مقالات وآراء

سلطة بورتسودان: عندما تتحول سلطة الأمر الواقع الى عصابة مصادرة

 

 

د. التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير علاقات دولية .نيويورك

لم تعد سلطة بورتسودان تخجل من أفعالها، ولم تعد تحاول حتى التستر خلف شعارات الأمن أو سيادة القانون. ما جرى في شمال كردفان من مصادرة منزل الأستاذ علي فاعوم، القيادي بحزب الأمة القومي، ليس حادثة منفصلة ولا إجراءً أمنيًا عابرًا، بل حلقة جديدة في سياسة ممنهجة تُدار بعقلية الانتقام السياسي لا بعقلية الدولة. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: ما هي الجريمة التي ارتكبها محمد الفكي سليمان حتى تُستهدف أسرته ويُصادَر منزل موروث منذ عقود لا يملكه أصلًا؟ لم يُتهم الرجل بفساد، ولم تصدر بحقه إدانة قضائية، ولم يثبت عليه أي جرم، سوى أنه اتخذ موقفًا سياسيًا مستقلًا ورفض الاصطفاف مع سلطة الأمر الواقع. إذن نحن أمام عقاب سياسي صريح، تُستخدم فيه القوة العسكرية لتصفية الحسابات مع المدنيين، في انتهاك فج لحق الملكية الخاصة، وضرب سافر لمبدأ سيادة القانون.
وهنا يبرز سؤال أكثر فداحة: ما الفرق بين مليشيا نهبت منازل المواطنين بقوة السلاح، ومليشيا أخرى تصادر بيوت السياسيين بقرارات لجان أمنية؟ الفرق في الشكل فقط، أما الجوهر واحد. الأولى تسرق بلا ورق، والثانية تسرق بورق مختوم، لكن النتيجة واحدة: مواطن يُجرد من بيته، وحق يُنتهك، ودولة تُهان. فحين تتحول المؤسسة التي يفترض أن تحمي الناس إلى أداة مصادرة وانتقام، فإنها لا تختلف أخلاقيًا عن أي مليشيا منفلتة، مهما اختلفت الشعارات أو الزي الرسمي.
وإذا كان الجيش، أو من يتحدث باسمه، يرى أن مصادرة منازل المعارضين وأسرهم أمر مشروع، فليتحلَّ بالحد الأدنى من الشجاعة وليعترف بالحقيقة كاملة: أنه لم يعد مؤسسة وطنية، بل أداة كيزانية تُدار وفق أجندة سياسية ضيقة. فالجيوش الوطنية لا تعاقب المواقف السياسية، ولا تقتحم بيوت المدنيين، ولا تحوّل اللجان الأمنية إلى محاكم، ولا تتعامل مع الممتلكات الخاصة كغنائم. ما يحدث اليوم ليس حماية للأمن، بل سياسة إذلال وترهيب، ورسالة واضحة مفادها أن الاختلاف سيُقابل بكسر الأبواب لا بالحوار.
ولذلك، ليس من المؤسف ولا من المعيب ولا من الواجب الوطني البكاء على جيش اختار بإرادته أن ينحدر إلى هذا الدرك، وأن يضع نفسه في خدمة مشروع كيزاني معادٍ للثورة وللتحول المدني. الجيش الذي يقرر أن يكون خصمًا للشعب لا يستحق تعاطف الشعب، والجيش الذي يصادر البيوت بدل أن يحمي الوطن يفقد شرف السلاح ومعنى المؤسسة. هذه الممارسات لا تصنع دولة، ولا تمنح شرعية، بل تُراكم الغضب وتكتب فصول الإدانة أمام الشعب والتاريخ. فالبيوت يمكن مصادرتها، لكن المواقف لا، والسلطة التي تخاف من الكلمة وتطاردها بالجرافات إنما تعترف بعجزها وفشلها، وتُحاكم نفسها بنفسها قبل أن يحاكمها الآخرون.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..