مقالات وآراء

حكاية الثورة الرومانية – ديسمبر 1989 – من الألف للياء (7)

د. عصام محجوب الماحي

(الحلقة السابعة)
بوخارست، 21 ديسمبر- اليوم الذي فقد فيه شاوشيسكو تأييد الطبقة العاملة..
و22 ديسمبر – اليوم الذي تغيّرت فيه رومانيا إلى الأبد..
دعونا نترُك صحيفة (ليبرتاتيا) جانِباً وسنعود إليها في الحلقة الثامنة، ونخصِّص هذه الحلقة لقراءة مشهد أحداث يومي 21 و22 ديسمبر في بوخارست، وقد حضرتها وعِشتها، وكانت تجري أمام أعيني، في الطريق والتلفاز في نقْلٍ مُباشِرٍ، وقبل ذلك في كل مكان قبل الثورة، مع أصدقائي الرومانيين ومع أساتذتي في أكاديمية الدراسات الاقتصادية ببوخارست حيث عدت لها في 15 سبتمبر 1989 لدراسة الدكتوراه.. وتلك حكايات أنْ شاء الله اجِد الوقت لتنقيحها، فهي مكتوبة ومسجلة، بعضها على الورق وبعضها في الذاكرة.
* المدُن الرومانية تنتفِض بدورها تأثُّراً بما جرى في تيميشوارا:
وقبل أنْ ندلف لتناول ما حدث في بوخارست، نستعرض سريعاً الاوضاع في بقية مُدن رومانيا مُنطلقين مِمّا جرى في تيميشوارا. فهل تركتها بقية المُدن وحدها تقابِل ما قابلت، وخاصة ما كان مُنتظراً أنْ تقابِله إذا انتصر عليها الديكتاتور الطاغية؟
وصلَت تيميشوارا قطارات مُحمّلة بعمال مصانِع من منطقة أولتينيا المُتاخِمة لمنطقة بانات، حيث حاول النظام استخدامها لقمع الاحتجاجات، لكِنّهم انضمّوا في النهاية إلى أهالي تيميشوارا.
قال أحد العمال من اولتينا: “بالأمس، مدير مصنعنا ومسؤول حزبي، جمعونا في ساحة المصنع، ومنحونا هراوات خشبية، وأخبرونا بأنّ مثيري الشغب والمجريين يُخربون تيميشوارا، ومن واجِبنا الذهاب إلى هناك والمُساعدة في قمع المظاهرات. لكنّني في تيمشوارا أدركت أنْ هذا غير صحيح…”.
شيئًا فشيئًا، خرج الوضع عن سيطرة السُلطات، وبدأ الجيش أيضًا في التودّد إلى المتظاهرين. وفي المساء، أعلن المتظاهرون تيميشوارا مدينة حُرّة. وتمّ نقل أحداث تيميشوارا في نشرات أخبار إذاعة أوروبا الحرة وصوت أمريكا، التي يستمِع إليها سِرّاً الرومانيين.
حذت مُدن أخرى في البلاد حذو تيميشوارا. ففي 18 ديسمبر، خرج سكان أراد، المدينة المجاورة لها والقريبة جِداً منها، فلا يُمْكِن ألّا يصل صدى الأحداث اليها. خرجوا إلى الشوارع مطالبين بالحرية، لتصبح بذلك أوّل مدينة في البلاد تُظهِر تضامُنها مع تيميشوارا.
وفي 21 ديسمبر، انطلقت مظاهرات مناهضة لشاوشيسكو في المُدن التالية: بوزياش (الساعة 9:00)، سيبيو (9:45)، كوجير بمحافظة البا (11:00)، تيرقوموريش (11:30)، كارانسيبيش، هونيدوارا، ريشيتسا (12:00)، براشوف (13:00)، كلوج نابوكا (15:00)، ألبا يوليا (22:14). وشهدت هذه المُدن مظاهرات شعبية ومواجهات مُسلّحة، أسفرت عن سقوط العديد من الضحايا والجرحى والقتلى.
