
ليس سؤال الحكم في السودان سؤالًا سياسيًا مباشرًا يتعلق باسم الحاكم أو شكل النظام، بل هو سؤال أنطولوجي يمس معنى الدولة ذاتها، وحدود السيادة، وطبيعة السلطة حين تنفصل عن المجتمع وتستقل عنه بالقوة. فمنذ الاستقلال، لم تتكرس الدولة السودانية بوصفها كيانا يحتكر العنف المشروع، كما صاغ ذلك ماكس فيبر، بل تشكلت كفضاء مفتوح لتنازع العنف، وتداول السيطرة، وتكريس الحكم بوصفه ممارسة استثنائية، لا وظيفة سياسية مستقرة. وفي هذا السياق، لم يكن ما يتعاقب على السودان أنظمة حكم بقدر ما كانت تتعاقب عليه صيغ مختلفة من إدارة الصراع.
ينفتح هذا التحليل من أفق أزمة الحكم في الدول ما بعد الاستعمار، حيث ورثت النخب السياسية دولًا ناقصة السيادة، ضعيفة التماسك الاجتماعي، لينتقل إلى الحالة السودانية بوصفها مثالًا مكثفًا لفشل الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الحكم. والسؤال المركزي هنا ليس من يحكم السودان، بل كيف يحكم، وأين تقيم السلطة فعليًا حين تغيب الدولة كمرجعية جامعة.
فالسودان، في واقعه الراهن، لا تحكمه مؤسسة سيادية واحدة، بل تحكمه شبكة معقدة من الفاعلين، تتقاطع فيها القوة المسلحة مع الاقتصاد السياسي، ومع الولاءات الجهوية والإثنية، في ما يمكن توصيفه بالدولة الشبكية، حيث تتفكك السلطة عموديًا، وتنتقل السيادة أفقيًا بين مراكز قوة متعددة.
أنطلق في هذا المقال من فرضية مفادها أن الحكم في السودان لم يتجسد قط بوصفه ممارسة سياسية قائمة على التمثيل والتفويض، بل ظل مرتبطًا بامتلاك وسائل العنف. وهنا تستعاد أطروحات تشارلز تيلي، الذي شبه نشأة الدولة بعصابة حماية تفرض الأمن بالقوة ثم تطلب الاعتراف بشرعيتها. غير أن التجربة السودانية تكشف أن الدولة لم تنجح حتى في لعب دور العصابة الأقوى، بل وجدت نفسها طرفًا ضمن أطراف عدة، تتنازع العنف ولا تحتكره. وهذا ما يفسر استمرار الصراع، وعجز السلطة عن التحول إلى سياسة، وتحول القيادة إلى وظيفة ظرفية، لا موقعًا مؤسسًا.
في هذا السياق، يصبح احتكار العنف هو المتغير الحاسم في فهم مأزق الحكم. فحين تفشل الدولة في احتكار العنف، تفشل تلقائيًا في إنتاج السياسة، كما يرى جويل ميغدال في تحليله للدول الضعيفة. ويتحول الحكم إلى إدارة توازنات قسرية، لا إلى ممارسة سيادية. أما السيادة نفسها، فتغدو سيادة منقولة، لا تقيم في مركز دستوري ثابت، بل تنتقل بين الفاعلين بحسب ميزان القوة، داخليًا وإقليميًا. وبهذا المعنى، لا تحكم الدولة السودان، بل يحكم السودان عبره، بوصفه مجالًا مفتوحًا للتدخل، والتوظيف، والتفكيك.
وقد نبه عدد من المفكرين السودانيين إلى هذا المأزق مبكرًا. فعبد الله علي إبراهيم رأى أن أزمة الحكم ليست أزمة نصوص، بل أزمة جماعة سياسية لم تتشكل بعد، وأن الدولة سبقت المجتمع بدل أن تكون نتاجًا له. بينما ذهب منصور خالد إلى أن النخب السودانية، مدنية كانت أم عسكرية، فشلت في الانتقال من عقلية المعارضة إلى عقلية الدولة، فظلت أسيرة لمنطق الغلبة والإقصاء. أما محمد أبو القاسم حاج حمد، فقد ربط فشل الحكم بغياب مشروع حضاري جامع، يجعل من السلطة التزامًا أخلاقيًا، لا غنيمة سياسية.
غير أنني أرى أن الأزمة في السودان قد تجاوزت حدود النخبة، لتصبح أزمة بنية كاملة، حيث أنتجت الحروب الطويلة نمطًا من الحكم لا يحتاج إلى دولة قوية، بل إلى دولة ضعيفة، قابلة للاختراق، وسهلة التفكيك. ففي هذا السياق، لم يعد العنف مجرد أداة بيد السلطة، بل صار شرطًا لبقائها، ووسيلة لإعادة إنتاجها خارج أي أفق سياسي. وهنا تلتقي الحالة السودانية مع تحليلات هانا أرندت، التي ميزت بين السلطة بوصفها نتاجًا للتوافق، والعنف بوصفه نقيضًا لها. ففي السودان، لم يعد العنف وسيلة لحماية السلطة، بل بديلاً عنها، ولم تعد السياسة مجالًا لتنظيم الخلاف، بل واجهة رمزية لصراع عار.
وفي خضم هذا الانسداد، أقترح التوقف عند فكرة قيام جسم وطني جامع، يشار إليه مجازًا بالآباء المؤسسين، بوصفها مخرجًا محتملاً من الأزمة، لا بوصفها حلًا جاهزًا. غير أن هذا التصور، على جاذبيته الأخلاقية، يستبطن قدرًا كبيرًا من التبسيط، إذ يفترض وجود لحظة توافق وطني، وحدًا أدنى من الجماعة السياسية المتخيلة، وقدرة على تحييد العنف لصالح العقل العمومي، وهي شروط لا تبدو متوفرة في السياق السوداني الراهن، حيث لم يعد العنف خلفية للصراع، بل بنيته العميقة.
