تغريدة قرقاش ترسم ملامح الواقع وتوقظ من وهم “الكونكورد” في أزمة السودان

محمد المختار محمد
ينطبق على الأزمة السودانية التي تغادي وتراوح مكانها، وهم الكونكورد “Concorde Fallacy”، وهو مفهوم سياسي، واقتصادي، ونفسي يُستخدم لوصف حالة الإصرار على الاستمرار في مشروع أو مسار فاشل لمجرد أنه تم استثمار الكثير من الوقت والمال والجهد فيه. سُمي بهذا الاسم نسبةً لطائرة الكونكورد الشهيرة الأسرع من الصوت، حيث استمرت الحكومتان البريطانية والفرنسية في ضخ الأموال لتطوير الطائرة رغم تأكدهما من عدم جدواها اقتصادياً، فقط لأنهما استثمرتا مبالغ ضخمة في البداية ولم ترغبا في الاعتراف بالفشل. وبهذا الوهم يصر الإخوان على تجريب المجرب، ويعتقد البعض من غير الإخوان أن علاج الأزمة السودانية دون مخاطبة مسبباتها قد يجدي نفعاً، وكلاهما في حقيقة الأمر إختلاف مقدار في الوهم نفسه.
استمعت للدكتور للدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات العربية المتحدة للشيخ محمد بن زايد، لأول مرة بشكل مباشر في قمة الإعلام العربي أو آخر مايو الماضي، بدبي، وهو يتحدث بهدوء ووضوح رؤية في جلسة بعنوان “تداعيات الفوضى وتحديات صناعة الاستقرار”، وهو يشير إلى ضبابية المشهد الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي، وما تحمله هذه المرحلة من فرص وتحديات، في عالم عربي منقسم إلى عالمين، وأنه آن الأوان للتخلص من وهم الأيديولوجيا لصالح إنجازات حقيقية تخدم شعوب المنطقة، دون أن يغفل عن الإشارة إلى وجود انقسام في العالم العربي، وتجربة ناجحة في الخليج، ومناطق لا تزال في عنق الزجاجة.
بالوضوح ذاته جاءت تغريدة قرقاش، كأنها وخزة لضمير وطني عليه أن يصحو ويتصدى لمسؤلياته الوطنية والتاريخية بإرادة وحزم، في لحظة ومنعطف يعيشه السودان لا يحتمل اللجلجة والتردد، والوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ، التغريدة على قصرها لكنها كثيفة الدلالات السياسية، قرأت لاحقاً المقال الذي وضع فيه قرقاش النقاط فوق الحروف بكل هدوء أيضاً، لكن التغريدة تكفيني، ولا يعنينا فيها إلا ما يخصنا كسودانيين تجنبا للحديث عن طعن الخاصرة، وتعمقاً في قرأتها بالوجهة التي ينبغي أن نستكنه ما خطه سعادة المستشار بلغة دبلوماسية عاتبة.
هذا التصريح الدبلوماسي يكشف الفجوة بين الخطاب السوداني الرسمي المُسيطر عليه من جماعة الإخوان، القائم على الإنكار، والاسقاط، والتخوين، والتشويه، والتهرب، وبين رؤية دولية وإقليمية عقلانية ترى أن الاستقرار في السودان لا يأتي بالمناورات، بل بالاعتراف بالواقع وتفكيك منظومة الدولة المختطفة، لصالح الشعب السوداني الذي قال كلمته في وجه مشروع الظلام الإخواني، وعبر عن رغبته في الحرية، والسلام والعدالة، والحكم المدني. وينقلنا مباشرة من تمظهرات الأزمة السودانية أي الحروبات الأهلية المستمرة التي لم تتوقف قط حتى يومنا هذا، إلى جذور الأزمة التي تتشابك في بنية الدولة السودانية المعلولة، واضعاً مبضعه الدبلوماسي في المرض وليس العرض، باشارته لتجاهل الظروف الداخلية، وهنا تتكشف حقيقة الخديعة، حيث يمارس الذين يجيدون لعبة الهروب إلى الأمام، على رأسهم الإخوان والذين يصطفون معهم للحفاظ على البُنى القديمة، بالقفز من أسباب الأزمة لنتائج الأزمة، ومن ثم القاء عبئها على الآخرين في الداخل والخارج.