* فأين بوخارست من كل ذلك، وكيف تحرّكت العاصمة؟
دعا عمدة العاصمة، باربو بيتريسكو، إلى “التجمع الشعبي الكبير” في ساحة القصر أمام مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروماني ليخاطبه الرئيس والامين العام للحزب نيكولاي شاوشيسكو ظهر يوم 21 ديسمبر للتعبير عن دعم الشعب والطبقة العاملة لقيادة الحزب والدولة.
فمَن هو صاحب هذا الاقتراح السام؟ ومَن أوعز لشاوشيسكو بذلك؟ وهل فعلت ذلك قيادة جهاز الأمن التي، كما يبدو، رفعت لاحِقاً يدها عن شاوشيسكو وتركته يواجه مصيره وحده ونأت بنفسها عنه ولذلك لمْ تطالها أي مُحاسبة لاحِقاً؟
لمْ تُعرف حقيقة الأمر حتّى الأنْ، وكل ما قيل أو كُتِب مُجرّد اجتهادات، وبقي سرّ هذه المسألة الهامة جداً، إمّا في الصدور، مغلقا عليه لا يُمْكِن فتحه أبداً، أو ذهب مع مَن ماتوا.
* بوخارست، 21 ديسمبر- اليوم الذي فقد فيه شاوشيسكو تأييد الطبقة العاملة:
الشاهِد أنّه، يوم 21 ديسمبر، كان الرئيس الروماني، الزعيم الشيوعي، نيكولاي شاوشيسكو، يعتقِد أنّه ما زال قادرًا على السيطرة على الوضع في البلاد. فبعد إطلاق النار على الناس في تيميشوارا، قرّر أنْ يفعل ما يجيده تمامًا: استعراضًا مُدبّرًا للقوّة الجماهيرية مقابل مظاهرات مدينة تيميشوارا، بحشدِ تجمُّع للعمال، يبثّ مباشرة، والهدف منه إظهار أنّ الشعب ما زال مؤيداً ومُطيعاً له.
بالفِعل، تجمّع عشرات الآلاف من الناس في ساحة القصر. أُحْضِر الكثيرون قسرًا من المصانِع والمؤسّسات. وجاء آخرون بدافِع الفُضول، وقليلون بقناعة.
كان الجو مُتوتّرًا، في ظِلِّ صمتٍ مريب يشي بانّه ستعقبه عاصِفة. لمْ يختف الخوف تمامًا، لكن شيئًا ما قد تغيّر.
ظهر شاوشيسكو على شرفة مبنى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وبجانبه رقم 2 زوجته ايلينا التي يُطْلق عليها شاوشيسكه، وبرغم وجود آخرين بقربهما، كانا وكأنّهما وحيدان يتّجِهان لمصيرهما المُنتظر ولحتفِهما.
بدأ خطابه بنبرة مألوفة، وحديث فطير عن “المشاغبين” و”العملاء الأجانب” وإنجازات الاشتراكية. كان مُقتنِعًا بأنّ الجماهير ستتفاعل معه كالمُعتادِ. ولكن لأوّل مرّة، يبدو أنّ الأمر كان غير مألوفاً لديه. تفاجأ. لفّه الاستغراب وغرق في دهشة سوداء.. وبدا فاقِداً البوصلة وحتّى الرُشد.
بدأ يتخبّط. فهل هي لعنة الدماء التي أمر بأنْ تسيل في تيميشوارا؟ لا ريب أنّه توابع زلزال المجزرة التي ارتكبها في مدينة الجمال والزهور تيميشوارا.
انتظم تجمُّع العُمّال والعاملين كما كان يُصف، وأطلق جهاز دعايته ابواق الترحيب بالرفيق شاوشيسكو، والهتافات لصالحه تشجعه لبدء خطابه.

ساد صمت.

