
يشكل الصراع السوداني أحد الاختبارات التي تواجه السياسة الخارجية الأمريكية في المرحلة الراهنة، ليس فقط لكونه نزاعاً ممتداً أفرز ديناميات داخلية معقدة، بل لأنه أصبح انعكاساً لتحولات أوسع في بيئة الإقليم، حيث تتقاطع فيه حسابات البحر الأحمر، وتوازنات الخليج، وأدوار شرق أفريقيا، وتنافس القوى الكبرى على موارد الدولة السودانية وموقعها الجيوستراتيجي. وفي ظل هذه التداخلات، تبدو السياسة الأمريكية بصيغتها التقليدية مقيدة بحدود موضوعية تتعلق بضعف أدوات التأثير، وتحول موازين القوة، واستقلالية نسبية للفاعلين الإقليميين في اللحظة الراهنة. ذلك أن عالم ما بعد الحرب الأوكرانية شهد تراجعاً ملموساً في فعالية الضغط الأمريكي، واتساعاً في قدرة القوى الإقليمية على المناورة خارج المظلات التقليدية.
إن السودان، حالياً على الصعيدين السياسي والعسكري، لا يمثل مجرد ساحة صراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل يعكس انهياراً عميقاً في بنية الدولة، وتحولاً في طبيعة الاقتصاد السياسي الذي بات قائماً على الذهب والتهريب والشبكات العابرة للحدود.
أولاً: ديناميات الإقليم
تمثل منظومة الحلفاء الداعمين لاتفاقات إبراهام عنصراً محورياً في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، ليس فقط بسبب العلاقات الدفاعية واللوجستية، بل أيضاً بسبب شبكة المصالح الأمنية والاستثمارية التي تربط واشنطن بهذه الدول. فمنذ توقيع اتفاقيات إبراهام، تبنت الولايات المتحدة تصوراً يقوم على بناء تحالف إقليمي واسع يشكل امتداداً للوجود الأمريكي، ويمنح واشنطن قدرة على إدارة التوازنات في مواجهة كل من إيران والصين وروسيا. غير أن هذه التحالفات تواجه اختبارات عملية نتيجة تقديم بعض الحلفاء أشكالاً من الدعم المباشر المؤثر في التوازنات العسكرية في الصراع السوداني الراهن.
ووفق هذه المعطيات الداخلية والخارجية، يصعب فصل الحرب عن أدوار القوى المؤثرة، أو عن التنافس بين روسيا والصين والولايات المتحدة على ممرات البحر الأحمر وسلاسل التوريد العالمية. كما أن السودان بات يشكل نقطة حساسة في الاستراتيجية الأمريكية الموجهة نحو المحيطين الهندي والهادي، الأمر الذي يجعل أي اضطراب فيه عاملاً مؤثراً في توازنات الأمن البحري.
ومن أبرز المعضلات التي تواجه واشنطن أنها تقف أمام شبكة من الحلفاء الذين يمتلكون نفوذاً مباشراً على أطراف النزاع السوداني، سواء عبر الدعم المالي أو اللوجستي أو شبكات العلاقات الاقتصادية والاستثمار. وقد أسهم انخراط هذه الدول، بدرجات متفاوتة، في إعادة تشكيل خريطة القوة على الأرض. وعلى الرغم من إدراك واشنطن لهذه الحقيقة، إلا أنها لا تمتلك حرية التحرك الكافي، لأن علاقاتها مع هؤلاء الحلفاء ترتكز على منظومة مصالح دفاعية واقتصادية لا يمكن المجازفة بها في سياقات إقليمية أكثر اتساعاً.
وطبقاً لذلك، تتجنب الولايات المتحدة الإشارة المباشرة إلى أي دولة بعينها، وتصدر بيانات عامة تدعو الأطراف الإقليمية إلى وقف تدفق السلاح أو تلجأ إلى آليات إعلامية وصحفية لتصدير رفضها لبعض الممارسات. هذا الخطاب المنضبط يعكس رغبة من الإدارة الأمريكية الحالية في عدم التأثير سلبياً علي التحالفات القائمة في مرحلة شديدة التعقيد والحساسية.
لكن الحذر الأمريكي لا يلغي أن الأدبيات السياسية الأمريكية الصادرة عن مراكز التفكير على خلاف خطاب إدارة ترامب تستخدم لغة أكثر وضوحاً. فالتقديرات تذهب إلى أن الأزمة السودانية ليست صراعاً داخلياً فحسب، بل هي حالة نموذجية لانهيار الدولة تحت تأثير الفاعلين الإقليميين والدوليين، وأن “الاقتصاد الحربي” يمثل القوة الدافعة لاستمرار القتال.
