مقالات وآراء

من باريس إلى سامسام

الرشيد جعفر علي

في أعقاب تخرجي من الجامعة وحصولي على شهادتي في أوائل عام 1996، سيطرت فكرة الهجرة على أفكار معظم الشباب آنذاك. كانت أبواب السفارة الفرنسية مفتوحة على مصراعيها، وكان عدد كبير منهم يسعى للوصول إلى مدينة الفن والجمال – باريس.
فسّر البعض إصدار السفارة السخي للتأشيرات كوسيلة لتوفير العمالة لكأس العالم 1998، الذي استضافته فرنسا وفازت به في نهاية المطاف. وهكذا أصبحت السفارة وجهةً لكل من يحلم بالوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي، حيث تتيح تأشيرة واحدة حرية التنقل بين الدول الأعضاء.

منذ ساعات الصباح الباكر، كانت الحشود تندفع إلى الأمام، حتى أن بعضهم كان يقضي الليل في مكان قريب لمجرد الحصول على موقع متقدم في الطوابير الطويلة والمزدحمة.

الفرنسيون
بدأت السفارة تنافس السفارة السعودية من حيث عدد السودانيين الذين يتجمعون حولها.
في ذلك الوقت، كنت واحداً من أولئك الذين يطمحون للوصول إلى أوروبا.
لقد ظللت مثابراً – وكدت أحاصر السفارة – لمدة أربعة أشهر تقريباً بسبب الإجراءات المطولة والمعقدة التي تطلبتها.

