من الاستقلال إلى سؤال الدولة: السودان بين وعد التأسيس ومكائد الجغرافيا السياسية
م. معاوية ماجد

لم يكن استقلال السودان في مطلع عام 1956 حدثًا إجرائيًا أنهى حقبة الاستعمار فحسب، بل كان لحظة تاريخية مكثفة، انفتحت فيها البلاد على أفق الدولة الوطنية بما تحمله من وعود ثقيلة وأسئلة مؤجلة. فمنذ أن تشكل مؤتمر الخريجين عام 1938 بوصفه واجهة اجتماعية ثقافية لخريجي المدارس العليا، ثم تحوله سريعًا إلى منبر وطني يطالب بتصفية الاستعمار ومنح السودانيين حق تقرير مصيرهم، بدأ الوعي الوطني يتبلور حول فكرة الاستقلال، لا باعتباره انفصالًا عن المستعمر فقط، بل باعتباره بداية لمسؤولية تاريخية كبرى. وقد توج هذا المسار بإعلان البرلمان السوداني في 19 ديسمبر 1955 استقلال البلاد، ورفع العلم الوطني في الأول من يناير 1956، إيذانًا بميلاد دولة ولدت في لحظة فارقة، لكنها دخلت التاريخ مثقلة أكثر مما ينبغي لدولة فتية.
دخل السودان مرحلة ما بعد الاستقلال وهو يحمل في بنيته ثلاث معضلات كبرى سرعان ما تحولت إلى ثوابت مأزومة في مساره السياسي: مسألة الدستور، ومشكلة الجنوب، ومعضلة التنمية. لم تكن هذه الإشكالات منفصلة، بل تشابكت في بنية واحدة غذاها غياب التوافق الوطني، وضعف النخبة السياسية في الانتقال من خطاب التحرر إلى منطق بناء الدولة. فقد ظل سؤال الدستور، بما هو التعبير الأعلى عن العقد الاجتماعي، معلقًا بين نماذج مستوردة وصراعات مصالح ضيقة، دون أن ينجح السودانيون في صياغة رؤية دستورية تعكس واقعهم التعددي، وتؤسس لعلاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع.
وعكس المشهد السياسي عقب الاستقلال هذا الخلل البنيوي بوضوح. فقد هيمنت الأحزاب الطائفية، المرتبطة بالجماعات الدينية الصوفية الكبرى، على الفترات الديمقراطية، واختلطت فيها القيادة الدينية بالعمل السياسي على نحو جعل الشرعية مستمدة من الولاء الاجتماعي أكثر من البرنامج السياسي. وفي المقابل، صعدت تيارات أيديولوجية حديثة، من الإخوان المسلمين إلى اليساريين بمختلف أطيافهم، وقدمت تصورات متباينة للدولة والمجتمع، لكنها أخفقت، هي الأخرى، في بناء توافق وطني جامع، مفضلة منطق الغلبة والاستحواذ على منطق الشراكة. وهكذا تحول الصراع السياسي من تنافس حول السياسات العامة إلى صدامات أيديولوجية حادة، استنزفت الدولة والمجتمع، وفتحت الباب أمام الانقلابات العسكرية بوصفها مخرجًا زائفًا من الفوضى.
غير أن هذا الفشل الداخلي لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الدولي الأوسع. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي وموارده الهائلة وإمكاناته الاستراتيجية، لم يكن خارج حسابات النظام العالمي الذي تحكمه شبكات مصالح عميقة، تعمل غالبًا من خلف ستار، وتعيد إنتاج نفوذها عبر ما يمكن تسميته بالدولة العميقة العابرة للحدود. هذا العالم، الذي تحركه اعتبارات المصالح لا القيم، نظر إلى السودان بوصفه فضاء غير مستقر، وربما خطرًا كامنًا على توازنات إقليمية ومصالح استراتيجية راسخة. لذلك لم يكن غريبًا أن تقابل أي محاولة جادة لبناء دولة سودانية مستقرة بسلسلة من العراقيل، عبر الضغوط السياسية، أو التلاعب بالاقتصاد، أو تغذية الصراعات الداخلية، أو دعم أنظمة شمولية قابلة للتوظيف.
