
حين يخرج إبراهيم الحوري اليوم ليقول بلا خجل إن «الثورة قُبِرَت»، فهو لا يعلن خبرًا، بل يكتب اعترافًا متأخرًا بدوره في الخديعة. هذا هو الرجل نفسه الذي، في أيام الثورة الأولى، كان يحدّث الناس بنبرة الواعظ العسكري عن أن الجيش انحاز للشعب، وكان يطلب من الجماهير أن تطمئن، وأن تضع حلمها في حضن المؤسسة، وأن تصدّق أن البندقية صارت فجأة في صف الحرية. اليوم، وبعد أن انكشف المشهد، عاد ليشتم الثورة لأنها لم تمت بالطريقة التي تخدم روايته الجديدة.
هذا ليس تغيّرًا في الموقف، بل انقلابًا أخلاقيًا. من بشّر بالجيش يوم كان الشارع أعزل، لا يملك حق نعي الثورة حين يتبيّن أن البشارة كانت وهمًا. الثورة لا تُقاس بتصريحات ضابط متقاعد، ولا تُدفن لأن من راهنوا على العسكر خسروا رهانهم. الذي دُفن ليس الثورة، بل خطابكم، ووهمكم، ومحاولتكم الدائمة تحميل الضحية ذنب الخيانة.
الأقبح من ذلك كله هو هذه المفارقة الفجّة التي لم يعرفها بلد إلا نادرًا: جيشٌ يتحدث جزء واسع من ضباطه بلسان حزبي مؤدلج، ثم يطالب الشعب باحترامه لأنه “جيش السودان”. أي وقاحة سياسية هذه؟ وأي استهانة بعقل الناس؟ الاحترام لا يُطلب، بل يُكتسب. والجيش لا يُحترم لأنه يرفع علم الوطن، بل لأنه ينزع التنظيم من داخله، ويصمت عن السياسة، ويتوقّف عن مخاطبة الشعب كأنه خصم أو تابع.
ثم نسأل: أي “جيش منحاز للشعب” هذا الذي عرفه الناس لاحقًا كـ جيش الانسحابات؟ جيش ينسحب من المدن، يترك المدنيين لمصيرهم، ثم يخرج من يبرّر ذلك بلغة “الاحتراف” و”إعادة التموضع”. وأي مهنية هذه التي تتعايش — في الوعي العام والحديث المتداول — مع البيع، والسماسرة، وتحوّل السلاح إلى ورقة تفاوض، وتحويل الحرب إلى سوق؟ وأي حياد هذا الذي يُناقَش معه الناس عن تجارة الفحم، والاقتصاد الرمادي، وتحالف البندقية مع الربح، ثم يُطلب منهم في الوقت نفسه الصمت احترامًا للمؤسسة؟
لا أحد يحتاج إلى عبقرية ليرى التناقض:
جيش يطلب الهيبة،
بينما تُدار الحرب كصفقة،
وتُدار الأرض كغنيمة،
ويُدار الخطاب ككذبة.
وهنا نصل إلى الجذر الذي يهرب منه الحوري وأمثاله: مشروع “الجيش الرسالي”. لم يكن ذلك سرًا. في أوائل التسعينات، قال حسن الترابي صراحة إنهم لا يريدون جيشًا “مرتزقًا” بل جيشًا رساليًا. كان ذلك إعلانًا واضحًا لاختطاف المؤسسة، لا إصلاحها. جيش رسالي يعني جيشًا مؤدلجًا، مسيّسًا، ولاؤه للفكرة قبل الوطن. ومنذ تلك اللحظة، دخل السودان في نفق لم يخرج منه حتى اليوم، لأن التنظيم حين يغرس أظافره في الجيش، لا يترك دولة ولا يترك شعبًا.
والنفاق يبلغ ذروته حين يخرج الكيزان اليوم يتحدثون عن جيش واحد وشعب واحد. هم يعلمون — قبل غيرهم — أنه لو انقلب هذا الجيش عليهم، لقالوا فيه ما لم يقله أحد. لكنهم مطمئنون، لأن الدائرة واحدة، والأزمة واحدة، والخطاب واحد، مهما تغيّرت الوجوه.
إبراهيم الحوري لا ينعى الثورة. هو ينعى الرواية التي شارك في تسويقها: رواية الجيش المنحاز، والحياد الكاذب، والمهنية التي لا ترى الانسحابات ولا البيع ولا اقتصاد الحرب. أما الثورة، فهي لم تُقبر. هي فقط تخلّصت من وهمٍ ثقيل، وستعود لتسأل سؤالها البسيط الذي يخشاه المنافقون:
من خدع من؟
ومن باع من؟
ومن حوّل الوطن إلى صفقة، ثم طالب الناس بالتصفيق؟
الثورة لا تُقبر.
الذي يُقبر هو الكذب، مهما طال عمره.