لم يتم قبول الطلبات إلا يومين في الأسبوع، وسط طلب هائل وفرص محدودة للغاية.
بعد معاناة طويلة ومثابرة لا هوادة فيها، أكملت متطلبات السفر: ضمان مالي من أحد البنوك، وحجز فندق في باريس، وشهادة عمل توضح راتبي، وموافقة على إجازة رسمية، وإعفاء من الخدمة الوطنية، والعديد من الشروط الصعبة الأخرى – شبه المستحيلة – التي فرضتها السفارة.
بعد جهود مضنية، قدمت جواز سفري ووثائقي أخيراً. بدأت أحلم بالموافقة، وأتخيل نفسي بين سكان فرنسا، أسافر بالقطار عبر أوروبا.
رسمتُ صوراً حية لأصدقائي – معلناً صفير القطار المغادر من باريس، عابراً العواصم الأوروبية، تاركاً وراءه الواقع الكئيب للبطالة والفراغ الذي كنا نعيش فيه:
دوش تاك، دوش تاك… باريس
دوش تاك، دوش تاك… لندن
دوش طق، دوش طق… أمستردام وبرلين
كنت أردد هذه الأناشيد بسخرية لمجرد إثارة المنافسة المرحة والضحك بيننا.
في ذلك الوقت، كان هناك اعتقاد راسخ بأن السفر إلى الخارج هو السبيل الأمثل للسعادة والرضا. لكن الأيام التالية كشفت حقيقة مختلفة: لا راحة ولا سعادة أعظم من البقاء في الوطن، بغض النظر عن المبررات أو البدائل أو الظروف.
بعد انتظارٍ طويلٍ وحافلٍ بالأحداث، جاء رد السفارة بعد أسبوع. كنتُ كطالبٍ ينتظر نتائج شهادة اللغة السودانية أو التخرج الجامعي – فرحةٌ وتهانيٌّ لمن قُبل طلبه، وخيبة أملٍ وحزنٌ لمن رُفض طلبه.
عندما وصلت إلى المكتب المخصص، سلمني موظف سوداني جواز سفري ونطق بكلمة واحدة فقط: “مرفوض”.
في تلك اللحظة، تبددت كل أحلامي وآمالي. لم تشعر بالحرج الذي كان ينتظرني في الخارج، حيث كان الأصدقاء يترقبون النتيجة بفارغ الصبر، خاصة بعد أن أكدت لهم بثقة نجاحي. ما إن قرأوا الجواب على وجهي، حتى انطلقوا في الغناء، نفس الأغنية التي عذبتهم بها، ولكن بوجهات مختلفة.
دوش تاك، دوش تاك… أتبرة
دوش تاك، دوش تاك… شندي
دوش طق، دوش طق، أبو حمد
إلى جانب أغاني الخدمة الوطنية.
في اليوم التالي، سافرت مع عمي إلى بلدة سامسام في ولاية القضارف. سافرنا بالحافلة من الخرطوم إلى القضارف، ثم من ديم النور في رحلة بالشاحنة استغرقت سبع ساعات إلى سامسام، منطقة المشروع الكندي، ومنها إلى أبو سبيكا – مكان عملي.
هناك، أشرفت على حصاد السمسم، وعشت حياة الكامبو، وتناولت الكاجيك ووجبات غريبة لم أسمع بأسماء من قبل، وشربت مياه الأمطار، وتحملت البعوض – أشرفت على حقول السمسم بدلاً من حصاد العنب في باريس.
لقد انقلب كل شيء رأساً على عقب، ومع ذلك كم كان هذا التغيير جميلاً.
كانت تلك الأيام، بالقرب من الحدود السودانية الإثيوبية على بعد 60 كيلومتراً فقط، من بين أجمل أيام حياتي.
من الذكريات الطريفة: كنتُ أمزح مع زميلة لي في الجامعة، مدعياً ​​أن جدتي فرنسية – وهو عامل مهم كان سيضمن لي الحصول على التأشيرة بكل تأكيد. بعد وصولي إلى سامسام، تلقيتُ منها رسالة تهنئني فيها على وصولي سالماً إلى جدتي الهانداوية، معربةً عن دهشتها من كيف يمكن للنسب والجغرافيا أن يتغيرا جذرياً – من باريس إلى سامسام.
كم أتمنى لو أنني بقيت في تلك المدينة الرائعة إلى الأبد ولم أحاول الهجرة مرة أخرى.
قيل إنه عندما سُئل عربي: “ما هو الرضا الحقيقي؟” أجاب: “الاكتفاء، والانتماء إلى الوطن، والجلوس بين الإخوة”.
وعندما سُئل: “ما هو الإذلال؟” أجاب: “التجوال في البلدان وترك الوطن”.
لم تكن هجرة السودانيين إلا مأساةً قط، قصة رحيل عن أرض خصبة، وفقدان وإذلال، وجراح لا تندمل. المنفى تجربة قاسية، وقد عانى السودانيون معاناةً شديدةً بسببها. قذفتهم الأقدار خارج حدودهم، بينما كان الشوق يلتهم قلوبهم كلما أشرقت شمس على أرض ليست أرضهم.
كما قال الشاعر ذات مرة:
كان أملي أن يعود ملكاً،
لكن أملي أصبح مجرد العودة على قيد الحياة.

‫2 تعليقات

  1. زكريات فى غاية الروعه والحقيقه لا يوجد مواطن سودانى نال ولو قسط من التعليم واقصد مواليد الاربعينات والخمسينات وما تبعهما إلا وقد خاض التجربه بشكل او بآخر وعلى سبيل السخريه لا اعتقد ان (شعراء الحقيبه او المغنون ) فكروا فى خوض التجربه !! والسبب إستقرار الحاله الإجتماعيه فى ذلك الزمان فكل شخص سواء كان عاملا او موظفا او اعمال حره دخله قل او كثر كان يكفيه ويفيض والدوله كانت تدعم 99% من إحتياجه من(تعليم ابناء وعلاج) بجانب معظم المواد التموينيه والبتروليه والكهرباء الخ …. والسودان ظل ينتكس تدريجيا منذ نظام مايو ثم الكارثه الكبرى وألإنحدار الرأسى بعد (المصالحه) مع الكيزان عام 1976وهذا تحدث عنه زعيمهم وشيخهم حسن الترابى بلسانه والشواهد كثيره .
    الاستقرار النفسى عامل أساسى لشحذ الهمم ويولد الابداع فى كافة المناشط وخلق الاستقرار يقع على عاتق الدوله الرشيده !!.

  2. عندما قرأت كلمة سام سام، ظننت أنها لمنطقة خارج السودان وربما أوربية..المنطقة هي سَمْسَم السودانية على تخوم القضارف!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..