بدأ شاوشيسكو يردِّد ذات الحديث المُكرّر من الشرفة والذي تعود قوله من نفس المكان، استعرض شاوشيسكو سلسِلة من إنجازات الثورة الاشتراكية والمجتمع الاشتراكي في رومانيا مُتعدِّد أطراف التطور، وقوبل ذلك بتجاهل من الشعب، حيث لم يُبدِ سوى من كانوا في الصفوف الأمامية تأييدهم له بالهتافات والتصفيق، وبدأت الهمهمة.
لمْ تمضْ دقيقتين من خطابه، وسُمِعت أصواتاً وضجيجاً مُرتبِكاً، لا يُمكِن السيطرة عليه، ليس تصفيقًا ولا هُتافًا، فماذا يكون؟
توقّف شاوشيسكو. رفع يده، داعيًا إلى الصمت. لثوانٍ معدودة، لمْ يعُد الرجل الذي قاد رومانيا لأربعة وعشرين عامًا يدرِك ما يحدُث. التقط البثّ المباشر تلك اللحظة: الارتباك، النظرة الشارِدة، والصوت المُتقطِّع. (أدناه رابط فيديو وثّق المشهد الذي لم يتجاوز 10 دقائق:

https://www.facebook.com/share/v/1Cw76WW9PE/?mibextid=wwXIfr

* يا هوي… يا هوي…. اااالو.. اااالو، يا رفاق:
قابل شاوشيسكو تلك الحالة الجديدة التي لمْ يعشها من قبل، بعبارة “اااالو.. اااالو يا رفاق، أي يا هوي… يا هوي….”، وشاوشيسكه تردّد: أهدأوا.. أهدأوا.. أهدأوا”، وتلك قطعاً لمْ تكُن جُملاً مفيدة حتى وإنْ كانت مفهومة، ومع ذلك يبدو أنّه لم يسمعها أحد في الحشد، وإنْ سمِعوها حتماً لمْ يستوعبوها لانّهم لمْ يستجيبوا، وزاد ذلك من تخبّط الذين حول شاوشيسكو، وبدا جلياً عدم فهمِه للأحداث، وعجزِه عن السيطرة على الموقف عندما عرض، في محاولة يائسة، زيادة رواتب العمال بمقدار 100 ليو شهرياً، وليّات اخر من مساعدة الدولة على كل طفل تلده الاسرة، واستمرّ في الإشادة بإنجازات الثورة الاشتراكية، غير مُدْرِك أنّ ثورة أخرى كانت تتخلّق أمامه مباشرة.
وعندما لمْ يجد شاوشيسكو أذُناً صاغية، وأنّ الصراخ والفوضى تحوّلا إلى غضب وهُتاف ضده وفي وجهه، عاد إلى داخل مبنى اللجنة المركزية. كانت تلك اللحظة هي التي انهارت فيها سُلطته علنًا.
ووِفْقاً لروايات اعترف بها البعض لاحِقاً، كان الصُراخ قد بدأ بالنساء وقد واجهن طعناً ببراجل في مؤخِّراتهنّ. كان الذين تسلّلوا الى الحشد يعملون لخلق حالة فوضى، وكانوا بالطبع يدركون أنّ كل مَن جرى طعنها ببرجل سوف تصرخ وتتحرّك للأمام، لليمين لليسار وحتّى للخلف، وكان ذلك كفيلاً وسط حشد يقِف فيه كل شخص كتفاً بكتفٍ بجانب الاخر أنْ يحدث حالة زُعر وفوضى خاصة وقد بدأت تُسمع داخِل الحشد أصوات كطلقات رصاص كانت في حقيقتها العاب متفجرات صغيرة كالتي تُرْمَى على الأرض ليلة رأس السنة. فاختلط صُراخ النساء مع أصوات بُمْ بُمْ بُمْ.
البعض كان يتجه ليخرُج من المكان لينقِذ نفسه، وآخرين دُفعوا دفعاً للأمام.
