مقالات وآراء

الإنكار: آفة العقل المركزي

 

لم يعد المركز في السودان يرى المأساة. ليس لأنه فقد البصر، بل لأنه فقد القدرة على الشعور. أطفال يُذبحون في جبال النوبة، وقرى تُباد في الأطراف، ومع ذلك ينهض الصوت نفسه من قلب السلطة: “*هذه ضريبة حماية الدولة*”. وكأن وحدة التراب (territorial integrity) أغلى من كرامة الإنسان وعزته وإبائه (human dignity)، وكأن الإنسان في الهامش صالح للاستهلاك السياسي لا للحياة الكريمة.
إنها الذهنية التي تحدث عنها فرانز فانون حين وصف كيف تُعاد هندسة وعي المستعمِر ليصبح غير قادر على رؤية معاناة المستعمَر. وذات المنظور الذي سماه باولو فريري “تشييء الإنسان”، *حين يتحول المواطن إلى مجرد رقم في معادلة الأمن القومي*. وحين يكون الريف قدراً للنهب لا شريكاً في الوطن.
لأكثر من قرنين، ظل الريف السوداني — والغرب خصوصاً — خزاناً بشرياً مفتوحاً. تُساق خيراته شمالاً، ويتحوّل شبابه إلى وقود للحروب أو اليد العاملة الرخيصة. لم يكن ذلك مجرد خلل إداري؛ بل كان تطبيقاً سودانياً لما يسميه عالم الاجتماع مايكل هيكتر بـ“*الاستعمار الداخلي*”، حيث تتعامل الدولة المركزية مع أطرافها باعتبارها مستعمرات داخلية، يجب أن تبقى متخلفة كي يستمر تدفق الموارد نحو المركز.
وحين حاول *الإقليم الغربي* كسر العزلة وفتح باب التجارة عبر نيالا، اكتشف أنه *لا يملك سوى تاجر واحد يحمل رخصة استيراد*. لا مراكز لوجستية، لا بنى تحتية، ولا معابر تجارية. كان كل شيء مصمماً لاحتكار التجارة في يد طبقة ضيقة تتحكم في الدولة والسوق معاً، في تطبيق صارخ لما يسميه تشارلز تيلي “الدولة كشركة استخراجية”.
لم يكترث تجار المركز بالمنتج الحقيقي—الراعي والمزارع—ولا بالبحث العلمي، ولا بالتقنيات الزراعية، ولا بإصلاح الأرض. كان المطلوب أن يبقى الريف محتاجاً للمركز، *وأن تبقى دورة الأرباح محصورة في يد القلة*. وهو ما يتطابق مع تحليل سمير أمين عن “التنمية غير المتكافئة” حيث يُبنى رفاه المركز على إفقار الأطراف.
أخطر ما في المركز ليس قوته، بل إنكاره وبؤس استعداده للمستقبل. *يريد للفرق العسكرية أن تموت في الغرب كي تحمي مكاسبه، لكنه لا يريد لأبنائه أن يخوضوا هذه الحروب*. يدفع بأبناء الأطراف ليقاتلوا بعضهم، ثم يصف المهزوم منهم بالجبن، وينكر على المنتصر حقه في مراجعة ميزان القوة. السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر يسمي هذا “تقديس البيروقراطية”، حيث *تتحول الدولة إلى معيار للحقيقة، ويصبح نقدها فعلاً محرماً*، مهما كان حجم الظلم الذي تمارسه.
