
قراءة الإسلام السياسي بين الفكرة والتجربة والمسؤولية التاريخية
لم يكن التحوّل الفكري الذي عبّر عنه د. المحبوب عبد السلام حدثًا طارئًا أو رغبةً في الظهور، بل حصيلة مسار معرفي طويل تشكّل في تداخل الحبر والوجع، وفي مراجعة الذات من داخل التجربة وخارجها معًا. ذلك أن التحوّل في الفكر السياسي ـ بخلاف التحول في الولاء الحزبي ـ نتاج قراءة للزمن وتحليل للتاريخ ووعي بالمأزق الحضاري الذي تعيشه الحركات الإسلامية منذ سقوط رهانها السياسي على حكم الواقع. ولهذا فإن الغضب الذي واجهه المحبوب ليس غضبًا معرفيًا، بل غضبًا بنيويًا مصدره النظام الفكري القديم الذي لم يعد قادرًا على استيعاب أن الزمن الفكري تجاوزه، وأن الجماعة السياسية لم تعد تملك القدرة على ادعاء احتكار الحقيقة أو احتكار تمثيل الإسلام. وفي هذا السياق تحديدًا يبرز مقال د. أمين حسن عمر لا بوصفه نقدًا فكريًا، بل بوصفه صراخًا أيديولوجيًا ضد القطيعة المعرفية التي أحدثها المحبوب بجرأة نادرة.
المدخل الذي بدأه أمين حسن عمر بالحديث عن “استثمار” في صعود المحبوب، وتوصيف هذا الحضور الإعلامي بوصفه عملاً وظيفيًا، يكشف تحوّل المقال من حوار فكري إلى محاولة تجريد الرجل من شرعية موقعه التاريخي داخل التجربة. مثل هذا الاتهام ليس بحثًا عن الحقيقة، بل رفضًا لحق الاختلاف. إن الحضور الإعلامي للمحبوب ـ في جوهره ـ نتيجة طبيعية لحاجة المجال العام لشهادة من الداخل، شهادة تملك تفاصيل التجربة وتناقضاتها، وتملك مساحة التفكير الحر بعد الخروج من أسر الجماعة. الفلسفة السياسية الحديثة تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن “النقد الداخلي أشد أثرًا من النفي الخارجي”، كما يقول هابرماس، لأن الناقد الذي خرج من قلب المنظومة لا يمكن إخضاعه بسهولة لاتهام الجهل بالتجربة.
وفي الوقت الذي يصر فيه د. أمين على وضع المحبوب في خانة “الخارج على الجماعة”، فإن الفكر المعاصر يخبرنا ـ من وائل حلاق إلى هشام جعيط ـ أن التحولات الكبرى في الفكر الإسلامي المعاصر كلها جاءت من أولئك الذين وقفوا بعد التجربة على مسافة من تاريخهم، ثم نظروا إليه من علٍ. وائل حلاق، على سبيل المثال، في كتابه *الدولة المستحيلة*، انتهى إلى أن المشروع الإسلامي السياسي حين يتحول إلى دولة حديثة يقع في تناقض بنيوي بين شريعة أخلاقية فوق تاريخية ودولة حداثية تقوم على السيادة والقانون الوضعي والعقل البيروقراطي. هذا التناقض هو ما يجعل التجربة، كما يقول حلاق، محكومة بالفشل البنيوي لا لقصور الدين، ولكن لقصور التصور السياسي للدين. هذا الكلام، الذي يردده اليوم المحبوب في سياق السودان، ليس جديدًا، إنه امتداد معرفي لمسار نقدي عالمي، لا يستطيع د. أمين أن يلغيه بمقال غضب أو بتشكيك في النوايا.