إن الرهان على الآباء المؤسسين ينطوي على نزعة نخبوية، تفترض أن الحل يكمن في حكمة الأفراد وتراكم خبراتهم، لا في تفكيك بنية السلطة نفسها. وقد حذر منصور خالد مرارًا من هذا الوهم، حين أشار إلى أن أزمة السودان لا تحل بتدوير الأسماء، بل بتغيير قواعد اللعبة. كما نبه عبد الله علي إبراهيم إلى أن الدساتير التي لا تستند إلى توازن اجتماعي حقيقي، تظل نصوصًا معلقة في الهواء، سرعان ما تسقط عند أول اختبار قوة.
ثم إن السؤال الأكثر حساسية يتمثل في علاقة أي جسم تأسيسي محتمل بالقوة المسلحة. فأي عملية تأسيس لا تحسم مسألة احتكار العنف، تظل رهينة له. وقد علمتنا تجارب التحول السياسي أن الدساتير التي تولد في ظل فوهات البنادق، كما يقول خوان لينز، تحمل في داخلها تناقضاتها القاتلة. وفي السودان، حيث السيادة منقولة، والعنف موزع، يصبح الدستور عرضة لأن يكون وثيقة أخلاقية جميلة، بلا قدرة على النفاذ.
كما أن التعدد الإثني والثقافي في السودان، الذي طالما جرى التعامل معه كمشكلة، لا كمعطى بنيوي، يجعل من أي مشروع تأسيسي فوقي عرضة لإعادة إنتاج الإقصاء. وقد رأى محمد محمود، في نقده للدولة الوطنية، أن الفشل الأكبر تمثل في تحويل التنوع إلى عبء سياسي، لا إلى مصدر ثراء. ومن دون إعادة تعريف الدولة بوصفها فضاءً لمواطنة متساوية، لا أداة هيمنة ثقافية، ستظل كل محاولة تأسيس مجرد إعادة ترتيب للهيمنة.
من هذا المنظور، لا تبدو فكرة الآباء المؤسسين مستحيلة بقدر ما تبدو مشروطة بشروط تكاد تكون غائبة. فالتأسيس لا يمكن أن يكون فعلًا نخبويا معزولًا، ولا لحظة رمزية مختزلة، بل مسارًا مجتمعيا طويلًا، يعاد فيه بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويعاد فيه تعريف السيادة، لا بوصفها امتيازًا عسكريًا، بل عقدًا اجتماعيًا. فالدولة، كما يرى بندكت أندرسون، ليست جهازًا إداريًا فقط، بل جماعة متخيلة، ومن دون هذه المخيلة الجامعة، لا معنى لأي نص دستوري.
وفي الخاتمة، لا يعود ممكنًا الاستمرار في تدوير السؤال حول من يحكم السودان، لأن هذا السؤال ذاته صار جزءًا من الوهم السياسي. فالمأزق الحقيقي لا يكمن في غياب القائد، ولا في سوء اختياره، بل في بنية سلطة جعلت من القيادة قناعًا، ومن الدولة مسرحًا، ومن العنف لغة وحيدة للفعل السياسي. وفي ظل هذه البنية، لا تكون السياسة غائبة فحسب، بل تكون مستحيلة.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها، بل اعتيادها، وتحولها إلى منطق حكم، وإلى معيار للشرعية. فحين يصبح العنف هو ما يمنح الحق في التفاوض، ويحدد من يجلس إلى الطاولة، ومن يقصى عنها، تكون الدولة قد فقدت جوهرها، لا وظائفها فقط. وعند هذه النقطة، لا يعود الدستور حلًا، ولا الحوار مخرجًا، ولا التأسيس فعلًا ممكنًا، لأن كل ذلك يفترض مسبقًا وجود سياسة، لا غيابها.
إن الرهان المتكرر على حلول فوقية، سواء اتخذت شكل قائد منقذ، أو آباء مؤسسين، أو تسويات نخبوية، لا يعدو كونه هروبًا من مواجهة الحقيقة الأكثر قسوة: أن السودان لم يفشل في الانتقال الديمقراطي، بل فشل في الانتقال من العنف إلى السياسة. وكل مشروع لا يبدأ من هذه القطيعة الجذرية، ليس سوى إعادة إنتاج الأزمة بلغة جديدة.
ليس مطلوبًا من السودانيين أن يبحثوا عن صيغة مثالية للدولة، ولا عن نص دستوري معصوم، بل أن يواجهوا السؤال المؤجل منذ الاستقلال: من يملك الحق في استخدام القوة، وباسم من، ولأي غاية؟ فهذا السؤال، لا غيره، هو مفتاح السياسة، وبوابة الدولة. ومن دونه، ستظل السيادة منقولة، والشرعية معلقة، والدولة اسمًا بلا حامل.
وحين يحكم العنف، لا تكون المشكلة في غياب السياسة، بل في قتلها. وعندها، لا ينقذ السودان من يكتب له دستورًا، ولا من يؤسس له مجلسًا، بل من يعيد تعريف القوة ذاتها، ويخضعها لمعنى مشترك، ولمساءلة عامة، ولمشروع حياة. فالدولة لا تولد من النصوص، ولا من النوايا، بل من لحظة كسر تاريخي، يقرر فيها المجتمع أن العنف لم يعد قدرًا، وأن السياسة، أخيرًا، تستحق أن تستعاد.



