
م. معاوية ماجد
في فضاء الأدب السوداني المعاصر، تتلألأ أسماء نسائية استطاعت أن تجعل من التجربة الإنسانية مرآة لفهم المجتمع والثقافة، وكانت زينب حاج بليل الزين، أم الروائيين السودانيين، من أبرز هذه الأصوات، التي جمعت بين الموهبة الأدبية الفطرية والوعي النقدي العميق، وقدرة استثنائية على نسج الذاكرة الفردية والجماعية في سرد غني ودقيق. ولدت بليل في مدينة سنجة عام ١٩٤٧م، قبل أن تنتقل إلى الخرطوم لتواصل رحلتها التعليمية، حيث حصلت على دبلوم معهد تدريب المعلمات، وتخرجت من كلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان، متخصصة في النقد والدراسات المسرحية، كما حصلت على دبلوم عال في الدراسات الإنسانية، ليصبح لديها قاعدة معرفية متينة أسست لتجربتها الأدبية والفكرية.
عاشت زينب بليل طفولتها في سنجة، حيث شكلت الأشجار عالمًا مختلفًا من التواصل، إذ كان الأهل والجيران يجتمعون تحت ظلالها لممارسة حياتهم اليومية، وتزينت الحياة بصوت زقزقة العصافير وعلاقاتهم الإنسانية الصغيرة التي نمت مع مرور الأيام. هذه الطبيعة المتكاملة أسهمت في تشكيل وجدانها الحسي، ومنحتها مصدرًا غنيًا للإلهام. وعندما انتقلت إلى الخرطوم، حملت معها صورة هذا العالم الطفولي، فزرعت في باحة منزلها أشجارًا متنوعة، وروت بأنها غرست تسعة عشر نخلة، إلى جانب أشجار المانجو والجوافة والبرتقال وأنواع أخرى، محاولة إعادة بناء فضاء الطفولة في العاصمة. غير أن بليل فقدت كل ذلك حين اجتاح تتر الدعم السريع بلدتها سنجة، وأحرقت غالب مدن السودان، تاركة خلفها دمارًا ومآسي تركت أثرًا عميقًا في نفسها. وقد سردت رحلتها الشاقة ومشاهداتها للمدن المحروقة، وصولًا إلى حلفا حيث اضطروا لافتراش الأرض انتظارًا لاستكمال إجراءات سفرهم إلى مصر. كل هذه المآسي عاهدت بليل أن توثقها في كتاب يحمل نص رواية، قد يختلف في السرد عن أعمالها الأخرى، إذ تمتلك أدوات سرد متعددة تمكنها من نقل التجربة الإنسانية بكثافة وعمق، بين الواقعية والتخييل، وبين الذاكرة والتجربة الجمعية.
لقد شكلت مهنة زينب بليل كمعلمة للغة الإنجليزية نقطة ارتكاز أساسية في حياتها الأسرية والأدبية، إذ منحتها اللغة أدوات للتواصل الدقيقة، وقدرة على تحليل النصوص وفهم الثقافات المختلفة. اللغة الإنجليزية فتحت لها أبواب المكتبة العالمية، وأتاحت لها الاطلاع على كنوز الأدب العالمي، مما انعكس بوضوح في نصوصها، حيث اتسمت بالغنى الفكري والقدرة على استنطاق الأفكار. كما أن تجربتها التعليمية شكلت أيضًا بنيتها الأخلاقية والتربوية، إذ ساهمت في تكوين رؤية واضحة للحياة وللتعامل مع الآخرين، سواء في أسرتها أو في سياق العمل الأدبي والإعلامي.
لم تقتصر تجربة بليل على الحياة اليومية أو الرحلة الشخصية، بل امتدت إلى المجال الإعلامي والأدبي، حيث أعدت وقدمت برامج إذاعية غنية بالمعرفة والثقافة، مثل برنامج «منتدى القصة» بإذاعة الخرطوم، و«كن جميلاً» بالإذاعة الطبية، و«كلام سوداني» بالإذاعة القومية، كما شاركت في كتابة حلقات مسلسل «الخرطوم والناس»، مستفيدة من دراستها للدراما وأساليب السرد المتقدمة. هذه التجربة المتعددة الأبعاد جعلت كتاباتها تعكس رؤية شمولية تجمع بين الحس الإبداعي والعمق النقدي، وتمكن القارئ من استكشاف واقع السودان بصور متعددة، في تناغم بين الفرد والمجتمع، وبين الذكرى والرؤية المستقبلية.
أما في المجال الروائي، فتتجلى قوة بليل في أعمالها التي تجمع بين الرؤى الاجتماعية والسياسية والوجدانية، ففي رواية «الاختيار» عام 1984م، و«كش ملك» و«نبات الصبار» عام 2011م، وصولًا إلى رواية «حاملات القرابين، أو رحلة عبور من هناك إلى هنا وبالعكس» عام 2016م، يمكن قراءة مسارات التجربة السودانية بصيغ سردية متعددة، تحمل طابعًا استبطانيًا نقديًا، وتوظف اللغة الأدبية كأداة للكشف عن الصراعات الإنسانية والاجتماعية والسياسية. وتتميز كتاباتها بقدرتها على تحويل التجربة الشخصية إلى تجربة جماعية، بما يعكس ارتباط الإنسان بمكانه وتاريخه وهويته، ويسمح للقارئ بالانغماس في العمق الإنساني للتجربة السودانية.