وحين انتفض الريف يوماً على القهر، لم تُرسل إليه لجان حوار، بل طائرات استطلاع ومسيرات. كان ذلك إعلاناً واضحاً بأنّ *الدولة ما زالت تقف في النقطة نفسها التي تركها المستعمر البريطاني*: تحرس المركز وتخشى الأطراف.
حين نزح أهل الغرب والجنوب إلى الخرطوم، لم يجدوا العاصمة التي وعدتهم بها الخرائط المدرسية. وجدوا مدينة لا تفتح لهم أبواب التنافس في العمل، ولا تمنحهم الاعتراف، ولا ترى فيهم سوى وافدين مهما طال بهم المقام. هذا ما يسميه عالم الأنثروبولوجيا جيمس سكوت “هندسة الجغرافيا السياسية”، حين تُصمَّم المدن بطريقة تجعل فئة معينة في مركز الامتياز، وتدفع ببقية السكان إلى الظل.
اليوم تحرر غرب السودان. تغيرت المعادلة التي ظلت ثابتة لسبعين عاماً. لكنّ *المركز ما يزال في سجنه: سجنه الثقافي، وسجنه السياسي، وسجنه الأخلاقي*. وما لم يعيد المركز النظر في نظريته القديمة—نظريته في التفوق، وفي الحق الطبيعي في السلطة، وفي احتكار التجارة والأرض—فلن يكون قادراً على بناء وطن، ولن ينجو من الانهيار الداخلي بعد أن باتت أم درمان على مرمى المدفعية!
أم درمان ليست مجرّد مدينة؛ إنّها شاهد على كيف تُختطف الجغرافيا وتُعاد صياغتها، وكيف يُعاد دفن التاريخ كي يخدم رواية أحادية عن هوية الدولة. حيث تُمحى ذاكرة القبائل التي شاركت في تأسيس هذه المدن، ويُعاد إنتاجها كمدن “مركزية خالصة”. لكن الجغرافيا – كما يقول إدوارد سعيد – لا تُنسى، حتى لو حاولت السلطة ترويضها. ولذلك فإنّ *الزحف نحو أم درمان بعد تحرير الأبيض* ليس فعلاً عسكرياً، بل حدثاً يعيد ترتيب الذاكرة الوطنية.
ختامًا، إنّ التحرر الذي صنعته الأطراف اليوم ليس مجرد حدث عسكري؛ إنّه عودة التاريخ من تحت الركام، واستعادة للجغرافيا التي طال قمعها لصالح سردية واحدة. وإنّ *الطريق إلى دولة عادلة لا يمر عبر تغيير العلم، بل عبر تغيير البنية العميقة التي أفسدت المعالم* وكسرت التنوع ودفنت الذاكرة تحت طبقات من الإنكار. ولعلّ لحظة الحقيقة قد حانت: إمّا أن يراجع المركز نفسه، ويتواضع أمام شراكة الوطن، وإمّا أن يستمر هذا الانهيار الذي لن تُنقذه رموز جديدة، ولا كلمات جديدة، ولا ألوان جديدة.

