نحو لحظة تأسيس مؤجلة: حين تستدعي الدولة حكمة التجربة لا صخب الأيديولوجيا

ليست أزمة السودان، في جوهرها العميق، أزمة حكم بالمعنى الإجرائي الضيق، ولا خلافًا عابرًا حول من يتولى السلطة أو شكل النظام، بل هي أزمة تأسيس مؤجلة، ودولة لم تمنح، منذ ميلادها، فرصة أن تبنى على حكمة التجربة وتراكم الوعي.
فمنذ الاستقلال، ظلت الدولة السودانية تتحرك داخل دائرة مغلقة من الانقطاعات الدستورية والانقلابات العسكرية والتجريب الأيديولوجي، دون أن تبلغ لحظة توافق وطني حقيقي حول القواعد التي ينبغي أن تحكم بها.
وهكذا تشكلت السلطة بوصفها غنيمة لا عقدًا، وامتيازًا لا مسؤولية، حتى تآكل معنى الدولة ذاته، وبات السؤال لا يتعلق بإصلاحها، بل بإمكان استعادتها.
لقد علمنا ماكس فيبر أن الدولة الحديثة تعرف بقدرتها على احتكار العنف المشروع، لكن التجربة السودانية تكشف، بوضوح قاس، أن هذا الاحتكار لم يستقر يومًا.
فالعنف ظل يتسرب من يد الدولة إلى المجتمع، ومن المركز إلى الأطراف، حتى انقلب من أداة استثنائية إلى لغة يومية، ومن وسيلة إلى غاية.
وحين تفقد الدولة قدرتها على تنظيم العنف، فإنها تفقد، في الوقت نفسه، قدرتها على إنتاج السياسة، وتتحول إلى ساحة مفتوحة لصراع الإرادات المسلحة، لا فضاء للتعاقد المدني.
وفي تأمل هذا المسار الطويل، يصعب تجاهل حقيقة أن محاولات إعادة البناء كافة جاءت محمولة على استعجال اللحظة، أو مرتهنة لموازين القوة، أو أسيرة لرؤى أيديولوجية ضيقة.
فالأيديولوجيا، كما حذر ريمون آرون، كثيرًا ما تتحول من أداة تفسير إلى أداة تبرير، ومن وعد بالخلاص إلى قيد على التفكير.
والسودان، في مسيرته الحديثة، دفع ثمنًا باهظًا لتحويل السياسة إلى ساحة صراع عقائدي، لا إلى فن إدارة الاختلاف.
ومن هذا الوعي التاريخي بالأزمة، لا بوصفها طارئة بل بنية ممتدة، تتبدى الحاجة إلى تفكير تأسيسي من نوع مختلف، تفكير لا ينطلق من صراع الأجيال ولا من تنافس البرامج السياسية، بل من استدعاء التجربة السودانية في أنضج صورها.
فالدول، كما يخبرنا التاريخ السياسي المقارن، لا تستعيد عافيتها حين يعلو الصوت، بل حين يتقدم العقل، وحين تستثمر الخبرة المتراكمة لا الحماسة العابرة.
في هذا السياق، تبرز أهمية جيل بديلاً، لا بوصفه بديلاً سياسيًا ولا سلطة رمزية، بل خزان تجربة وطنية نادرة.
جيل مواليد الأربعينيات حتى أواخر الخمسينيات، الذي تشكل وعيه في ظل الدولة الوطنية الوليدة، وشهد تحولات الحكم المدني والعسكري، وعاصر صعود الأيديولوجيات الكبرى وأفولها، وخبر الدولة في قوتها الهشة وفي انكسارها العنيف.
وهو جيل يضم الأكاديميين والمهنيين، كما يضم البسطاء الذين لم تصنعهم المؤسسات، بل صقلتهم الحياة، وحملوا معرفة المجتمع لا من الكتب، بل من التجربة اليومية.
إن استدعاء هذا الجيل لا يقوم على وهم العصمة، بل على إدراك أن العمر، حين يقترن بالتجربة، ينتج مسافة نقدية نادرة من الأيديولوجيا، ويمنح القدرة على التفكير خارج منطق الغلبة.
فكما كتب عبد الله علي إبراهيم، ليست أزمة السودان في نقص الأفكار، بل في فائضها غير المنضبط، وفي عجز النخب عن تحويلها إلى عقدًا اجتماعيًا ملزم.
أما محمد أبو القاسم حاج حمد، فقد ظل يؤكد أن الدولة التي لا تبنى على توازن بين القيم والواقع، مصيرها الانفجار من الداخل.
من هنا، تتبلور الحاجة إلى اجتماع وطني جامع، يلتقي فيه أبناء هذا الجيل، كل في مجال خبرته أو تجربته الحياتية، دون تمثيل حزبي ودون اصطفاف أيديولوجي، وبانحياز وحيد إلى الوطن بوصفه فكرة جامعة لا ميدانًا للصراع.
اجتماع لا يراد له أن يكون مجلس حكماء تقليديًا ولا ندوة نخبوية معزولة، بل ورشة تأسيسية كبرى تسائل التجربة السودانية بصدق، وتعيد طرح الأسئلة التي جرى الهروب منها طويلًا:
طبيعة الدولة، وحدود السلطة، ومفهوم المواطنة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، ودور الجيش في النظام السياسي، وضمانات التداول السلمي للسلطة، وكيفية حماية التنوع دون تحويله إلى وقود دائم للصراع.
ولا تنفصل هذه الدعوة عن وعي حاسم بالزمن السياسي الذي ينبغي أن تتحقق فيه.