وتؤكد هذه التقديرات أن السودان أصبح ساحة تنافس مباشر بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، حيث تسعى روسيا إلى تأسيس وجود بحري دائم، بينما تواصل الصين تعزيز استثماراتها في الموانئ والذهب والبنية التحتية، وهو ما يقلص من قدرة الولايات المتحدة على فرض تسوية سياسية تتماشى مع مصالحها.
في ضوء هذه المعطيات، تبرز أزمة الإدراك الأمريكي لطبيعة اللحظة السودانية، إذ تعاني واشنطن من قراءة قاصرة لموازين القوى داخل المجتمع السوداني، فعلى الرغم من الحيوية السياسية والاجتماعية للقوى المدنية، إلا أنها تتسم بانقسامات حادة تعيق قدرتها على ممارسة دور مركزي في عملية الانتقال، حيث تعتبر الأدبيات الأمريكية أن ضعف التنظيم السياسي للمدنيين حال دون صياغة مشروع وطني جامع، وأبقى دورهم محصوراً في رد الفعل على تطورات الحرب.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الإدارة الأمريكية، وفقاً لورقة مسعد بولس المسربة، لا تلاحظ الخلل في توازنات القوى وتمارس عملية استبعاد لقوى سياسية بعينها (النظام السابق)، ولا تملك آليات واقعية للضغط عليهم، وكلها عوامل كان لها دور في مقاومة الطرح الأمريكي من جانب الفريق عبد الفتاح البرهان.
وبطبيعة الحال، هذا الضعف يعزز ميل الأطراف المسلحة إلى تعظيم مكاسبها الميدانية قبل أي مسار تفاوضي، ويجعل وقف إطلاق النار هشاً بطبيعته، لأن الأطراف تتعامل معه بوصفه محطة تكتيكية لا استراتيجية. وتزداد تعقيدات المشهد عندما نأخذ في الاعتبار المصالح المتعارضة للدول المؤثرة في السودان، إذ أن بعض هذه الدول يستثمر في مشاريع استقرار طويلة المدى تحافظ على الدولة السودانية من الانهيار على النمط الصومالي أو العراقي بعد الغزو الأمريكي، بينما يسعى بعضها الآخر إلى تثبيت نفوذ استراتيجي أو اقتصادي مباشر، مما يجعل من الصعب تشكيل موقف عربي موحد. ويتزامن ذلك مع حساسية متنامية لدى دول شرق أفريقيا وخاصة إثيوبيا وكينيا من التقدم العربي والمقاربات العربية في الملف السوداني على حساب المبادرات الأفريقية، وهو ما يعيد التوتر القديم بين المسارات العربية والأفريقية، إذ أنه غالباً ما تؤكد تقارير الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيجاد أن أي تسوية غير منبعثة من الإطار الأفريقي ستكون محدودة الفاعلية، حيث جاء تدخل المدير التنفيذي للإيجاد ليؤكد هذا الاتجاه في تغريدة أخيرة حملت مضامين ضرورة التدخل بعد سقوط الفاشر.
ثانياً: شروط التأثير الأمريكي
يمكن القول إن البيئة الإقليمية أصبحت أكثر تعقيداً، فقد كشفت الأزمة السودانية حدود قدرة الولايات المتحدة على استيعاب ديناميات البحر الأحمر، الذي يشهد في السنوات الأخيرة تنافساً عسكرياً واقتصادياً متصاعداً. فالسودان يشكل نقطة ارتكاز في المعادلة البحرية الممتدة من قناة السويس إلى باب المندب، ويمكن لأي اضطراب فيه أن يؤثر على مسارات التجارة العالمية. وتمثل هذه الحقيقة أحد الأسباب التي تجعل من السودان ملفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، التي طرحته مع الفريق عبد الفتاح البرهان منذ اللقاءات المبكرة للفريق البرهان مع مسعد بولس في سويسرا. وربما الموقف السلبي من الجانب السوداني إزاء مقاربة مسعد بولس الأخيرة وطبيعة ردود الفعل عليها تكشف أن فاعلية الدور الأمريكي تتطلب إعادة بناء مقاربة شاملة باتجاه الأزمة السودانية، بحيث تتجاوز الأدوات التقليدية للضغط التي لم تعد مناسبة للسياق الراهن.