ويكتسب هذا البعد النفسي والاجتماعي والثقافي عمقًا إضافيًا عند استحضار تجربة زينب بليل الروائية، ولا سيما في روايتها «الاختيار»، التي تشكل نموذجًا بالغ الدلالة على كيفية تحويل السرد الأدبي إلى أداةٍ لكشف البنى العميقة للصراع الطبقي، وتفكيك الفوارق المجتمعية داخل البيئة الواحدة. ففي هذا العمل، لا تكتفي الكاتبة برصد التناقضات بين الغني والفقير، أو بين القرية والمدينة، بل تذهب أبعد من ذلك، كاشفة عن الجذور النفسية والرمزية لهذه الصراعات، وكيف تتغلغل في الوعي الجمعي وتعيد إنتاج ذاتها عبر العرف والخوف والجهل.
تعالج «الاختيار» فكرة الصراع الطبقي بوصفه واقعًا تاريخيًا ممتدًا، لا حدثًا عارضًا، حيث يتجسد في علاقة السلطة بالثروة، وفي استغلال محجوب للمزارعين، وفي هشاشة الإنسان الكادح أمام منطق المال والقوة. غير أن زينب بليل لا تترك هذا الصراع أسير السوداوية، بل تفتح كوة أمل مركزها التعليم، بوصفه الطريق الأكثر فاعلية لتقويض الفوارق الاجتماعية، ورفع الإنسان من مصاف الجهل إلى أفق الوعي والكرامة. من هنا، يصبح التعليم في الرواية فعلًا تحرريًا، لا مجرد أداة للترقي الفردي، بل شرطًا لإعادة تشكيل المجتمع ذاته.
وتبرز قضية تعليم البنات بوصفها إحدى القضايا المحورية في النص، حيث تصطدم الشخصيات النسائية، مثل آسيا وليلى ونعمات، بجدار العرف والتقليد، لكنها تنجح تدريجيًا في كسره، لتنتقل من هامش القرية إلى فضاء المدينة والمعرفة. في هذا الانتقال، ترصد الكاتبة بذكاء بالغ الأثر النفسي للغربة واللا انتماء، كما في قولها: «وأحست بمهانة الغربة واللا انتماء»، وهي عبارة مكثفة تختزل صدمة الانتقال من عالم مألوف مغلق إلى فضاء جديد مدهش وقاس في آن واحد. هذا الاشتغال على الداخل النفسي للشخصيات يمنح الرواية بعدًا إنسانيًا عميقًا، ويجعلها تتجاوز حدود التوثيق الاجتماعي إلى مساءلة معنى الانتماء ذاته.
كما تنجح زينب بليل في تحويل العلاقات العاطفية داخل الرواية من مجرد عنصر رومانسي إلى حقل آخر للصراع الطبقي والفكري، كما في علاقة آسيا بعلي، حيث يتداخل الحب مع التاريخ الاجتماعي للعائلتين، ومع ميراث غير منجز من الصراع والرغبة والحرمان. وبهذا، يصبح الجسد والعاطفة امتدادًا للصراع الاجتماعي، لا انفصالًا عنه، وتتحول العلاقة الخاصة إلى مرآة لبنية المجتمع ككل.
ولا يغيب عن الرواية بعدها السياسي، حيث تكشف بجرأة عن ممارسات شراء الذمم، وتزييف الإرادة الشعبية، واستباحة القيم في مواسم الانتخابات، في مشاهد تمتاز بمصداقية سردية عالية، تجعل النص وكأنه يكتب تاريخًا مواز للهامش والمقموعين. وفي ذروة السرد، تتصاعد المواجهة بين السلطة والطبقات الكادحة، لتلامس الرواية أفق الثورة بوصفها ضرورة أخلاقية وإنسانية، لا مجرد فعل عنيف، وهو ما يمنح النص راهنيته وامتداده إلى الواقع السوداني المعاصر.
بهذا المعنى، تشكل «الاختيار» جزءًا أصيلًا من ذلك الإرث الأدبي الذي يجعل من ذاكرة الطفولة والمكان والمدينة جسراً بين الماضي والحاضر، ومحفزًا لتصورات مستقبلية أكثر عدلاً وإنسانية. وهي تلتقي، في جوهرها، مع مشروع زينب بليل الأوسع، الذي يحول التجربة السودانية، بكل ما فيها من ألم وبهجة، من فقر وحلم، إلى خطاب إنساني مفتوح، قادر على مخاطبة القارئ المحلي والعالمي على السواء، دون ادعاء أو افتعال.
