مقالات وآراء

 الطيران لا يحمي الأوطان… بل يدفنها

د. التوم حاج الصافي

ما يجري في السودان لم يعد حربًا بالمعنى السياسي أو العسكري، بل انزلاقًا كاملًا نحو منطق تدميري أعمى، تُقصف فيه الدولة باسم حمايتها، وتُباد المدن بحجة استعادتها، ويُطلب من الناس التصفيق بينما يُسحب المستقبل من تحت أقدامهم.
نمط الأداء بات واضحًا إلى حد الفضيحة: انسحاب من الأرض، فراغ أمني كامل، ترك المدنيين لمصيرهم، ثم عودة من السماء عبر الطيران الحربي لقصف نفس المدن التي تُركت بلا حماية. هذا السلوك لا علاقة له بالعقيدة العسكرية ولا باستعادة السيادة، بل هو اعتراف عملي بالعجز على الأرض، وتعويضه بعقاب جوي جماعي لا يميّز بين مقاتل وطفل، ولا بين موقع عسكري وبنية مدنية.
القصف الجوي في الحروب الحديثة، عندما يُستخدم ضد المدن، لا يُهزم به خصم غير نظامي، بل تُدمَّر به مقومات الدولة نفسها. المستشفيات لا تتحول إلى قواعد عسكرية بالقصف، ومحطات المياه لا تنتج أمنًا حين تُستهدف، والجسور حين تُدمَّر لا تقطع خطوط الإمداد بقدر ما تقطع شرايين الحياة. ومع ذلك، تُقدَّم هذه الأفعال للرأي العام باعتبارها “انتصارات”، بينما حقيقتها أنها خسائر استراتيجية طويلة المدى لا تُقاس بعدد الطلعات الجوية بل بعدد السنوات المطلوبة لإعادة البناء – إن أمكن.
الأخطر من ذلك، أن هذا العبث لم يتوقف عند حدود المدن، بل تمدد ليطال موارد الدولة الاستراتيجية نفسها، كما حدث في قصف حقول النفط في هجليج. هنا ننتقل من تدمير العمران إلى تدمير الاقتصاد الوطني عمدًا. هجليج ليست مجرد موقع جغرافي، بل رئة اقتصادية، ورمز لسيادة الموارد، وأي استهداف لها – تحت أي ذريعة – هو فعل يرقى إلى تقويض مقومات الدولة ذاتها. لا توجد حرب “وطنية” تُبرر قصف مصادر الدخل القومي، ولا توجد سيادة تُستعاد بحرق النفط الذي يُفترض أن يمول إعادة الإعمار لا أن يتحول إلى رماد إضافي.
في المقابل، يُقدَّم الجنجويد بوصفهم قمة الخراب، لكن الحقيقة – مهما كانت مُرّة – أن حدود دمارهم معروفة: نهب، سلب، سرقة، فوضى ميليشياوية بدائية. أما حين تدخل الطائرات الحربية إلى المشهد، فإننا ننتقل إلى مستوى آخر من الجريمة: خراب مؤسسي، منظم، ومغلف بلغة الدولة. هنا لا يُدمَّر الحاضر فقط، بل يُقضى على أي أمل في المستقبل.
وسط هذا المشهد، يظهر ما يُعرفون بالبلابسة، وهم الوجه المدني لانهيار المعايير، يصفقون لكل غارة، ويُحولون الفشل العسكري إلى خطاب مقدس، ويبررون القتل بوصفه ضرورة، والدمار باعتباره ثمنًا لا بد منه. هؤلاء لا يدافعون عن الجيش، بل يدفعونه إلى الهاوية الأخلاقية، ويحوّلون مؤسسة عامة إلى أداة صراع سلطوي معزول عن مصلحة الوطن.
السودان اليوم لا يواجه فقط مليشيا، بل يواجه أزمة معنى الدولة نفسها. حين تُقصف المدن باسمها، وتُدمَّر مواردها بحجة حمايتها، ويُطلب من شعبها الصمت أو التصفيق، فإننا لا نكون أمام دولة في حرب، بل أمام دولة تتآكل من الداخل.
لا دولة تُبنى من الجو، ولا شرعية تولد من فوهة الطائرة، ولا وطن يمكن أن ينجو حين تتحول سماؤه إلى مصدر خطر دائم على مواطنيه. وإن لم يُسمَّ هذا السلوك باسمه الحقيقي الآن، فسيكتبه التاريخ لاحقًا بوضوح قاسٍ:
السودان لم يُهزم فقط بأعدائه، بل دُمّر بسوء استخدام قوته.
زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..