حين تفشل البيانات وتنجح الهندسة السياسية: اختبار المبادئ في زمن الحرب

لم تعد الحرب في السودان حدثًا طارئًا يمكن عزله عن سياقه، ولا مجرد صراع مسلح بين طرفين متنازعين على السلطة، بل غدت بنية ممتدة للعنف، أعادت إنتاج ذاتها عبر تحالفات خفية، وخطابات مموهة، واستدعاءات متكررة لماض لم يحسم بعد. وفي هذا الإطار، يكتسب إعلان المبادئ الذي وقعت عليه قوى سياسية ومدنية سودانية، مع حركات مسلحة، أهمية خاصة، لا بوصفه نهاية للحرب، بل باعتباره محاولة واعية لكسر الحلقة المفرغة التي حبست البلاد في منطق السلاح، وأفشلت السياسة، وأرهقت المجتمع.
ينطوي الإعلان على اعتراف صريح بحقيقة طال إنكارها، مفادها أن لا حل عسكريًا للأزمة، وأن أولوية وقف الحرب الفوري لم تعد مطلبًا أخلاقيًا أو إنسانيًا فحسب، بل شرطًا وجوديًا لبقاء الدولة نفسها. غير أن قيمة هذا الإعلان لا تقاس بما ورد فيه من مبادئ عامة، بقدر ما تقاس بقدرته على التحول من نص سياسي إلى أداة ضغط فعلي، ومن توافق نخبوي إلى مسار وطني شامل، قادر على فرض نفسه على طرفي نزاع لا تجمعهما لغة مشتركة سوى منطق كسر العظم.
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق بسلامة التشخيص، بل بآليات التنفيذ. فالتجربة السودانية، كما تجارب نزاعات أخرى، علمتنا أن إعلان النوايا لا يوقف الحروب، وأن البيانات، مهما بلغت بلاغتها، لا تردع البنادق ما لم تسند بميزان قوى جديد، داخليًا وخارجيًا، يعيد تعريف كلفة الاستمرار في الحرب. وهذا ما يقتضي الانتقال من خطاب الدعوة إلى وقف القتال، إلى بناء منظومة ضغط متعددة المستويات، تبدأ بتوحيد الجبهة المدنية، ولا تنتهي عند استثمار التناقضات الإقليمية والدولية لصالح السلام.
لقد أحسن الموقعون حين ربطوا بين المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية في حزمة واحدة، وهو إدراك متقدم لطبيعة الصراع المركب في السودان. غير أن هذا الربط يظل ناقصًا ما لم يقترن بآلية واضحة تفرض هدنة ملزمة، وتراقب تنفيذها، وتربط خرقها بعواقب سياسية واقتصادية مباشرة. فكما قال نيلسون مانديلا: «السلام ليس غياب الصراع، بل القدرة على إدارته بوسائل غير عنيفة»، وهذه القدرة لا تتأتى إلا حين يصبح العنف خيارًا خاسرًا لجميع أطرافه.
ومن هنا، فإن أحد أوجه القصور في إعلان المبادئ يتمثل في طابعه السياسي المغلق نسبيًا، إذ كان من الممكن، بل من الضروري، توسيع دائرته لتشمل شخصيات تكنوقراطية مستقلة، وشبابًا من ذوي الإسهام الفكري والمهني في الشأن العام، وخبراء في إدارة النزاعات وبناء السلام. فالحروب الطويلة لا تنتهي بتوافق السياسيين وحدهم، بل بتكوين كتلة وطنية عريضة، تعكس تنوع المجتمع، وتمنح أي مبادرة ثقلًا وطنيًا ورمزيًا، يبعث برسالة واضحة للعالم مفادها أن السودان لا يطلب الوصاية، بل يسعى إلى شراكة واعية لإنهاء مأساته.
أما مسألة إقصاء الحركة الإسلامية وتصنيفها منظومة إرهابية، فهي من أكثر بنود الإعلان حساسية وإشكالية في آن واحد. فهذه الحركة، التي جثمت على صدر الوطن ما يقارب ثلاثة عقود، لا يمكن التعامل معها بوصفها خصمًا سياسيًا تقليديًا، ولا كفاعل انتهى دوره بانتهاء سلطته. تاريخها الطويل في التلون، واختراق المؤسسات، وصناعة الأزمات، يجعل من مواجهتها تحديًا مركبًا، لا تحسمه القرارات الرمزية وحدها. وكما قال أنطونيو غرامشي: «الأزمات الكبرى تولد حين يعجز القديم عن الموت، ويتعثر الجديد في الولادة»، والحركة الإسلامية تجسد هذا القديم الذي يرفض المغادرة، ويعمل في الظل لإفشال كل محاولة للتغيير.