فانعقاد هذا الاجتماع يجب أن يتم فور انتهاء الحرب مباشرة، في تلك اللحظة الهشة التي يعقب فيها الصمت الأول للبنادق.
ذلك أن ما بعد الحرب ليس زمنا محايدًا، بل أخطر المراحل في عمر الدول، حيث تتسابق القوى لملء فراغًا، وتعاد كتابة السرديات بلغة المنتصر، ويستبدل العنف العسكري بعنف سياسي إن لم يضبط بعقل تأسيسي.
لقد نبه أنطونيو غرامشي إلى أن الأزمات الكبرى تخلق فراغًا تاريخيًا، حين يموت القديم ولا يولد الجديد بعد، فتظهر أشكال مشوهة من السلطة.
وفي تلك اللحظة بالذات، تصبح الحكمة الوقائية أكثر أهمية من الحلول المتأخرة.
فاستدعاء حكمة التجربة مباشرة بعد الحرب لا يمنحها فقط شرعية زمنية، بل يقطع الطريق أمام إعادة إنتاج منطق الغلبة، ويحوّل السؤال من من انتصر إلى كيف نمنع تكرار ما حدث.
إن مخرجات هذا الاجتماع، إذا ما أُدير بمنهج عقلاني صارم، لا ينبغي أن تترك في شكل توصيات عامة، بل تجمع وتنقح وتصاغ في وثيقة دستورية شاملة، يمكن أن تسمى دستور الآباء المؤسسين.
دستور لا يدعي الكمال، لكنه يؤسس لقواعد لعب واضحة، ويضع قيودًا صارمة على السلطة، انطلاقًا من إدراك جيمس ماديسون أن الدساتير تكتب لأن من يحكمون بشر لا ملائكة.
دستور يستوعب التنوع دون أن يفتته، ويؤكد مدنية الدولة دون عداء للدين، ويحدد دور الجيش داخل الإطار الدستوري، ويعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة بوصفه أساس الحقوق والواجبات.
لقد حذر منصور خالد مرارًا من أن غياب المشروع الوطني الجامع هو ما جعل الدولة السودانية رهينة للتجريب والانقلابات.
كما أكد يورغن هابرماس أن الشرعية لا تستمد من القوة، بل من التوافق العقلاني.
وفي هذا المعنى، فإن دستور الآباء المؤسسين لا ينازع الأجيال اللاحقة حقها في التغيير، بل يمنحها أرضية صلبة تحمي الدولة من نزوات السلطة، وتحمي المجتمع من العودة إلى العنف.
وفي لحظة يعلو فيها صوت السلاح، ويختزل الوطن في معسكرات متقابلة، لا يكون الخطر الأكبر فيما تبقى من أدوات العنف المادي، بقدر ما يكمن في الذاكرة التي يخلفها هذا العنف.
فالذاكرة، بوصفها بنية اجتماعية حية، لا تستعيد الماضي كما كان، بل تعيد إنتاجه وفق مقتضيات الحاضر وتوازنات القوة السائدة فيه.
وحين تترك هذه الذاكرة دون إخضاعها لعمل تاريخي نقدي، تتحول من وعاء للخبرة إلى مورد للصراع، ومن سجل للألم إلى أداة لإدامة الانقسام، بما يجعل العنف قابلا للتكرار في صور رمزية وسياسية جديدة.
ومن هذا المنظور، فإن لحظة ما بعد الحرب ليست لحظة سياسية فحسب، بل لحظة تأسيسية على مستوى الوعي التاريخي ذاته، يتحدد فيها نمط العلاقة مع الماضي:
إما بوصفه مخزونًا للاستقطاب والانتقام، أو بوصفه خبرة قابلة للفهم والمساءلة.
وهنا تتجلى أهمية العقل التأسيسي الذي لا يسعى إلى محو الماضي ولا إلى تقديسه، بل إلى تنظيم حضوره داخل الحاضر، عبر إخضاع الذاكرة لمنطق التاريخ، ونقلها من حيز الانفعال إلى حيز الفهم، ومن تعدد السرديات المتصارعة إلى إطار مرجعي مشترك يحكم الاختلاف ويمنع انزلاقه إلى العنف.
إن الدولة التي تبنى على ذاكرة غير مهذبة بالتاريخ تظل دولة معلقة في انتقال دائم، أسيرة ماضيها أكثر مما هي قادرة على تجاوزه.
أما الدولة التي تنجح في تحويل ذاكرتها الجمعية إلى موضوع للمساءلة التاريخية، فإنها تفتح المجال أمام تعاقد سياسي لا يقوم على منطق الغلبة، ولا يستند إلى تسويات ظرفية بين قوى متنازعة، بل إلى وعي تاريخي جماعي يدرك حدود الذاكرة ويضبطها بالعقل.
وعليه، فإن خروج السودان من دائرة الحرب لا يمر فقط عبر إسكات البنادق، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين الذاكرة والتاريخ على أسس عقلانية نقدية، تتيح للمجتمع أن يتذكر دون أن يستدرج إلى الثأر، وأن يؤسس دولته على العقد لا على الغلبة، وعلى الوعي لا على القوة.
وحين يتقدم العقل على السلاح، والتجربة على الأيديولوجيا، قد يجد السودان، أخيرًا، طريقه إلى لحظة تأسيس حقيقية، لا تؤجل الدولة مرة أخرى، بل تضعها لأول مرة على أرضية قابلة للاستمرار.