لقد جرى، منذ عقود، التفكير في تفكيك السودان إلى كيانات أصغر وأضعف، يسهل التحكم في توجهاتها وقرارها السيادي. ولم تكن هذه المخططات لتجد طريقها إلى التنفيذ لولا هشاشة الداخل، وضعف المناعة الوطنية، واستعداد بعض النخب للارتهان للخارج، سواء بدافع المصلحة أو الوهم أو العجز. وهكذا التقت شهية الخارج مع قابلية الداخل، فتكرس مسارًا تاريخيًا لإضعاف الدولة، لا بالقوة وحدها، بل بتفكيك معناها في وعي أبنائها.
وعلى امتداد سبعة عقود منذ لحظة الاستقلال، ظل السودان يلهث خلف فكرة الدولة المدنية الجامعة، دون أن يظفر بها. دولة تتنازعها مصالح الخارج، وتثقلها ارتهانات داخلية لنخب فقدت استقلال إرادتها، فاختلط فيها عجز البناء بعقوق الانتماء. وكانت المحصلة وطنًا غنيًا بالإمكانات، فقيرًا في مآلاته، وإنسانًا يصارع المحن اليومية من أجل حد أدنى من الحياة الكريمة، في بلد تتوافر فيه، نظريًا، كل الشروط التي تؤهله ليكون في مصاف الدول الأكثر قدرة على تحقيق الرفاه. غير أن تداخل كيد الخارج مع سوء التقدير الداخلي، وتكريس التبعية بوصفها خيارًا سياسيًا مستترًا، قطع الطريق أمام تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع وطني منتج، وأبقى الدولة حبيسة حلقة مفرغة من الأزمات المتناسلة.
في قلب هذا التعثر المركب، برزت الأزمة الدستورية بوصفها العارض الأوضح لفشل الدولة الوطنية في التأسيس لشرعيتها. فإلغاء دستور الحكم الذاتي عقب الاستقلال، وغياب رأس الدولة بعد إنهاء منصب الحاكم العام، فرضا حلولًا انتقالية مؤقتة، مثل إنشاء مجلس السيادة، لكنها بقيت معالجات إجرائية لم تمس جوهر الإشكال. ومع مرور الزمن، تحول الدستور إلى وثيقة مؤجلة، تستدعى عند الحاجة وتعلق عند أول أزمة، ما أفقد الدولة قدرتها على بناء مؤسسات مستقرة، وأضعف ثقة المجتمع في السياسة ذاتها.
أما مشكلة الجنوب، فقد كانت التعبير الأكثر مأساوية عن هذا الفشل البنيوي، إذ أدت سياسات التهميش وسوء إدارة التنوع، مقرونة بتدخلات خارجية واعية، إلى انفصال الجنوب، دون أن يعني ذلك نهاية الأزمة. فقد بقيت جذور الخلل، المتمثلة في غياب العدالة والتنمية المتوازنة، قائمة في جسد الدولة، لتعيد إنتاج نفسها في صور أخرى. ومع ذلك، لم يؤد هذا الحدث المفصلي إلى مراجعة جذرية للمسار، إذ ظلت معضلة التنمية، مثل الدستور، أسيرة الخطاب، في ظل هيمنة أنظمة شمولية حصدت غالب سنوات الحكم، وأعادت إنتاج الفشل ذاته بوسائل أكثر قسوة.