تحوّل الحشد إلى تجمّع مناهض للشيوعية، حيث اخترق المتظاهرون طوق قوات الأمن. انصرف جزء كبير من الحشد إلى الشوارع الجانبية، بينما بقي في الساحة نشطاء الحزب وأفراد الحرس الوطني وجنود وعناصر من جهاز الأمن بملابس مدنية، بالإضافة إلى أكثر الموالين للدكتاتور.
أصاب الذعر من غادروا الساحة، فألقوا بأعلامِهم ولافتاتِهم التي تحمِل شعارات الحزب وصور زعيميه، نيكولاي وايلينا شاوشيسكو. تجمّع العديد منهم في الشوارع المحيطة بساحة القصر، وبدأوا يهتفون بشعارات مناهضة للشيوعية ومناهضة لشاوتشيسكو: “يسقط الديكتاتور!”؛ “الموت للمجرم!”؛ “نحن الشعب، يسقط الديكتاتور!”؛ “شاوشيسكو، من أنت؟ مجرم من سكورنيسشتي”. واجتاحت الاحتجاجات وسط المدينة من ساحة كوقالنيشيانو، إلى ساحة أونيري، وساحة روسيتي، وساحة رومانا. وعلى تمثال ميهاي فيتيازول بالقرب من جامعة بوخارست، لوّح شاب بالعلم ثلاثي الألوان قطع منه الشعار الشيوعي الذي كان يتربع وسطه.
لفترة طويلة، لمْ يُعرف من “أفسد” تجمّع شاوشيسكو الذي دعا له في ذلك اليوم. ظهرت شخصيات مختلفة ادّعت الفضل في ذلك. لكن بات معروفًا الآن أنّ ما حدث يعود إلى مجموعات من سكان تيميشوارا توجّهوا إلى بوخارست (وفقا لبيتري ميهاي باكانو رئيس تحرير صحيفة “رومانيا ليبرا” السابق. وآخرين يقولون أنّهم كانوا مجموعة من عناصر جهاز الامن حركتهم قيادته، وجرى تداول معلومات أنّهم كانوا مئات من السياح الروس الذين شاركوا في إنجاح الثورة والانقلاب معاً، ولذا يُصف ما حدث من تغيير في رومانيا بأنّه كان خليطاً من ثورة وانقلاب، والبعض يطلقون عليه ثوقلاب – أو إنقورة – ما يقابل ذلك باللغة الرومانية -).
الشاهد أنّه بدأ الصراخ يزداد وتحوّل فجأة لهتاف. من هنا، يسقط شاوشيسكو، ومن وهناك تسقُط الشيوعية، لا تستطيع تمييز مصدرهما ولكن الهُتاف تمدّد، وكما توقّع الذين أعدّوا لتلك اللحظة، انتقلت عدواه من فمٍ لأخر، ومن حنجرة لأخرى وكان يُسمع وكأنّه نابِعاً من كل الحشد والتجمّع.
لمْ يعُد الحشد الذي أعدّه النظام جمهورًا مُسيطرًا عليه، بلْ كُتلة حيّة لا يُمكِن التنبؤ بها. أصيب جهاز الحزب بالذّعر. انقطع البث. لكن فات الأوان. لقد رأت كل رومانيا كل شيء.
في ذلك اليوم، لمْ يُهزم شاوشيسكو بقوّة واجهته، وإنّما بفُقدان السيطرة الرمزية أوّلاً.
تعيش الديكتاتوريات على صورة الإجماع والتأييد الذي تجبُر الناس عليه وتصنعه صناعة ولديها لذلك خُبراء. وعندما تتصدّع هذه الصورة، يبدأ كل شيء بالانهيار.
