مقالات وآراء

حكاية الثورة الرومانية – ديسمبر 1989 – من الألف للياء

د. عصام محجوب الماحي

ترجمة د. عصام محجوب الماحي
نقلاً عن صحيفة (ليبرتاتيا) الرومانية واسِعة الانتشار حيث كتب دانييل دانتشيا:
15 ديسمبر 1989.. الأحداث التي سبقت ثورة تيميشوارا: “سُمع صراخ: “ساعدوننا، إنّهم يعتقِلون أخانا!”
الحلقة الأولى
دخلت تيميشوارا التاريخ كأوّل مدينة في رومانيا انطلقت منها الثورة التي أدّت إلى سقوط النظام الشيوعي.
اشتعلت الشرارة الأولى في تيميشوارا مساء 15 ديسمبر 1989، وبعد خمسة أيام، أعلنت تيميشوارا نفسها أوّل مدينة في رومانيا محّررة من الشيوعية.
ولإعادة بناء التسلسُل الزمني للأحداث، تحدثت صحيفة (ليبرتاتيا) مع العديد من شهود تلك الأيام، الذين رووا كيف عاشوا اللحظات التي غيّرت مجرى التاريخ في رومانيا.
أدريان كالي، ثائر أصيب برصاصة في 17 ديسمبر1989، وهو اليوم مُدرِّس تاريخ في مدرسة غريغوري مويسيل الثانوية النظرية في تيميشوارا، تحدث عمّا حدث في 15 ديسمبر أمام الكنيسة الإصلاحية التي كان يرعاها القس لازلو توكيش، المجري الأصل.
* أحد رجال الميليتسيا – الميليشيا، أي الشرطة أو البوليس – عند مدخل الكنيسة:
أثارت تفاصيل أحداث تيميشوارا ودور بعض الشخصيات في سقوط النظام الشيوعي جدلاً وانقِساماً، لكنّ أمراً واحِداً لمْ يُطعن فيه في التاريخ، وهو المكان الذي انطلقت منه الانتفاضة: ساحة ماريا، حيث تقع الكنيسة الإصلاحية التي كان من المُقرّر طرد القس لازلو توكيس منها.
تحوّل الاحتجاج الصغير الذي بدأ هناك مساء الخامس عشر من ديسمبر عام 1989 إلى ثورة أدّت إلى سقوط النظام الشيوعي في رومانيا. ويقول مُدرِّس التاريخ أدريان كالي، الذي كان حاضراً في ساحة ماريا منذ اليوم الأول، إنّ توكيش صرّح في مقابلة بُثّت قبل أيام قليلة من ذلك التاريخ على التلفزيون المجري بأنّهم كسروا نافذته، ولا يعرف من دخل عليه. ويضيف أدريان كالي، الذي كان معروفاً في عالم موسيقى الروك: “كان ماركوس مافتي، ابن عم نيكو كوفاتشي (مؤسس فرقة الروك فينيكس)، يسكن في المنطقة. وفي مساء الرابع عشر من ديسمبر، أقاموا حفلاً صاخِباً، وشهِد المكان نشاطاً لمْ يُنظّم رسمياً. وبينما كان أحدهم عائداً إلى منزله، رأى أحد رجال الميليتسيا مُتمرْكِزاً عند الكنيسة. وفي الطابق السفلي، كانت هناك نافذة مكسورة، وُضع محلها لوحاً خشبياً، أذ لمْ يكُن لديهم بديل في ذلك الوقت البارد. وعلى إثر ذلك، انتشرت شائعات بين موسيقيي ومُحبّي الروك بأنّ شيئاً ما يحدُث هناك”.
* ساعدونا، إنهم يعتقلون أخانا:
في الخامس عشر من ديسمبر، وهو اليوم المُقرّر لإجلاء القِس توكيش، تجمّع عدد من المصلين أمام الكنيسة. وحوالي الظُهر، حضر دينيس كوري، سكرتير في السفارة الأمريكية. ويقول المُعلِّم كالي إنّه لمْ يكُنْ حاضِراً في ذلك الوقت، والمعلومات حول نقاش جرى بين كوري وتوكيش مُتضارِبة.
لمْ يصل كالي إلى ساحة ماريا إلّا في المساء، حين كانت مجموعة المتدينين المنتمين للكنيسة والمارة لا تزال هناك. يتذكّر أدريان كالي قائلاً: “كانت مجموعة مُتماسِكة، لمْ يتحرّكوا من أمام البوابة. لمْ يكُنْ ليغادروا المكان حتّى إذا أرعدت السماء. كان بجانبهم مواطنون مثلي، يمُرّون بذات المكان. كانوا يتحدّثون وكان الشارع مُظْلِمًا. في لحظة ما، سُمعت صرخة: (ساعدونا، إنّهم يعتقلون أخانا). توجّه عدد من الشباب من المجموعة الموجودة في الساحة لشجرة كبيرة على الزاوية، وهناك رأوا رجلين يسحبان ثالثًا نحو سيارة داتشيا ظهرت للتو، بنوافِذٍ معتّمة. كانت ثلاثة من أبواب السيارة الأربعة مفتوحة. عندما اقتربنا من السيارة، حاولوا إدخاله، فركلت أنا وشخص آخر الباب، فأُغْلِق. ظنّ السائق أنّهم دخلوا السيارة فانطلق مُسْرِعًا، لكن الرجلين والشخص الذي كانا يسحبانه خلفهما بقوا على الرصيف”.
* أخذ أحدهما ضربة رأس على فمه:
يقول مُدرِّس التاريخ كان في مساء الخامس عشر من ديسمبر، ما يصل إلى مئة شخص أمام المنزل الذي كان من المُقرّر إجلاء القِس توكيش منه، وكانت الشائعات تنتشِر بكثرة بين المجموعة. ويضيف كالي: “بعد مغادرة السيارة، توجّه الرجلان والشخص الذي كانا يجرّانه خلفهما إلى محطة الترام القريبة، حيث منزل توكيش، قريباً من محل الساعات. في لحظة ما، قفز شخصان آخران (رجلا أمن) من فوق سياج قريب، كانا فارعي الطول، وطلبا مِنّا المُغادرة. خرج أحد الأشخاص الذين كانوا أمام المنزل واقترب منهما وسألهما عن سبب الزيارة ومدّتها أو شيئًا من هذا القبيل”.
دار حوار قصير بين ذلك الشخص وأحد الرجلين، يرويه ادريان كالي بذاكِرة خُرافية: “قال أحدهما للشخص (من أنت؟)، ردّ عليه (أنا اشتيفان يوردانيسكو، مُخْرِج، وأنا عاطِل عن العمل)، نهره قائلاً (عرّف نفسك ببطاقتك)، فقال يوردانيسكو (عرّف أنت نفسك)”.
كان يوردانيسكو مُقْتنِعاً مثل كل ثوار تيميشوارا بأنّهما كانا من ضابط المخابرات. ويتذكّر مُعلِّم التاريخ ادريان كالي المشهد ويقول: “عندما وضع أحد منهما يده اليمنى داخل معطفه، افترض يوردانيسكو أنّه سيُخرج مُسدّسًا أو شيئًا آخر، فقام بنطحه في فمه. كان ذلك الرجل طويل القامة، وقفز يوردانيسكو ليضربه”. ويزعم كالي أنّ رجل الأمن الذي نطحه اشتيفان يوردانيسكو في فمه كان يرتدي قُبّعة من جلد أرنب، فنزعها المُخْرِج عن رأسه، وحدث بينهما تدافع وتلاحُم. قام شخصان أو ثلاثة بأخذ الرجل الضخم، الذي كًنّا جميعا مُتأكدين أنه ضابط في جهاز الأمن، ووضعوه على خط الترام. بعد ذلك، قفز شخصان آخران من فوق السياج من البقالة القريبة وحملوه. نظر إلينا، وأظهر لنا قبضته وقال إنّنا سنلتقي مُجدّداً. انفجرت ضاحِكاً عندما رأيت ذلك. متى سنراك مُجدّداً؟ كُنت متأكِّداً من أنّهم سينقضون علينا في اليوم التالي بقواهم الخارقة”.
مشهد ضرب ضابط الأمن، الذي رواه كالي، كان قد جرى سرده عام 2012 في مقابلة مع صحيفة “أديفارول” أيضاً من قبل اشتيفان يوردانيسكو الذي قال حينها: “في الخامس عشر من ديسمبر، كُنت أقود سيارتي، وهي من طراز داتشيا 1100، ولا يمكن أنْ تعمل ماكينتها إلّا بمساعدة آخرين لدفعها، وكُنت ماراً أمام منزل القس لازلو توكيش، حيث رأيتُ حشدًا من الناس. توقّفتُ بالطبع لأرى ما يجري. وفي لحظة ما، حوالي الساعة السابعة مساءً، أراد اثنان من رجال الأمن اعتقال رجل مُسِن. وبينما كانا يقتادانه إلى الطابق العلوي، لا أدري ما كان يدور في ذهني، لكنّني توجّهتُ إليهما وقلتُ لهما (ابرزا أوراقكما وبطاقاتكما)، ثُمّ دفعتُ أحدهما إلى الحائط”.
وروى المُخْرِج اللحظة التي نزع فيها قُبّعة جلد الأرنب عن رأس رجل الأمن، وحكى لصحيفة (أديفارول) مضيفاً: “أتذكّر أنّه كان يدخن سيجارة من نوع كينت. كنتُ أعلم أنّ هؤلاء الأشخاص مُدرّبون على فنون الدِفاع عن النفسِ، وكان عليّ أنْ أجد طريقة لمقابلة ذلك. عندما اقترب منّي أحدهما، أخذتُ نفسًا عميقًا ولكمته بكل قوتي، كما يفعلون في حي (برينتسول – الأمير – التركي)”.
قال أدريان كالي إنّه بعد الحادثة أراد ركوب الترام للعودة إلى منزله، لكن “كان هناك حشد من الناس” فتراجع. وبدلاً من ذلك، التقى بزميل له في العمل استعار منه قُبّعة ليتدفّى من البرد، وسارا معًا إلى منزلهما في حي سواريلوي. وأضاف: “هذا كل ما في الأمر، لمْ يحدُث شيء آخر. وقف شبان الكنيسة هناك بهدوء. بعد هذه الفوضى، لمْ يحدُث شيء جديد في 15 ديسمبر”، وأوضح أدريان كالي، أنّه عاد في اليوم التالي، بعد انتهاء دوامه، إلى ساحة ماريا.
وفي 16 ديسمبر، اكتسبت المظاهرة زخمًا، وحدثت اللحظة التي هتف فيها الناس لأول مرّة “حرية”.
؛؛؛…؛؛؛
غداً نتابِع ما تكتبه صحيفة (ليبرتاتيا) في الحلقة الثانية، وبقية قصة أدريان كالي وفيرجيل هوسو، اللذين اعتُقلا خلال الثورة، وما حدث في 16 ديسمبر في تيميشوارا، وكيف تحوّلت شرارة التمرُّد، التي اشتعلت في ساحة ماريا، إلى ثورة أدّت إلى سقوط النظام الشيوعي.
زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..