للأمأنة، يخوض الإخوان في السودان حرب يتجاوز تدميرها البنية التحتية، إلى عمليات تضليل ممنهجة مدمرة للوعي السياسي، والاجتماعي، والعقل الجمعي، ما حدا بانجراف كتلة من الناس خلف شعارات عاطفية، وعود سياسية غير واقعية، تزرعها الحركة الإسلامية وهي في خريف العمر، في تربة لم تعد صالحة لنمو شجرة المؤتمر الوطني. وكمتابع عن قرب للأزمة السودانية، ولخطاب الإخوان السياسي والإعلامي، أرى بوضوح أكثر من غيري حملات التضليل ومحاولات اللعب على سردية الحرب نفسها، بالعين السياسية من ناحية، وبعين الصحفي المتخصص في مكافحة التضليل الإعلامي وتدقيق المعلومات من ناحية أخرى. والأساليب، والتكتيكات، والاستراتيجية، المستخدمة بجانب الجهات المشاركة والداعمة، خاصة في الحملة المضللة الأخيرة الشرسة التي أعقبت هزيمة الجيش في الفاشر، وقد استطاع الإخوان تعويض خسارتهم العسكرية لأحد أهم المدن السودانية، سياسياً، وإعلامياً، ولا يزال صداها مستمراً، وعبئها موزع على الداخل والخارج، بينما يلعب المجرم الحقيقي دور الضحية.
إن معركتنا ليست وطنا مختطف من الكليبتوقراطيين فحسب، بل حقيقة تغلف بالأكاذيب والتضليل، وسردية مضللة تُفرغ الأزمة السودانية من مسبباتها وتحشى بحقائق بديلة. لذلك علينا أن نقولها بوضوح لمن اختلط عليه الأمر بمواجهة صناع الأزمة، إن تصدير الأزمة للخارج، واستدعاء “شماعة العدو الخارجي”، يخدم فقط تأبيد الحرب وتضليل الرأي العام الداخلي، بينما يتحمل الجيش وقوى الإسلام السياسي كامل المسؤولية عن إعادة إنتاج الكارثة التي لم تعد تبريرات العدوان قادرة على تغطيتها. لذا فإن محاولات تصدير الأزمة السودانية إلى الخارج، وتبرئة الداخل من جذورها البنيوية الممتدة منذ الاستقلال، هو إعادة إنتاج لمنهج الخداع السياسي والإعلامي الذي تبنته الحركة الإسلامية منذ صعودها، خاصة بعد تسورها السلطة في انقلاب 1989 المشؤوم، ووجدت نفسها مجرد عصابة تحولت إلى كليبتوقراطية بإعتراف عراب المشروع الإخواني في السودان الدكتور حسن الترابي، وكانت تخلع على كل أزماتها لبوس الاستهداف الخارجي، كما تفعل حالياً.
في السياق الحالي، تحاول الحركة الإسلامية، عبر أدواتها العسكرية ”الجيش المؤدلج”، والإعلامية المضللة، تحويل طبيعة الحرب القائمة من صراع داخلي أهلي على السلطة والثروة، إلى عدوان خارجي ضد السودان ككيان ودولة، في محاولة يائسة لاستعادة خطاب الجهاد والتمكين القديم، حين كانت الحرب في الجنوب تُسوّق كمعركة ضد الغرب، رغم أنها كانت في جوهرها حرب مقاومة للهيمنة والاستعلاء العرقي، والثقافي والسياسي، وضد التهميش.
اليوم، يُعاد إنتاج خطاب الهروب إلى الأمام نفسه، لكن باتجاه الإمارات هذه المرة، بينما تتجاهل الحملة والخطاب السياسيي المضلل الخلفيات العميقة للأزمة، والتي تتمثل في رفض الحركة الإسلامية وهي نفسها تهديد عابر للحدود للجغرافية، لأي مشروع للتحول المدني والديمقراطي، والخلفية الأعمق من ذلك مقاومة البنى القديمة لأى تغيير يمسها، حيث تجاوز الإخوان والشيوعيين وغيرهم الايديلوجيا لأول مرة للحفاظ على المصالح والامتيازات، مثلما تجاوز الصراع نفسه أنه بين الدعم السريع والجيش، اللهم إلا اختزالا وابتساراً للأزمة في قشورها.