لقد حاول أمين أن يخلط عمدًا بين نقد الإسلام السياسي ونقد الإسلام ذاته، وهذا خلط إيديولوجي مقصود، يهدف إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن النقد. المحبوب لم ينكر الإسلام، بل طرح نقدًا للفكرة السياسية التي حملتها الحركة الإسلامية إلى السلطة، وهي الفكرة ذاتها التي تحدث عنها رضوان السيد حين قال إن “أزمة الإسلاميين ليست أزمة نص، بل أزمة قراءة للنص، وأزمة سلطة لا تعرف حدود ذاتها”، وهي فكرة تتكرر بوضوح عند برهان غليون حين يكتب: “إن الحركة الإسلامية حين دخلت الحكم اكتشفت أن السلطة ليست امتدادًا للدعوة، وأن الدولة الحديثة لا تتشكل على منطق الخطابة.”
وهذا ما قاله المحبوب ببساطة: الإسلام السياسي الذي انتهى ليس الإسلام الذي يحرم الربا والزنا ويقيم العدل ويرفض الظلم، بل إسلام التجربة الحزبية حين اصطدمت بالدولة، فتحولت من خطاب أخلاقي إلى سلطة تنفيذية، ومن وعود أخروية إلى حسابات الضرائب والتعيينات والتحالفات، ومن وحدة أخلاقية إلى بنية مصلحية.
إن التجربة مثال تاريخي صارخ لما كتبه فرانسيس فوكوياما في “أصول النظام السياسي” حين تحدث عن خطر الجمع بين التنظيم العسكري والدعوة الأخلاقية والحزب السياسي في جهاز واحد. هذه الشمولية التنظيمية تؤدي ـ وفق فوكوياما ـ إلى تضخم ذات الجهاز وتحويله إلى دولة فوق المجتمع. وما شهدته الحركة الإسلامية من مركزية وطغيان ثقافة الولاء والانغلاق التنظيمي، ليس منفصلاً عما وصفه فوكوياما بأنه “تحلل الدولة الوطنية تحت ضغط الحزب الثوري”.
ومن هنا يصبح دفاع د. أمين عن “شمولية الدعوة” باعتبارها توحيدًا للدين، دفاعًا يؤكد غياب الوعي التاريخي. فالشمولية التي تحدث عنها أمين ليست شمولية الإسلام كدين، بل شمولية التنظيم الحزبي، تلك التي رفضها المحبوب لأنها ـ ببساطة ـ ليست من الإسلام في شيء. التفريق بين شمول الإسلام وشمول التنظيم هو ما أسس له المفكر هشام جعيط حين كتب في *الفتنة*: “إن الإسلام روح شامل، لكنه ليس جهازًا شاملاً.” الإسلام قادر على بعث الروح والقيمة في الاقتصاد وفي الرياضة وفي القضاء وفي السياسة، لكنه لا يطالب المؤمنين بأن يجعلوا حزبًا واحدًا يدير هذه المجالات جميعها. إن شمولية التنظيم تعني تعليق الحياة المدنية على جماعة واحدة، وهذا ضد روح العصر وضد روح الإسلام.
إن المحبوب حين ينتقد شمول الفكرة، لا ينكر شمولية قيم الدين، بل ينكر وهم امتلاك جماعة واحدة لحق إدارة كل شيء. وهذا ما كتبه وائل حلاق بكل وضوح عندما قال إن الدولة الحديثة “لا تسمح بتدين الدولة بل بتدين المجتمع”، وإن محاولة الإسلاميين “أسلمة الدولة” انتهت إلى نزع الروح عن الدين نفسه.
ويحاول أمين استدعاء صورة د. الترابي ليجعل منه خصمًا للمحبوب، وكأن الترابي حجر لا يتحرك في التاريخ، بينما الترابي نفسه ـ بمشروعه التجديدي ـ كان أكثر الناس استعدادًا لقبول النقاش، وتبديل الاجتهاد، ونقد الذات. ولو أن الترابي سمع نقد المحبوب، لأصغى وحاور، لأنه عاش حياته كلها مجادلاً غير آبه بالمقدسات التنظيمية، بل مدافعًا عن حق العقل في مساءلة النص وفهم العصر. إن قراءة المحبوب ليست خروجًا من عباءة الترابي، بل امتدادًا لمدرسته النقدية، وتطويرًا لمشروعه الفكري لا ينكر له.