وبالطبع، وفي تقديري، ظنّ كل مَن في الحشد أنّها ثورة الجماهير، فكيف لا يكون جزءً منها. وهكذا اشتعلت ثورة بوخارست ووجدت شباباً مُصمِّماً على هزيمة النظام، ولمْ ينفضّ مع حدوث تلك الفوضى، بلْ تسلّح بالشجاعة ونظّم نفسه في مظاهرات طاردتها أجهزة القمع من شارع لشارع، واستعملت ضدها الرصّاص القاتل فسقط العشرات في ظُهر وعصر ذلك اليوم ومساءً في ليلية المتاريس التي شيدها الشاب الثائر امام فندق انتركونتننتال، فاقتحمتها الدبابات والمدرعات ودهست الشباب وقتلتهم وعجنت أجسادهم تحت جنازيرها، وحدثت اعتقالات تجاوزت ألف مواطن.
الشاهد أنّه، وبما قام به تجاه الشباب الثائر، حاول النظام بيأس، استعادة ارهاب وتخويف الناس وهو ما بدا أنّه يفتقده، لكن الخوف لمْ يعُد يُجدي نفعًا كما كان من قبل. لقد رأى الناس أنّ الزعيم لمْ يعُد منيعًا.
في ليلة 21 إلى 22 ديسمبر، كانت بوخارست تغلي. أصبحت المتاريس أمام فندق إنتركونتيننتال رمزًا للمقاومة. وقف شبان عُزّل أمام الدبابات والمُدرّعات، ليس لأنّهم كانوا واثقين من النصر، بلْ لأنّهم لمْ يرغبوا في التراجُع.
لم يكن 21 ديسمبر 1989 يوم سقوط شاوشيسكو. كان اليوم الذي اكتمل فيه فقدانه تأييد جماهير الطبقة العاملة المزعوم. والدكتاتور الذي يفقِد تأييد الجماهير التي ظلّ يخدعها ويكذِّب عليها، يكون قد خسر كل شيء، حتّى لو كان لا يزال يمتلِك قوّة السلاح.
* آخر اجتماع عبر الهاتف لشاوشيسكو مع قيادات الحزب في المحافظات:
في فترة ما بعد الظُهر، عقد شاوشيسكو مؤتمراً سريعاً عبر الهاتف مع الأمناء الأولين للجان الحزبية في المحافظات، تحدّث خلاله بمُفرده تقريباً، مُصرِّحاً بأنّ أحداث الأيام القليلة الماضية دليل على عمل مُنظّم وموجّه، يهدِف إلى زعزعة استقرار البلاد، وموجّه ضد وحدة رومانيا واستقلالها. تحدّث داعياً للتعبئة العامة لجميع أصول الحزب والدولة، ولجميع القوات المسلحة، والميليتسيا – الشرطة، والأمن، والوحدات العسكرية الاخرى. وقال: “يجب علينا فضح هذا العمل ورفضه رفضاً قاطعاً والقضاء عليه. والسؤال الوحيد الذي يُمْكِن طرحه هو القضاء في أسرع وقت مُمْكِن على هذه الأعمال التي ضد سلامة الشعب واستقلاله وبنائه الاشتراكي ورفاهيته”. ثُمّ أمر بتشكيل فرق دفاعية في كل مؤسّسة، وصولاً إلى أعلى مستوى.
* قمع في منتصف الليل ونظافة الدماء لإزالة آثار الجريمة فجراً:
بدأ القمع يزداد وتتصاعد وتيرته قرابة مُنتصف الليل، بأمرٍ من الجنرال فاسيلي ميليا، وزير الدفاع الوطني. جرى إطلاق الرصّاص على الحشود من المباني والشوارع الجانبية ومن الدبابات. سقط العديد من الضحايا جراء إطلاق النار والطعن وسوء المعاملة والدهس بالمركبات العسكرية. اقتحمت إحدى وحدات قوات الأمن الخاصة الحشد بالقرب من فندق إنتركونتيننتال. حاصر رجال الإطفاء الحشد بخراطيم المياه القوية، وقام عناصر الميليتسيا بضرب واعتقال الناس.
