إفريقيا الموارد والعبث

طه يوسف حسن
إفريقيا هي الموارد والعبث و “أوروبا هي المراوغ الذي يتاجر بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ولا يراها إلا في دول القارة السمراء”.
إفريقيا هي الطريق الطويل الذي ينتهي عند تمثال نيلسون مانديلا، حيث دُفنت حرية القارة السمراء بجواره.
تلك السمراء التي أرهقت الفيتوري في كتاباته وشعره، غنى لها أغاني الحرية، كتب فيها أروع القصائد، لتستيقظ لكنها لا زالت تَغُطُ في نومٍ عميق، تحلمُ في نومها بالعطور الباريسية والبيرة الأيرلندية والبطاطس المقلية في ليليةٍ شتوية في حانات بروكسل الباردة، تحلمُ بالشوكلاتة السويسرية التي تُصنع من كاكاو ساحل العاج والتسكع حول قصر باكنغهام في لندن.
يتغلّف الرؤساء الأفارقة بالغلاف الفرانكفوني، يحملون في دواخلهم بصمة الرجل الأبيض، فيقلدونه في مشيته ولغته الفرنسية بلكنة سواحلية وطريقة استعماله للغليون.
رغم مسيرة النضال للزعيم الغاني كوامي نكروما (21 سبتمبر 1909 – 27 أبريل 1972) ضد الاستعمار، ورغم تمرد إبراهيم تراوري على الهيمنة الفرنسية لدول غرب إفريقيا وخروجه من بيت الطاعة الفرنسي، لازالت إفريقيا مستعمرة فكرياً واقتصادياً من قبل الرجل الأبيض.
لازالت إفريقيا تَتطلعُ إلى جولةٍ سياحية في شوارع إكسفورد في لندن وتعشق التسكع في الشانزلزيه وترتشف القهوة في قصر الإليزيه الباريسي الذي يطل على نهر السين حيث تدار موارد القارة الإفريقية.
إفريقيا التي يبلغ عدد سكانها 1.55 مليار نسمة في عام 2025 هي أغنى فقراء الأرض وأكبر مُصدّر للشباب للقارة الأوروبية بجانب الكاكاو والشاي الكيني والفوسفات النيجري والصمغ العربي، ثروات مهدرة وعبث وطرب ورقص وفوضى على أنقاض ثلث ثروات العالم المعدنية.
منذ عصور الاستعمار، نُهبت خيرات إفريقيا ثم عادت في نسخةٍ جديدة عبر الاستثمارات المشروطة والديون التي كبّلت اقتصاداتها.
هكذا، ظلت القارة عالقة بين إرث الماضي وتحديات الحاضر، بين هيمنة المستعمر وفساد النخب بالداخل.
إلى متى نستعيد رجولتنا أو نستعير كرامتنا من الغرب وأمريكا حتى نتحرر من السلال والأغلال لبناء وطن تُصبح فيه المواطنة واحدة من أهم الحقوق وليست من الأحلام والأماني.
دولٌ إفريقية بدأت تخرج من دائرة (ثراء الأرض.. وفقر الإنسان) وشقت طريقاً جديداً نحو مستقبل أفضل، مثل بوركينا فاسو ورواندا وغانا وكينيا وجنوب إفريقيا، لكن جهدهم لا زال جُهد المُقِل.
فالثروات ليست فقط ما يُستخرج من باطن الأرض، بل ما يُستخرج من إرادة الإنسان ووعيه وإيمانه بقدراته، ولكن يبقى الأمل طالما أنّ بطن إفريقيا حُبلى بالموارد البشرية والطبيعية.



