مقالات وآراء

جامعة الدول العربية: مؤسسة خارج الزمن السياسي

د. محمد عثمان عبد الله

تأسست جامعة الدول العربية لتكون بيت العرب الجامع، وحائط الصد الأول عن أمنهم القومي، ومنصة التنسيق لمواجهة الأزمات. لكن القراءة المتأنية لمسار هذه المنظمة عبر العقود الأخيرة تكشف عن فجوة هائلة بين ميثاق التأسيس وواقع الأداء، حيث لم تعد الإشكالية الأساسية للمنظمة في ضعف تأثيرها فحسب، بل في تحوّلها التدريجي من صانعة حلول إلى كيانٍ يتفاعل مع الكوارث بعد وقوعها، لا قبلها، ويتباكى على الانقسامات بعد أن تستقر، بدل أن يمنع تشكّلها منذ البداية. هذه المؤسسة، التي وُلدت في منتصف القرن الماضي كأداةٍ لحماية الأمن القومي العربي وتعزيز التضامن السياسي، باتت اليوم مثالاً صارخاً على الفشل البنيوي في قراءة الواقع، واستباق المخاطر، وصياغة المبادرات الفاعلة.
يشكّل الملف الصومالي أوضح الأدلة على الدور السلبي للجامعة العربية. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، عاشت الصومال كارثة وطنية متكاملة الأركان: انهيار الدولة، تفكك المجتمع، حرب أهلية طويلة، ملايين القتلى والنازحين، وتدخّلات إقليمية ودولية مفتوحة. ورغم أن الصومال دولة عربية عضو في الجامعة، ورغم الإمكانيات السياسية والمادية التي تمتلكها المنظمة، لم تشهد الساحة الصومالية أي مبادرة عربية أصيلة وجادة، ولا مساراً حقيقياً للمصالحة، ولا ضغطاً فعلياً لوقف نزيف الدم وانهيار الدولة.
كان الانفصال الصومالي إلى كيانين واقعاً قائماً على مرأى ومسمع من جامعة الدول العربية، لا مجرد احتمال نظري. ومع ذلك، لم تحاول الجامعة العربية التعامل معه بوصفه تهديداً لوحدة الصومال، ولا تهديداً استراتيجياً طويل المدى للمنطقة العربية. تجاهلت المنظمة الأزمة وتركتها تتآكل داخلياً حتى تحوّلت إلى انفصال فعلي، حتى فوجئت اليوم باعتراف دولة إسرائيل بـ “أرض الصومال” (صوماليلاند).
إن تحميل إسرائيل أو غيرها مسؤولية التحرك في هذا الفراغ هو هروب من الحقيقة. الدول العاقلة، بطبيعتها، تسعى إلى تأمين مصالحها وأمنها القومي بشتى الوسائل، وتستثمر في مناطق الفراغ السياسي والجيوسياسي. إسرائيل لم تفعل سوى ما تفعله أي دولة تمتلك رؤية استراتيجية: رأت فرصة في منطقة مهملة عربياً، فتحركت. الخطأ ليس ليست المشكلة في الفعل وحده، بل في الغياب الذي سبقه.
المفارقة المؤلمة أن الجامعة العربية لم ترفع صوتها إلا بعد فوات الأوان، حين تحوّلت الأزمة من احتمال إلى واقع. وقد سبقت إثيوبيا إسرائيل بالاعتراف بأرض الصومال من خلال اتفاقية الميناء، وهو اعتراف ضمني بسيادة الدولة، وإن لم يُعلن رسمياً. وكان متوقعاً لكل ذا بصيرة أن تتبعه دول أخرى ذات مصالح، وهو ما حدث. هذا النمط المتكرر من ردود الأفعال المتأخرة يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى وجود مؤسسة لا تتحرك إلا بعد أن تُفرض عليها الوقائع.
الموقع الجغرافي للصومال وحده كان كافياً لجعله أولوية قصوى في أجندة الجامعة العربية. فهو يتحكم في واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم، ويقع على تماس مباشر مع البحر الأحمر وخليج عدن، أي في قلب الأمن القومي للدول العربية الآسيوية والأفريقية المطلة على هذه المنطقة الحساسة.
لكن الجامعة العربية، مرة أخرى، تعاملت مع الجغرافيا كمعطى محايد، لا كأداة استراتيجية. تجاهلت حقيقة أن انهيار دولة في هذا الموقع لا يبقى محصوراً داخل حدودها، بل يفتح الأبواب أمام التهديدات الأمنية، والاختراقات الدولية، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية على حساب المصالح العربية.
ما يحدث اليوم في السودان يعيد إنتاج السيناريو ذاته، ولكن على نطاق أخطر. حرب مدمرة، انهيار مؤسسات، تمزق اجتماعي، ومخاطر انفصال حقيقي تلوح في الأفق. ومع ذلك، لم نرَ من جامعة الدول العربية سوى بيانات إدانة باهتة، وتصريحات عامة خجولة، بلا مبادرة سياسية متكاملة، ولا وساطة جادة ومحايدة تضمن نجاحها، ولا محاولة حقيقية لجمع أطراف الصراع على طاولة واحدة.
وهنا يبرز سؤال مشروع : هل تنتظر الجامعة العربية وقوع الكارثة كاملة، وانفصال السودان فعلياً، لتخرج لاحقاً ببيانات الأسف والتباكي، كما فعلت مع الصومال؟
إن غياب دور الجامعة العربية في السودان لا يعني فقط فشلاً سياسياً، بل تهديداً مباشراً لمستقبل عدة دول مجاورة. فكارثة واحدة في دولة عربية محورية كالسودان كفيلة بزعزعة استقرار إقليمي كامل، سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
كما أن تدخل بعض الدول العربية في الأزمة السودانية لدعم طرف على حساب آخر يمثل امتداداً إضافياً لفشل جامعة الدول العربية في أداء دورها المفترض.
لقد تجاوز الواقع السياسي جامعة الدول العربية. لم تعد منصة لصناعة القرار، بل أرشيفاً للبيانات، ومسرحاً للاجتماعات البروتوكولية، ومكاناً تُستهلك فيه الأموال دون عائد ملموس على شعوب الدول الأعضاء. الموارد التي تُصرف على هذه المنظمة، من رواتب وعقارات وبيروقراطيات، كان الأجدر أن تُوجَّه لدعم الشعوب التي تعاني الحروب والجوع والنزوح، أو أن تحفظ لصالح تنمية شعوب الدول الدافعة لها.
المشكلة ليست في غياب الإمكانيات، بل في غياب الإرادة والرؤية. فالجامعة لا تعاني فقراً مالياً، بل فقراً استراتيجياً، وعجزاً عن فهم أن الأمن القومي العربي ليس شعارات، بل شبكة مترابطة، إذا انهارت حلقة واحدة فيها، تضررت البقية.
إذا لم تُقدِم جامعة الدول العربية على تغيير جذري في سياساتها، وآليات عملها، وطريقة تعاطيها مع أزمات الدول الأعضاء، فإنها مرشحة للتلاشي الكامل. المؤسسات التي لا تنتج حلولاً، ولا تمنع الكوارث، ولا تمتلك قدرة المبادرة الجادة والمبتكرة، تفقد شرعيتها تلقائياً.
العالم لا ينتظر المترددين، والفراغ لا يبقى بلا فاعل. إما أن تعود الجامعة العربية إلى دورها الطبيعي كفاعل استباقي يحمي المصالح العربية، أو أن تظل شاهداً عاجزاً على تفكك ما تبقى من النظام العربي، حتى تختفي من الذاكرة السياسية كما اختفت من الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..