سياسي نزيه و مُومِس عذراء

طه يوسف حسن
لم أُولَد في أمريكا اللاتينية لأتعرف على أسرار الحانات، أو لاستمتع برائحة دخان سيجار هافانا، أو لأرقص رقصة (السالسا) في ليالي مزارعي الكاكاو. لم أُولَد في روسيا مثل مكسيم غوركي كي أكتسب صداقات مع لينين وأكتب رواية “الأم”، رغم أنني أحد أبطال روايته “الحضيض”. لم أُولَد في روما لأفهم أسرار الخلق، ولم أُولَد في باريس لأكون أكثر حضارة أو إيماناً بفولتير وجون جاك روسو وغيرهم من فلاسفة الأنوار. لم أُولَد في جوهانسبرغ لأشق الطريق الطويل إلى الحرية أو لأعرف نيلسون مانديلا.
وُلِدتُ في بلدٍ الطريقُ من منزلي إلى المدرسة غير معبّدة،وُلِدتُ في بلدٍ يُراد له أن يتمزق في صراع الأجندات المحلية والإقليمية والدولية. وُلِدتُ في بلد أبناءه يتآمرون عليه، حيث يُمارس الساسة فيه الكذب والنفاق، يرتدون عباءة النزاهة أمام كاميرات قنوات الأخبار رغم ما تشهده حياتهم من بقع داكنة. وُلِدتُ في بلد السياسة فيه غير ثابتة، تعتمد على الاجتهاد والتخمين، و “رزق اليوم باليوم”. بلد يُقتل فيه الجيّاد (الخبرات والكفاءات) بينما تُربَّى فيه الذئاب وسارقي قوت الشعب.
الصحفيون في بلادي لا يملكون في كثير من الأحيان سوى الحبر والورق … عندما يُصبح الكاتبُ مسترزقاً من صفحات العديد من الصحف و يقدم نفسه كاتب محايد بالتأكيد إنها تصب في هوامش مهنته و مهمته وليس في صلبها. فالصحافة ُهى خلاصة المخزون الادبي وزبدة المعرفة العلمية وجملة التجارب الحياتية التي تترجمها أقلامنا الى كلمات تطرق أذهان القاري فأما أن تصيبه بفيروس يعطل أنشطته الدماغية أو أن تصبح مادة دسمة تساهم في ترقية وتنمية أفكاره” (من لا يحمل جرثومة الكتابة لا يطرق باب الصحافة.)
قالت إليانور روزفلت: “العقول العظيمة تناقش الأفكار، والمتواضعة تناقش الأحداث، أما الصغيرة فتناقش الأشخاص”. الصحافة السودانية للأسف تفتقر للبُعد الدولي؛ فهي لا تزال حبيسة المحلية، تركز على الأشخاص أكثر من الأفكار التي من شأنها أن تساهم في البناء والتنمية. الصحافة في بلادي لا تُعنى بالتحديات الكبرى، بل بالمسميات.
منذُ خمسينات القرن الماضي يعاني السودان، بلد التعدد الثقافي و الإثني من أمراض السياسة المزمنة، و الأزمات المستعصية. رغم أنَّ الأزمات غالباً ما تكون محطات مهمة في تاريخ الشعوب، فإنها تصنع المعجزات إذا تم استثمارها بشكل صحيح ، السودان هو “أغنى فقراء الأرض” بلدٌ غني بثرواته الطبيعية لكن السياسة اختطفتهُ، باعه أهله بثمن بخس، وأصبح وجبة شهية تتنافس عليها الدول، فقيرها و غنيَّها.
المسؤولون والوزراء يتنقلون في رحلات خارجية تحت ذريعة المشاركة في الفعاليات الدولية. إذا كانت هذه المشاركات ضرورية في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة، و ظروف الحرب فما هي الفوائد التي تعود على المواطن السوداني؟ هل يستطيع أحد هؤلاء المسؤولين أن يُعدد لنا نتائج زياراته الخارجية وأثرها الإيجابي على الوطن؟ رغم أن الدبلوماسية السودانية في الخارج من مَهامِها وواجباتها تمثيل السودان في المناسبات و المنابر الدولية.
النثريات التي تُنثَر على سفريات المسؤولين ينبغي أن تُوجه لدعم القطاعات الحيوية مثل المستشفيات، المدارس، محطات المياه، المراكز الصحية، محطات الكهرباء، ومرافق الطوارئ. كل من هذه المؤسسات في حاجة لألفي دولار لتستعيد صحتها و تسترد عافيتها.
ما هي الفوائد التي يجنيها الشعب السوداني من مشاركة الوفود الرسمية في مجلس حقوق الإنسان ثلاث مرات في السنة و السودان منذ 1993 تحت الإجراءات الخاصة و لا يزال تحت وصايا هذا المجلس؟ ماذا أضافت هذه الوفود السياحية التي تتردد على جنيف للشعب السوداني في الوقت الذي تعاني فيه البيوت في السودان من قلة الجرذان.
نموتُ كي يحيا الوطن
يحيا لِمَنْ …نُحنُ الوطن !
إن لم يكن بنا كريماً آمناً
ولم يُكن محترماً ولم يُكن حُراً
فلا عِشنا ولا عاشَ الوطن .”