ولم تقتصر إنجازاتها على الكتابة فحسب، بل امتدت لتشمل مناصب قيادية وثقافية عديدة، منها رئاسة منتدى السرد والنقد، ورئاسة منظمة نساء السودان لمحاربة الفقر، وعضويتها في اتحاد الكتاب السودانيين ورابطة الأديبات، وأمانتها للسرد باتحاد الأدباء السودانيين، وعضويتها في لجان ثقافية وتكريمية عديدة، ما يعكس حضورها المؤثر في صياغة الثقافة والأدب في السودان. وقد حظيت بليل بعدد من الجوائز والتكريمات، أبرزها جائزة الدولة للنصوص الدرامية عن «المحاكمة» عام 1975م، وجائزة الشهيد الزبير للإبداع والتميز العلمي عن رواية «نبات الصبار»، مما يعكس تقدير الوسط الأدبي والفكري لإسهاماتها المتعددة.
يمكن القول إن زينب بليل تمثل نموذجًا فريدًا للمرأة السودانية في الفضاء الأدبي، حيث تمتزج القدرة على التلقي النقدي والوعي الاجتماعي مع الحس الإبداعي العميق، لتخرج كتاباتها بصورة متفردة، تجمع بين التحليل والعمق الفني، وبين الجمالية الأدبية ووضوح الرسالة. إن أعمالها تتيح للقارئ فرصة التأمل في التاريخ السوداني والاجتماعي، وتكشف عن التحديات التي تواجه الإنسان في مواجهة الواقع، كما تبرز قيمة السرد كأداة لفهم الذات والمجتمع، ووسيلة لصياغة تجربة الإنسان في مواجهة التحولات الكبرى.
وفي الختام، تبقى زينب بليل علامة مضيئة في الأدب السوداني، نموذجًا للإبداع والوعي، وقيمة إنسانية وثقافية، حيث جسدت في كتاباتها رحلة الإنسان السوداني بين الذاكرة والمصير، بين الحلم والواقع، وبين التجربة الفردية والهم الجماعي. إن نصوصها لا تقتصر على سرد الحكاية أو نقل الوقائع، بل تتجاوز ذلك لتصبح فضاء للتأمل في الذات والمجتمع، ومسرحًا للصراع بين الإنسان وواقعه، بين الوجع والأمل، وبين الفقدان والتمسك بالحياة. لقد جعلت من كتاباتها أداة لفهم الإنسان في أبعاده الإنسانية العميقة، وسبر أغوار التجربة السودانية بكل تناقضاتها وتعقيداتها، مما يمنح القارئ قدرة على الانغماس في العمق النفسي والاجتماعي والثقافي للأحداث والشخصيات.
كما أن إرث بليل الأدبي يشكل جسرًا بين الأجيال، فهو يربط الماضي بالحاضر، ويجعل من ذاكرة الطفولة والمدينة والمكان محفزًا لتصورات مستقبلية، مع الحفاظ على روح التجربة الحية والواقعية. اللغة التي أتقنتها كمعلمة للإنجليزية وسعت مداركها الفكرية، وأتاحت لها الوصول إلى المكتبة العالمية، والاطلاع على الأدب والفكر الإنساني في أوسع صوره، مما انعكس بوضوح في أعمالها وعمقها الثقافي والفني، وجعلها صوتًا عالميًا ضمن الإطار المحلي.
إن قراءة نصوص زينب بليل تعني الانغماس في تجربة فريدة، حيث تتحد فيها المعرفة بالخيال، والحس النقدي بالوجدان، لتصبح الكلمة أداة للتغيير والإلهام، وتمنح التجربة الإنسانية أبعادًا أوسع من مجرد النقل الواقعي للأحداث. لذلك، يبقى أثرها الأدبي خالدًا، ليس فقط في الأدب السوداني، بل في فهم الإنسان في مواجهة مأساة التاريخ وصعوبة الواقع، وفي بحثه الدائم عن الأمل والحياة والجمال في كل ما يحيط به. إنها بحق صوت نسائي استثنائي، استطاع أن يحول التجربة السودانية بكل ألمها وفرحها، بكربها وبهجتها، إلى إرث ثقافي وفكري خالد، يستحق أن يقرأ ويدرس ويحتفى به على الدوام.
وأختم بهذه الكلمات المتواضعة، مع تمنياتي العميقة للأستاذة زينب بليل بالصحة والعافية وطول العمر، ليظل عطاؤها الثقافي والأدبي منارة تنير الطريق للأجيال القادمة، لتستمر كتاباتها وإبداعاتها في إثراء الأدب السوداني والعالمي، ويظل صوتها النابض بالحياة والإبداع مصدرًا للإلهام الدائم.
م. معاوية ماجد




العنوان الصحيح للمقال هو:
زينب بليل: حارسة الذاكرة السودانية
من سنجة إلى الخرطوم… سرد الذاكرة والحلم
مع خالص الشكر
م. معاوية ماجد
زينب بليل: حارسة الذاكرة السودانية
من سنجة إلى الخرطوم… سرد الذاكرة والحلم
زينب بليل، سيدة متفردة ، جميلة الدواخل ، لها كل الود والحب ، ولكm الشكر علي المقال الجميل.