مقالات وآراء

الواعي لا يحتاج إلى دليل

د. التوم حاج الصافي

 إن ما جرى في السودان لم يكن التباسًا ولا صدفة، بل مسارًا واضحًا قادته منظومة واحدة اسمها الكيزان، اختطفت الدولة والجيش معًا، ثم دفعت البلاد إلى الحرب، وحين انكشف فشلها بدأت في محاولة يائسة لغسل العار وتغطية المخازي التي لم تتوقف يومًا. عبر الهتافات والتلميع ومهاجمة الاخرين.
الكيزان لم يسقطوا بسقوط البشير، ولم يختفوا، ولم يراجعوا، بل أعادوا التموضع داخل المؤسسة التي يعرفون كيف يسيطرون عليها: الجيش. الكيزان ليسوا حزبًا عابرًا، بل منظومة تمكين كاملة، تربط السلاح بالمال، والعقيدة بالسلطة، وتعيد إنتاج نفسها كلما سقطت واجهة. هذه المنظومة عملت ثلاثين عامًا على تفريغ الجيش من معناه الوطني، وتحويله من مؤسسة يفترض أن يرى فيها كل سوداني نفسه، إلى أداة حزبية يرى فيها الكوز وحده قوته، حتى وهو بلا سلاح.
عبد الفتاح البرهان نتاج مباشر لهذا التشكيل؛ صعد داخل منظومة تمكين، وحين جاءت الثورة لم ينحز لها، بل التفّ عليها، وأغلق الطريق أمام التحول المدني الحقيقي، وفتح الباب واسعًا لعودة خطاب الكيزان.
اما شمس الدين كباشي فلم يكن يومًا صوت دولة أو مهنية، بل لسان تعبئة وتحريض؛ سخر من السياسة، خوّن المدنيين، ومجّد “الحسم”، مكررًا الخطاب الكيزاني نفسه بوجه جديد. هذه ليست زلات لسان، بل سلوك متصل يعكس عقيدة ترى في الشعب خطرًا لا مصدر شرعية.
وفي هذا المشهد وليس بعيدا عن استخدام ارامل الموائد امثال ترك ، فقد تم استُخدمه ايضا  كواجهة جاهلة داخل مشروع أكبر منه. استُغلت المظالم الحقيقية في الشرق لا للحل، بل للتفجير، وتحويل الغضب إلى فوضى تخدم حسابات لا يفهمها من جرى استخدامه. ترك لم يكن عقلًا مدبرًا، بل أداة جرى تحريكها، ثم تُركت تحترق حين انتهى دورها، وهي طريقة قديمة تعرفها الكيزانية جيدًا.
ثم جاءت مواكب ما سُمّي بالكرامة، وكانت لحظة الانكشاف الكامل. لم تكن مواكب مطلبية ولا تعبيرًا شعبيًا بريئًا، بل إعادة تعبئة كيزانية صريحة: تمجيد للسلاح، رفض للتفاوض، تخوين للمدنيين، وإلغاء كامل للسياسة. الرسالة كانت واحدة: لا حل إلا بالقوة. ومن يومها، كان الطريق إلى الحرب مفتوحًا بلا كوابح.
وعندما اندلعت الحرب، سقط كل شيء دفعة واحدة. سقطت الخرطوم، نُهبت المعسكرات، تُرك المواطن أعزل، وانهارت المؤسسة التي ادّعت الجاهزية والهيبة خلال أيام. هذا لم يكن تعقيد حرب ولا مفاجأة عسكرية، بل انهيار جيش بُني لحماية منظومة لا وطن. جيش بلا عقيدة وطنية لا يستطيع حماية دولة.
ومنذ تلك اللحظة، دخل الجيش في معركة مختلفة: معركة غسل العار. بدل الاعتراف بالفشل، بدأ في تغطيته بالشعارات. بدل محاسبة المسؤولين عن السقوط، جرى تخوين كل من يسأل. بدل مواجهة المخازي المستمرة من انتهاكات وفوضى وانعدام حماية للمدنيين، رُفعت لافتات “الكرامة” كمنشفة رخيصة لمسح الدم. لكن العار لا يُغسل بالبيانات، والمخازي لا تختفي بالصراخ.
كل من قال أوقفوا الحرب صار عميلًا، كل من قال هذا جيش مختطف صار خائنًا، كل من طالب بجيش وطني مهني صار عدوًا. هكذا تهرب الكيزانية دائمًا: من المحاسبة إلى التخوين، ومن الدولة إلى العصابة، ومن الحقيقة إلى الدعاية.
الحرب بالنسبة للكيزان ليست مأساة، بل فرصة. فرصة لغسل الجرائم، وإعادة فرض الوصاية بالقوة، وتأجيل السؤال الكبير: من حرّض؟ من قرر؟ من فشل؟ ومن كذب؟ لذلك يتمسكون بجيشهم حتى وهو يفشل، لأن الجيش الوطني الحقيقي خطر عليهم؛ يرى فيه كل السودانيين أنفسهم، ولا يحرس حزبًا ولا عقيدة.
الشعب الواعي لا يحتاج إلى دليل. الدليل هو هذا الجيش المختطف، وهذا الخطاب الكاذب، وهذه المحاولة البائسة لغسل عار لا يُغسل، ومخازٍ لا تتوقف. جيش لا يرى فيه كل سوداني نفسه ليس جيش وطن، مهما رُفعت الشعارات، ومهما صرخوا باسم الكرامة.
د التوم حاج الصافي – خبير في العلاقات الدولية- نيويورك
زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..