لذلك، فإن التعاطي مع هذا التيار يقتضي استراتيجية مزدوجة، تجمع بين الحزم القانوني، والتفكيك البنيوي، وقطع شبكات المصالح الاقتصادية والأمنية، وبين بناء خطاب وطني جامع، يسحب من تحته ذرائع التعبئة الأيديولوجية. فمواجهته بذات أدواته، لا بذات قيمه، تظل ضرورة سياسية، شرط أن تستصحب روحًا وطنية ودافعًا إنسانيًا، افتقدتهما تلك المنظومة منذ نشأتها.
ويتعين على القوى الموقعة، بحكم خبرتها السياسية الطويلة، ألا تكتفي بإصدار الوثائق، بل أن تحمل هذه المبادئ إلى فضاء الفعل الدولي، عبر دبلوماسية نشطة، تسعى بين الدول والمؤسسات الفاعلة، وتضغط باتجاه فرض وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين. فالعالم لا يتحرك بدافع الشفقة، بل استجابة للمصالح، وعلى السودانيين أن يعيدوا تعريف مصلحة العالم في استقرار بلادهم، بوصفه جزءًا من أمن الإقليم، وأمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب.
ولا يكتمل أي تصور جاد لإنهاء الحرب دون معالجة جذرية لمسألة المؤسسة العسكرية وطبيعة القوى المسلحة المنخرطة في الصراع. فالدعم السريع، الذي جرى تكوينه خارج الأطر القانونية للدولة، بوصفه أداة حماية سياسية وأمنية للحركة الإسلامية، لا يمتلك، من حيث النشأة والبنية والوظيفة، أي مؤهلات لقيادة دولة ذات تاريخ عريق مثل السودان، ولا لتمثيل مجتمع راكم خبرات في العلم والإصلاح وبناء الدولة الحديثة. إن هذا التكوين، القائم على منطق الغنيمة لا على فكرة الوطن، يفتقد القيم المؤسسية والمعرفة المدنية التي تقوم عليها الدول، كما أن الدائرة التي تلتف حوله لا تحركها رؤية وطنية، بقدر ما تجمعها حسابات الكسب السريع، والاستثمار في الفوضى، والانزواء كلما بلغت التخمة حدها، وفضحت الوقائع زيف القوة وغرور الربح الرخيص.
ومن ثم، فإن إدماج كل الحركات المسلحة في جيش وطني مهني واحد، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن التعاطي السياسي، ليسا شعارات مثالية، بل شرطين لازمين لإعادة بناء الدولة. وقد لخص المفكر والسياسي الألماني ماكس فيبر هذه المعضلة حين أكد أن «الدولة الحديثة لا تقوم إلا باحتكار مشروع لاستخدام العنف داخل حدودها»، وهو احتكار لا يستقيم مع تعدد الجيوش، ولا مع عسكرة السياسة، ولا مع تحويل السلاح إلى وسيلة استثمار.
إن إعلان المبادئ، مضافًا إليه ما تفرضه قراءة الواقع، ونظرة العالم إلى السودان بوصفه ساحة لـ«حرام سياسي» تتقاطع فيه المصالح والسلاح والفوضى، يضع القوى المدنية أمام مسؤولية تاريخية. فإما أن يتحول هذا الإعلان إلى نقطة انطلاق لمسار مختلف، يتجاوز أخطاء المبادرات السابقة، أو أن يضاف إلى أرشيف طويل من الفرص الضائعة.
في الخلاصة، لا يكمن التحدي الحقيقي في صياغة إعلان مبادئ آخر، بل في إعادة هندسة العملية السياسية برمتها، على أسس جديدة، تعترف بتعقيد الصراع، وتستثمر في وحدة المدنيين، وتخاطب العالم بلغة المصالح لا الاستجداء، وتدرك أن السلام، كما قال جون كينيدي، «ليس هدية تقدمها قوة كبرى، بل ثمرة شجاعة تتقاسمها الشعوب». وفي السودان، لم يعد ينقص هذه الشجاعة سوى أن تتحول من نص مكتوب إلى فعل سياسي لا رجعة عنه.