كانت حصيلة القمع: 50 قتيلاً، 462 جريحاً، 1245 معتقلاً نُقلوا إلى سجن جيلافا. مكث نيكولاي وإيلينا شاوشيسكو تلك الليلة في غرفة نوم مُجهّزة خصّيصاً في مركز العمليات بمقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، لتلقي آخر المُستجدّات فور وقوع الأحداث ولإعطاء التعليمات لمقابلتها والتعامُل معها.
بعد القمع، قامت سيارات الإطفاء وفرق الإنقاذ، فجر اليوم التالي، بتنظيف الشوارع من الدماء. جرى نقل الجرحى والقتلى إلى معهد الطب الشرعي، ومستشفى الطوارئ، ومستشفى كولتسيا، وقسم جراحة الأعصاب في مستشفى “جورجي مارينسكو”. منعَت النيابة العامة ومديرية الصحة تشريح جثث الضحايا. وصدر أمر، كما حدث في تيميشوارا، بحرقِ الجُثث، لكنه لمْ يُنفّذ.
حوالي الساعة الواحدة صباحاً، أبلغ وزير الدفاع فاسيلي ميليا ورئيس جهاز الامن يوليان فلاد، نيكولاي شاوشيسكو بإخلاء المنطقة المركزية من بوخارست من المتظاهرين.
* 22 ديسمبر – اليوم الذي تغيّرت فيه رومانيا إلى الأبد:
يُعَدّ يوم 22 ديسمبر أحد أهمّ الأيام في تاريخ رومانيا. فيه انهار النظام الشيوعي، وشعر ملايين الرومانيين، ولأوّل مرّة مُنذ عقود، بأنّ الخوف يتلاشى.
بعد أيام عصيبة في تيميشوارا وبوخارست، جاء صباح 22 ديسمبر بلحظة حاسمة. احتشدت الجماهير في وسط العاصمة وواجهت السلطات علنًا، وبدأ الجيش بالانسحاب. ولأوّل مرّة، شعر الناس أنّهم لمْ يعودوا وحدهم.
* انتحار وزير الدفاع:
بحسب محضر اجتماع اللجنة السياسية التنفيذية للحزب الشيوعي الروماني بعد ظهر يوم 17 ديسمبر، اتهم نيكولاي شاوشيسكو كُلّاً من وزير الدفاع فاسيلي ميليا، ووزير الداخلية تودور بوستيلنيكو، ورئيس جهاز الأمن يوليان فلاد بالخيانةِ والجُبْنِ وعصيان الأوامر. وسأل شاوشيسكو وزير الدفاع: “ماذا فعل ضباطك يا ميليا؟ لماذا لمْ يتدخّلوا فوراً؟ لماذا لمْ يطلقوا النار؟ كان ينبغي عليهم إطلاق الرصّاص على أقدامهم”.
فأجاب الجنرال ميليا: “لمْ أزوِّدهم بذخيرة”.
ردّ شاوشيسكو بغضب: “أعتقد أنّك خُنت مصالح البلاد، ومصالح الشعب، ومصالح الاشتراكية، ولمْ تتصرّف بمسؤولية. أتدري ماذا يجِب أنْ أفعل بك؟ سأضعك أمام فرقة الإعدام. هذا ما تستحِقّه، لأنّ ما فعلته يُعد تواطؤاً مع العدو”.
في ليلة 21-22 ديسمبر 1989، أصدر الجنرال فاسيلي ميليا بنفسه أوامره بتنفيذ عمليات عسكرية لقمع الاحتجاجات في منطقة ساحة الجامعة – وفندق إنتركونتيننتال.
