مقالات وآراء

دعوة حق أُريد بها باطل

جيش الكيزان

 

دعوة حق أُريد بها باطل

جيش الكيزان

د. التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير علاقات دولية

قطعا لم يُدمَّر السودان صدفة، ولم يكن ما جرى نتاج أخطاء عابرة أو سوء تقدير مؤقت. من دمّر السودان هو حزب الجيش، حين تحوّل من مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي الدولة إلى فاعل سياسي يحتكر السلطة ويصادر إرادة الشعب.

الأخطر من ذلك أن هذا الحزب لم يعد مستقلاً، بل أصبح مملوكًا للحركة الإسلامية، التي نجحت عبر عقود في اختراق الجيش وإعادة تشكيل عقيدته ودوره، حتى صار أداة في يد مشروع أيديولوجي ضيق، لا علاقة له بوطن ولا بمستقبل شعب. ومن هنا، فإن القرارات المصيرية، والحروب العبثية، واستمرار الفوضى، ليست سوى نتائج مباشرة لهذا التزاوج الخطر بين السلاح والتنظيم العقائدي.

تدير الحركة الإسلامية بمهارة بوصلة الرأي العام، مستخدمة خطابًا عاطفيًا يقوم على التخويف والتضليل. تُصوِّر المشهد على أنه صراع وجود، وتدعو الشعب للالتفاف حول الجيش باعتباره “المنقذ الأخير” و”حامي الدولة”. في ظاهر هذه الدعوة حق، فالدول لا تقوم بلا مؤسسات نظامية، لكن في باطنها باطل، لأن الجيش المقصود هنا ليس جيش الوطن، بل جيش الحزب والتنظيم.

الالتفاف غير المشروط حول هذا الجيش يعني عمليًا تفويضًا مفتوحًا لمن دمّر الدولة أصلًا، ويعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها بوجوه جديدة وشعارات قديمة. لا يمكن لمن كان جزءًا من المشكلة أن يكون هو الحل، ولا يمكن لمن صادر السياسة أن يدّعي حماية الوطن.

القضية ليست معاداة للجيش كمؤسسة وطنية، بل رفض لتحويله إلى حزب سياسي مسلح، ورفض لاختطافه من قبل الحركة الإسلامية أو أي تنظيم آخر. الجيش الحقيقي هو جيش الدولة المدنية، الخاضع للسلطة السياسية المنتخبة، لا جيش البيانات والانقلابات والحروب الداخلية.

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط الرصاص، بل الخداع المنهجي الذي يُلبس الباطل ثوب الحق. والواجب الأخلاقي والوطني يفرض تسمية الأشياء بأسمائها: ما يحدث ليس دفاعًا عن الوطن، بل صراع على السلطة، يُدفع ثمنه من دماء السودانيين ومستقبلهم.

الطريق إلى إنقاذ السودان لا يمر عبر تقديس السلاح، ولا عبر الاصطفاف الأعمى، بل عبر تفكيك تحالف الجيش والحركة الإسلامية، وبناء دولة مدنية ديمقراطية، يكون فيها الجيش ملكًا للشعب، لا سيدًا عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..