December 3, 2025

‫11 تعليقات

  1. طيب انفصلو وارتاحو واريحونا منكم مجموعة من الافاقين والارزقيه بقضايا الغلابه وادعاء التهميش انتم عشتم وحصدتو نصيبكم ونصيبهم ورفلتم في النعيم علي حساب المهنشين ماذا فعل ايناء الغرب ورجال الأعمال منهم هل خلقو بيئه ملائمة ليعيشو فيها هناك ام هم الحلابه استوطنوا عندكم وبنو المدارس والمستشفيات وابنايكم يتقاتلو في طبلبه وقطعة أرض في الخرطوم
    انت ماءا قدمت لأهلك هناك لولا الحرب والهىروله لاغتنام الفرصة كنت حتي الان تتمسح بجذمة احفاد المهدي الذين صفعوك امام الملاء واهانوك انت واببك وجدك وكل أسرة مادبو يجب ان تحاسبو

  2. يا مادبو رفع القطر بي….. جننتنا المركز المركز انت زات نفسك اتربيت في المركز….حرام عليك…. المركز انظلم من الريف…. البشير كان بيبشر ناس الحاج عبد الله بأن حكومته لا يوجد فيها شخص واحد من العاصمه لان العاصمه مثال للتشرد الانحلال والضلال َالمثليين والسكرجيه والعاهرات وهذه فكرة غالبية ناس قريعتي راحت كل السودان هاجر العاصمه و نشر وساخة تخلفه ونسبها للعاصمه…. هذا ما تمت تربية حمايتي لتكتمل صورة الحقد الأسود الذي يفوق الوصف……. حتى الكدايس هربت من الجانجويت بالظبط مثلما اوعدنا حميرتي واوفي بوعده….. فعاقب المركز خير عقاب وتكرم بعدها للكثير من المدن ولحد الان بالحساب العسير…… إذا كان المركز الذي تكرهه انت هو الكيزان الملاعين فشكرا لطرحك اما اذا كان قصدك تتطبيل لحميرتي عشان يعمل امارة ال دقلو لحرق الأخضر واليابس وبيع وتجارة العبيد و المرتزقه….. تكون ضيعت نفسك وضيعتنا معال و ضييت دولة قطر بأثر رجعي

    1. يا صديق افهم و تعقل و قبل ان تتكلم عن ظلما لريف , تحدث عن ظلم النخب المتعاقبة للناس و للارض و للوطن . في كل دول العالم تجد التنمية فيها شيء من التوازن بين اطراف و مناطق الدولة بينما في السودان تم تركيز كل شيء في العاصمة و هذا السبب الذي جعل الريف يتكدس في العاصمة مما أدى الى معاناة أهل الريف و ايضا معاناة الفقراء من أهل العاصمة لأن الاراضي أصبحت اغلى مما يتصور و ارتفعت الايجارات و ابن العاصمة ليس من المعقول ان يهاجر الى الريف و الناس يتوافدون الى العاصمة فيصبح كمن يسبح عكس التيار
      أما ما فعله البشير من أنه كان بيبشر ناس الحاج عبد الله بأن حكومته لا يوجد فيها شخص واحد من العاصمه , فهذا من عدم الوعي لأنه لو كان ينظر الى السودان كشعب واحد لما قال هذا فالكل ابناء السودان سواءا كانوا من العاصمة ام من البادية ام من اعالي الجبال النائية

  3. لماذا لا بطالب الدارفوريون خاصة المتعلمين اصحاب الخبرات منهم ،امثال دكتور الوليد مادبو بانفصال بلدهم دارفور ؟؟..

    .. لماذا يتشبث الدارفوريون بمن يضطدهم. ؟لماذا لا يطالبون بالفكاك من بلاد النيلين والجلابه العنصريين ، ويفضلون البقاء معهم مهمشين، ؟؟.

    . الدارفوريون عاجزون تماما عن حكم انفسهم وبلدهم دارفور ، وبدركون ان الفكاك من دار صباح يعني دمار دارفور بالكامل ، علي بد ابناء الاقليم. لان الدارفوريين لايعرفون البناء والتعمير، بل هم متمرسون في النهب والقتل واراقة الدماء، فذلك ديدنهم الذي جبلوا عليه.

    .. ويظل السؤال قائما ،لماذا تتحمل بلاد النيلين وزر دارفور ، ولماذا يفرض علي اهلنا في بلاد النيلين ،العيش مع من يتربص بهم ، ويحقد ويتأمر عليهم في بلد واحد؟؟..

    . لقد ان الاوان لفصل بلاد النيلين عن دارفور ،ولسان حال اهلنا يقول لاهل دارفور (اذهبوا فانتم الطلقاء)… وعليكم يسهل وعلينا يمهل.

