. فهي تُستخدم هنا كضرورة رمزية سياسية، أشبه برمز فلكلوري، تحضر كتمثيل ثقافي/أيديولوجي لجماعات الأفندية المرتبطة بتلك الجغرافيا : «نحن شوايقة»، «نحن جعليين»، «بديرية»، «دناقلة»، «شمال نهر النيل»… لكنها لا تعبّر حقًا عن هذه المناطق ولا عن إنسانها بقدر ما تُستخدم كأداة للترويج لهذه الطبقة.
لقد قلنا إن تنظيم (الكيزان) لم يعد منذ وقت طويل يعبر عن شكل تنظيمي، بل انحلّ في إطار طبقي اجتماعي منفصل عن خطاب الإسلام السياسي. وقد يتبنّى داخل هذا الإطار أفكارًا ليبرالية أو ماركسية أو حتى «إلحاد بالدرب العديل»، وغيرها من الخطابات السياسية المتصارعة في الواقع، والتي يمكن وصفها بأنها «الحالات الباردة للصراع» التي تهدف عادة إلى معالجة الأزمات السياسية والاختلافات حول كيفية إدارة الدولة.
لكن ما إن جاءت الحرب الحالية، وحملت تهديدًا جديًا لجهاز الدولة — المستودع التاريخي للمصالح الطبقية لطبقة دولة ما بعد الاستعمار — حتى ظهر «الجيش الاجتماعي الاحتياطي للكيزان» عبر مجموعات (البلابسة) الذين تبنّوا فكرة الدفاع عن الجيش والدولة. وقد جرى من قبلهم وفي خطابهم السياسي اليومي التعامل مع الكيزان في شعار الوقوف مع الجيش والدولة وكأنهم مجرد «عفش» يسهل التخلص منه لاحقًا واستبداله بآخرين. البعض يقول بسذاجة: «الثورة شالتهم». نعم، الثورة أزاحتهم جزئيًا كتنظيم، لكنها لم تزلهم من البنية الاجتماعية والطبقة ، وهي بنية لا يمكن التعامل معها بأدوات سياسية صِرفة، بما فيها الثورات. لأنها تقع ضمن شرط حالة تاريخية-اجتماعية أعقد من تنتهي ببيان في الراديو يعلن فيه الجيش انحيازه للشعب، هكذا بكل بساطة وسذاجة ثورية دون التقليل من فعل صناعة ثورة وتغيير. نفس هذه البنية التي تقصدها الان في مشهد الحرب دفعت عبر آلياتها الاجتماعية والتحشيد بكل (بلبوسي) إلى الواجهة، ليتم استبدال خطاب «الإسلام السياسي» بخطاب «الجيش والدولة والوطن».
ياعزيزي البلبوسي الطيب سواء كنت واعيًا بذلك أم لا، فأنت الآن — أيها (البلبوسي الطيب ) — تمثّل (الكوز) بصيغة الخطاب الاجتماعي-الطبقي، لا بصيغته السياسية المستندة الى خطاب الإسلام السياسي . ورغم اختلاف أشكال التعبير، فإنكما تشتركان في مصلحة طبقية واحدة: وهي الإبقاء على الدولة وجيش الدولة وحماية المصالح التي يرعاها جهاز الدولة. وبعد القضاء على «الخطر» الذي يهدد هذه المصالح — أي قوات الدعم السريع — «بيناتكم يحلّها ألف حلال».
لذا فاي (بلبوسي)،هو (كوز) من حيث الشرط الاجتماعي، لا من حيث أدوات ووسائل التعبير السياسي المباشر لخطاب الكوزنة.