في صباح 22 ديسمبر، حوالي الساعة 9:30، عندما بات انتصار الثورة واضِحًا، وبعد اجتماع مع نيكولاي شاوشيسكو الساعة 8:00، انتحر فاسيلي ميليا في مكتبه بمقرِّ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروماني (بحسب المعلومات الرسمية)، حيث أطلق النار على قلبه بمسدس وتوفي حوالي الساعة 14:00 ظهرًا في مستشفى إلياس. ويروي العقيد كورنيليو باركالابيسكو، عن آخر لقاء جمعه بفاسيلي ميليا قبل دقائق من وفاته قائلاً: “عندما دخلتُ المكتب، قال لي الجنرال ميليا: “تلقيتُ أمرًا من نيكولاي شاوشيسكو بإطلاق النار على الشعب. لا أستطيع إصدار هذا الأمر. أريد البقاء وحدي لإجراء بعض المكالمات الهاتفية، وبعدها سأتوجه إلى الوحدات العسكرية. أخبر فاتامانيسكو أنْ يكون حاضِرًا”.
أثارت وفاته غضب شاوشيسكو، الذي وصف فاسيلي ميليا بـ “الخائن”، على الرغمِ من أنّ الجنرال كان قد أمر الجيش بالدفاع عن شاوشيسكو وقمع الثوار. وفي تمام الساعة 10:45، بثّت محطات الإذاعة والتلفزيون البيان التالي: “نُفيد بأنّ وزير الدفاع تصرّف كخائن، ضد استقلال رومانيا وسيادتها، ولمّا أدرك أنّ أمره انكشف، انتحر”.
رُقّيَ فاسيلي ميليا بعد وفاته إلى رتبة جنرال في الجيش (بأربع نجوم) بموجب المرسوم رقم 16 الصادر عن رئيس مجلس جبهة الإنقاذ الوطني، إيون إيليسكو، بتاريخ 28 ديسمبر 1989. ودُفن الجنرال فاسيلي ميليا بمراسِمٍ عسكريةٍ في 30 ديسمبر 1989، وفقًا لوصيته، أمام الكنيسة في مسقط رأسه، بلدة ليريشتي، بمقاطعة أرجيش. وحضر جنازته عدد كبير من الجنود والجنرالات. ووُضِع قلبه في جرّة من الفورمالين ودُفن في سرداب الكنيسة.
* هروب الثنائي شاوشيسكو بهيليكوبتر:
كانت اللحظة الرمزية في ذلك اليوم هي هروب نيكولاي شاوشيسكو بالمروحية من سطح مبنى اللجنة المركزية. انتشرت الصورة بسرعة وأصبحت دليلاً قاطِعًا على انهيار النظام. وبالنسبة للعديد من الرومانيين، مثّلت تلك اللحظة نهاية حِقبة من الخوف والحرمان.
إلّا أنّ الفرحة امتزجت بالحيرة والخوف. فرغم فرار الدكتاتور، لمْ يتوقّف القتال فورًا. اتّسمت الأيام التي تلت ذلك بالفوضى والضحايا والأسئلة التي لا تزال عالقة حتى اليوم.
ويبقى يوم 22 ديسمبر 1989 يومًا للشجاعة الجماعية. إنّه اليوم الذي خرج فيه عامة الناس إلى الشوارع وغيروا مجرى التاريخ. يومٌ يُذكّرنا بأنّ الحرية لا تُنال بسهولة، وأنّها يجِب أنْ تُفهم وتُصان وتُورّث.
؛؛؛…؛؛؛
(مُرفق رابط مشهد الأحداث أمام شرفة مبنى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، في تقرير صورة وصوت ولهروب الثنائي شاوشيسكو في اليوم الثاني بطائرة عمودية وشهادة طيّار الهيلكوبتر، حتى لحظة القبض عليهما ومحاكتهما وإعدامهما:

https://www.facebook.com/share/v/1AQNxFa1XM/?mibextid=wwXIfr

غدا نتابع، ونعود لصحيفة (ليبرتاتيا)، لنقرأ فيها ما كتبته عن “ليلة الجنرالات، 22-23 ديسمبر، حول المجموعة العسكرية (الغُربان)، التابِعة لموسكو، وضلوعها في إسالة الدماء”، وما هي تفاصيل سردية “وجود إرهابيين” لإرجاع شاوشيسكو للسلطة؟
زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..