    …. … التقسيم سمح. .. ……

    1. طالما انكم يا أهل الجزء الشمالي من النهر تريدون الانفصال فاعلنوا انفصالكم و اتركوا لنا سوداننا الجميل بموانئنا و مزارعناو شرقنا و غربنا و بترولنا و ثروتنا الحيوانية و السافنا و شبه الاستوائية و جبال جنوب كردفان و مناخها الجميل و نيلينا الازرق و الأبيض و جزيرتنا و ابقوا عشرة على نيلكم الواحد

      1. يا مؤودب المنافقين ،سيحتفل بقدوم الجنجويد ، اهالي السريحة ،ودالنورة، الهلاليه، رفاعة، ودالحداد، العيكورة الحصاحيصا،تمبول، السوكي ، الدندر، الفاو، سنار، سنجة، الدمازين، قري النيل الأزرق ،ودراوة، النوبه، المعيلق، المسيد، العيلفون، ام ضوا بان، جبل اولياء، ودمدني، حنتوب، الخرطوم،بحري ،امدرمان.وغيرهم من القري، والحلال ، التي استباحها الجنجويد.

        سيخرج اهالي تلك الاماكن لاستقبال الجنجويد، ولكن كيف سيكون الاستقبال؟. .سيدركه الجنجويد عند دخولهم فيها.

        … يا مؤودب المنافقين ،نصيحة لك ولكل الدارفوريين ، انسوا بلاد النيلين ، وعليكم بالتوجه غربا حيث امتدادكم القبلي في دول غرب إفريقيا. فهذا هو الواقع الجديد لدارفور ،وعليكم التعايش معه.

        1. ان غدا لناظره قريب

          و هناك من سيذهب لكي يوصف بالبواب و ربما كنت انت واحدا من هؤلاء البوابين

  4. امضي ياقلم المهمشين ضحايا الاستعلاء وعجرفة المركز..نور عتمة الاقاليم المهمشة اأيضا. بقلمك ووعيك فهي ليست اقل ظلامة من الغرب..قلمك يجعلهم يرتعدون خوفا اكثر من المدافع…لقد اوفيت لكن نسيت احتكار المركز للجنسة السودانية ايضا.

  5. لماذا الغوغاء تقرأ و لا تفقه!! لماذا الدهماء اغرقوا الشوارع!! الواحد منهم ان تتركه يلهث او تحمل عليه يلهث أولئك كالانعام بل أضل

  6. على العقلاء أن يدركوا الأمر قبل فوات الاوان فالزجاج اذا انكسر لا يمكن ان يعود كما كان و الحرب اذا استمرت هكذا سوف ينكسر الكثير مما لا يمكن اصلاحه و سيعيش هذا الجيل و الذي بعده في كراهية و مشاكل اجتماعية و صراعات تجهض كل امل للسعادة و التنمية و لعن الله من يشعلون الحروب و يثيرون الفتن و يفرقون بين الناس لمطامعشخصية او قبلية او فئوية

  7. يا دكتور وليد لا تهتم لأمثال هؤلاء الجهلة والأرزقية، جميعهم يتمسحون بالمركز وهم في الأساس من الهامش الشمالي والذي لا يزال اهله يشربون الماء من الحفير ويضيئون بيوتهم بفانوس الكيروسين، ويذهبون الى مزارعهم بالحمير. وما ان يصل احدهم الخرطوم، إلا و ينصب نفسه خرطومي وابن البلد، ويركب ماكينة جلابي، وينعت ابناء الهامش الآخرين القادمين من الهوامش الغربية والشرقية والجنوبية الجديدة، بأنهم اجانب وحاقدين وينعتهم بأسوء النعوت والعبارات المقززة. وكمان بكل عنجهية وجهل يقول للناس اذا ما عاجبكم انفصلوا. هل يعلم هؤلاء، اذا تقرر الإنفصال، فإن حدود دارفور حتى أم درمان التي حررها اجدادهم الغرابة وهم من اوائل الذين سكنوها وعمروها؟ عشان كده اقول لك هؤلاء جهلة ومغيبون. انا من هؤلاء البشر واعرفهم جيداً تماماً كما اعرف الغرب الذي تربيت فيه، هناك فرق كبير بين هؤلاء واهل الغرب كالفرق بين السماء والأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..