أما ذلك القياس الذي راج في الوجدان الشعبي، والذي يقارن ـ في جرأة موجوعة ـ بين حكم الحركة الإسلامية والاستعمار، فليس نكتة سياسية ولا انفعالًا ظرفيًا، بل شهادة تاريخية خرجت من صميم التجربة لا من كتب المفكرين. فقد بلغ الأثر من القسوة حدًا جعل صاحب الإبل في أقاصي فيافي السودان، الرجل الذي لم تطأ قدمه قاعات الجامعات ولا قرأ وائل حلاق أو جعيط أو رضوان السيد، يقول إن ما فعلته الحركة بالبلاد وأهلها أوجع من الاستعمار ذاته. ليست المقارنة هنا تزكية للاستعمار، وإنما اعتراف بأن ظلم الغريب ـ مهما اشتد ـ لم يبلغ فداحة الظلم الذي نزل من يد أبناء الوطن باسم الإسلام. إنها مقارنة تكشف، ببلاغة الفطرة، أن التجربة الإسلامية حين تحولت إلى سلطة فقدت حتى تلك الرحمة الفطرية التي كان الاستعمار ـ على سوئه ـ يضطر إلى ممارستها. وهذا وحده كافٍ ليكشف حجم الانهيار الأخلاقي والسياسي الذي وصلت إليه التجربة حين انفصلت شعاراتها عن واقع الناس، وحين صار الحزب دولة، والدولة جهازًا، والجهاز قبضة لا ترى في المجتمع إلا مادة للضبط لا شريكًا في البناء.
وهنا نضيف، كما قال إدوارد سعيد: “النقد الحقيقي يبدأ حين يكون الإنسان قادرًا على مواجهة موروثاته، ومراجعة نفسه، وتحمل تبعات صراحته مع التاريخ والمجتمع”، وهو ما جسده التحوّل الفكري الذي مثّله د. المحبوب عبد السلام في تجربته.
ولهذا فإن مقال د. أمين، في جوهره، يرمي إلى تجريد التحوّل الفكري من شرعيته، ونزع الذات المفكرة من قدرتها على الاجتهاد، وإعادة إخضاع الذاكرة لسلطة الجماعة. إنه خطاب لا يطلب نقاشًا، بل يطلب صمتًا. وكأن الجماعة وحدها هي الإسلام، وكل خروج منها خروج على الدين. وهذا هو الفارق كله: المحبوب انتقل من الولاء للجماعة إلى الولاء للفكرة، ومن الولاء للجهاز إلى الولاء للمعرفة، وهذه نقلة فكرية أزعجت كل من لا يرى الفكر إلا في حدود التنظيم.
إن المحبوب اليوم ليس شاهد ملك، بل شاهد تاريخ، وشاهد تجربة، وشاهد انهيار نموذج سياسي حاول أن يحمل الإسلام فوق أكتاف الدولة الحديثة، فكسرت الدولة ظهر الإسلام السياسي، لا الإسلام نفسه. وهذا هو الفارق الذي قرأه وائل حلاق ورضوان السيد وبرهان غليون وهشام جعيط وفرانسيس فوكوياما من قبل: الإسلام باقٍ، لكن الإسلام السياسي يمضي إلى نهاياته.
فما كتبه المحبوب ليس خروجا على الإسلام، بل خروجًا على وهم امتلاك الإسلام. وليس نقدًا للحركة الإسلامية، بل نقدًا للمسار الذي ربما تنجو الحركة نفسها إذا اعترفت به. أما ما كتبه أمين، فلم يكن إلا دليلاً على أن زمن السلطة أطول من زمن الفكرة في ذهن صاحبه، وأن العاطفة التنظيمية غلبت العقل.
ومهما قيل، فإن هذا التحول الفكري الذي مثّله المحبوب ليس نهاية علاقة الفرد بالدعوة، بل بداية علاقة الفكر بالحقيقة. وهذه بداية لا يريد لها د. أمين حسن عمر أن تولد، لأن ميلادها يعني موت زمن كامل من التصورات المغلفة.