ويبدو واضحاً أن أي مقاربة جديدة يجب أن تستند إلى إعادة هندسة البيئة الإقليمية المحيطة بالصراع، خصوصاً عبر وضع ترتيبات صارمة لوقف تدفق السلاح. فاستمرار الدعم العسكري لبعض الأطراف، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، يمنح الحرب قدرة ذاتية على الاستمرار. ولذلك تحتاج واشنطن إلى إطلاق آلية دولية للتحقق الميداني، تضم مراقبين بصلاحيات واضحة وتقدم تقارير دورية إلى مجلس الأمن، مع ربط أي انتهاك بإجراءات قابلة للتنفيذ. إذ لا يمكن لأي عملية سياسية أن تبدأ دون تقليص نفوذ اقتصاد الحرب الذي أصبح ركيزة أساسية لتمويل الأطراف السودانية.
وفي هذا السياق، يشكل البحر الأحمر محوراً لتجفيف مصادر التمويل، عبر مراقبة تهريب الذهب والنفط، وفرض عقوبات على الشبكات الوسيطة، وبناء شراكات مع الدول الساحلية لضبط الحدود البحرية، إضافة إلى دعم برامج اقتصادية بديلة للمجتمعات التي تعتمد على اقتصاد التهريب. فالبنية الاقتصادية للحرب، وليس فقط موازين القوة العسكرية، هي التي تعيد إنتاج الصراع.
وطبقاً للتفاعلات الراهنة، فإن أحد التحديات الراهنة يتمثل في ضرورة إدارة العلاقة مع الحلفاء. فالتعاون مع هؤلاء الحلفاء أصبح جزءاً من هندسة الأمن الإقليمي الأمريكي، غير أنه يحتاج إلى ضوابط واضحة تمنع أي انخراط في الصراع السوداني يؤثر على الاستقرار أو يساهم في إطالة أمد الحرب.
وفي رؤية اتجاهات أمريكية، يبدو من الضروري دمج السودان في الاستراتيجية الأمريكية للبحر الأحمر والمحيطين الهندي والهادي، باعتباره نقطة اتصال في شبكة أمن الملاحة العالمية، وليس مجرد ملفاً إنسانياً أو سياسياً. ويتطلب هذا المسار وجوداً استثمارياً أمريكياً أكبر في الموانئ والبنية التحتية، وتعاوناً مستمراً مع الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر. ووفقاً لذلك، فإنه بهذه الطريقة فقط يمكن للولايات المتحدة أن تستعيد قدراً من التأثير الاستراتيجي في المنطقة.
إن الأزمة السودانية، في جانب منها، اختبار لقدرة الولايات المتحدة على صياغة دور جديد في جنوب العالم، في ظل تناقص فاعلية القوة الأمريكية وصعود قوى إقليمية تمتلك إرادة مستقلة. فالفشل الأمريكي في التعامل مع السودان قد يفتح الباب أمام مزيد من التمدد الصيني–الروسي، الأمر الذي يتعارض مع مصالح واشنطن في الأمن البحري والموارد الطبيعية والممرات الاستراتيجية. ولذلك، فإن نجاح السياسة الأمريكية يتوقف على قدرتها على تطوير مقاربة تتجاوز ردود الفعل، وتستند إلى فهم أكثر عمقاً لتوازنات الداخل السوداني وديناميات الإقليم.
إجمالاً، يبدو أن مستقبل الدور الأمريكي في السودان سيكون مرهوناً بمدى قدرة واشنطن على التعامل مع أربعة تحديات: ضبط تدفق السلاح، تجفيف اقتصاد الحرب، إدارة التحالفات الإقليمية بصورة رشيدة، وبناء مسار سياسي سوداني يستند إلى دور مدني حقيقي. فإذا استطاعت أن تحقق توازناً بين هذه العناصر، فإن ذلك سيعيد صياغة حضورها في البحر الأحمر وشرق أفريقيا. أما إذا بقيت المقاربة مجزأة وغير قادرة على استيعاب التحولات الكبرى، فسيظل السودان ساحة مفتوحة للتنافس الدولي، وربما تتحول الحرب إلى صراع ممتد يعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
وفي نهاية المطاف، تظل حقيقة مركزية هي أن السودان، بما يحمله من موقع ورهانات وموارد بشرية وجغرافية، ليس اختباراً لاتجاه السياسة الأمريكية فحسب، بل نقطة قياس لتحولات النظام الدولي نفسه. فالقدرة الأمريكية على استيعاب هذه اللحظة المعقدة محلياً وإقليمياً ودولياً ستحدد ليس فقط مستقبل الصراع في السودان، وإنما شكل حضور واشنطن في الجنوب العالمي خلال العقد القادم.
نشر المقال علي موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية



