
ما بين الدفاع عن الوطن ضد أي اعتداء خارجي، وحماية السيادة، وضمان الأمن والاستقرار الداخلي، والمحافظة على الحدود والمياه والمجال الجوي. والمساعدة في الكوارث الطبيعية، والمساهمة في التنمية، وتأمين الاستقرار الاجتماعي، َدون ذلك من مهام تتفاوت بحسب البلدان والدول، تنحصر مهام الجيوش او هكذا يجب أن تكون.
عطفا على المهام أعلاه وفي عجالة دعونا ننظر في مسيرة الجيش السوداني (قوة دفاع السودان) سابقا لنرى وندرك اي خطر عظيم ظل يشكله الجيش على ماضي وحاضر ومستقبل السودان، وإلى اي مدى تبدو الحاجة ملحة وعاجلة في إعمال مشارط الجراحة على جسد الجيش لينعدل حال البلاد ويصلح حال البلاد.
عقيب استقلال السودان في العام 1956 بأشهر قليلة قاد المقدم الأمين كبيدة اول محاولة انقلابية فاشلة على أول حكومة مدنية منتخبة، لم تكن من أسباب سوي الهوس بالتجربة المصرية وتنظيم الضباط الأحرار وهي التجربة ذاتها التي قادت لانقلابات لاحقة، أخرجت السودان من طريق التنمية والديمقراطية المستدامة.
لم تمضي سوى 17 شهرا تنقص قليلا على محاولة الانقلاب الفاشلة حتى كان انقض الجيش على السلطة في عملية تسليم وتسلم ما بين عبدالله خليل – رئيس الوزراء حينئذ – والفريق إبراهيم عبود فيما عرف بثورة أو حركة 17 نوفمبر، لتنتهي بذلك الديمقراطية الوليدة، ويتم حل البرلمان والأحزاب، لتدخل البلاد في نظام حكم عسكري استمر حتى ثورة أكتوبر 1964 الشعبية التي أطاحت به.
للمرة الأولى في تاريخ المنطقة أفلخت هبة الشعب السوداني في إزاحة حكم العسكر، كان ذلك في العام 1964 لتعود الحياة مرة أخرى لنظام الحكم المدني، وشهدت البلاد انتعاشا اقتصاديا وازدهارا اجتماعي وتعليمي وثقافي ظل هو الأبرز في تاريخ الدولة السودانية.
لكن (حزب الجيش) عاود الكرة منقلبا على الديمقراطية الثانية التي لم تعش سوى اقل من أربع سنوات بقيادة العقيد جعفر محمد نميري قائد ما عرف بثورة 25 مايو 1969، وهنا تجدر الإشارة إلى علاقة وثيقة تربط بين الانقلابات العسكرية الناجحة (58/69/89) وبين موعد تعديل اتفاقيات مياه النيل حيث كانت الحكومات المدنية على موقف متباين مع الأنظمة العسكرية المصرية لتظل الإستخبارات المصرية الباعث والداعم الأول للانقلابات التي سرعان ما يعقبها تعديل الاتفاقيات.
ألغى النميري الدستور وحُلَّ الأحزاب السياسية والبرلمان وأمم الشركات والبنوك وأغلق الصحف وأصبح نميري رئيساً لمجلس قيادة الثورة لمدة 16 عاما تقلب فيها ذات اليسار وذات اليمين وولغ في دماء السودانيين ثم أضطرب حين تسلل إلى نظامه الاسلاميون خلسة واستطاعوا عبر نظامه وضع الأسس العسكرية والاقتصادية لتشكيل نظامهم القادم في ثوب العسكرية والذي عنده تحول حزب الجيش إلى حزب إسلامي متطرف كما سنرى في الحلقة القادمة.