وقد بلغت هذه المسيرة ذروتها الكارثية في العقود الثلاثة التي حكمت فيها الحركة الإسلامية، وهي فترة كان يمكن، لو أحسن استثمارها، أن تؤسس لدولة قوية ذات مؤسسات راسخة، واقتصاد منتج، ونسيج اجتماعي متماسك. غير أن ما حدث كان نقيضًا كاملًا لذلك الاحتمال التاريخي. فقد دخلت الحركة الإسلامية إلى السلطة محمولة على مشروع أيديولوجي مغلق، لا يرى الدولة بوصفها فضاء مشتركًا للمواطنين، بل أداة للتمكين، ومنصة لتحقيق حلم متخيل بالهيمنة العابرة للحدود، حتى وإن كان ثمن ذلك تدمير الوطن نفسه. وبدلًا من بناء دولة حديثة، جرى تفكيك مؤسساتها من الداخل، وإفراغ الخدمة المدنية من مهنيتها، وتسييس الجيش، وتديين السياسة، وتخريب الاقتصاد، إلى أن تآكلت فكرة الدولة ذاتها في الوعي والممارسة.
وخلال هذه العقود، لم يقتصر الخراب على البنية التحتية أو المؤشرات الاقتصادية، بل طال الإنسان السوداني في جوهره. إذ أعيد تشكيل الوعي العام على أسس الطاعة والخوف والانضباط القسري، لا على قيم المواطنة والحق والمساءلة. وتحت شعارات المشروع الحضاري، تشكلت داخل بنية الحركة كائنات سياسية مشوهة، لا تمت بصلة لقيم الإنسان ولا لمبادئ دولة المدينة التي قامت على العدل والرحمة والمساواة، كائنات مارست الإقصاء بوصفه سياسة، وشرعنت العنف بوصفه ضرورة، واستباحت الكذب والفساد باسم الدين، حتى انقلب ميزان القيم، وصار الفساد فضيلة، والبطش حنكة، والولاء الأعمى بديلًا عن الكفاءة. وفي هذا السياق، لم تعد الدولة أداة لتنظيم المجتمع وخدمته، بل تحولت إلى جهاز قهر، يخوض الحرب ضد شعبه، ويستنزف موارده، ويغلق أفق المستقبل أمام أجياله.
وقد قادت هذه المنظومة الأيديولوجية، المقترنة بوهم السيطرة الشاملة وحلم حكم العالم، إلى إدخال البلاد في حروب داخلية متطاولة، وعزلة دولية خانقة، وانهيار اقتصادي شامل، وتفكك اجتماعي عميق، وصولًا إلى الحرب الأخيرة التي تمثل الذروة المأساوية لمسار طويل من سوء الحكم وانعدام البصيرة. حرب لم تكن قدرًا مفروضًا، بل نتيجة منطقية لمنهج حكم فقد صلته بالأخلاق، وبالواقع، وبالإنسان، حتى بدا ما جرى في السودان، من حيث عمق الدمار واتساعه، فعلًا سياسيًا تجاوز كل سوابقه، وأورد البلاد موارد هلاك فظيعة.
إن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بمن يحكم السودان، بل بكيف يمكن إنقاذ فكرة الدولة نفسها. هل آن الأوان لوعي وطني جديد، يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية، ويفك الارتباط المرضي بالخارج، ويعيد بناء العقد الاجتماعي على أساس المواطنة، والعدالة، والتنمية المتوازنة؟ وهل يستطيع السودانيون تحويل الألم المتراكم، والحرب الجارية، إلى فرصة تاريخية نادرة لتأسيس دولة مكتملة الأركان، لا تقوم على الغلبة، بل على الرضا العام والسيادة الحقيقية؟
في المحصلة، يكشف تاريخ السودان منذ الاستقلال عن مفارقة قاسية: دولة ولدت بوعد الحرية، لكنها عاشت معظم عمرها أسيرة أزماتها الداخلية ومكائد محيطها الخارجي. غير أن التاريخ، مهما طال انسداده، لا يغلق أبوابه نهائيًا. فكما كان الاستقلال فعلًا لإرادة جماعية، فإن إنقاذ الدولة اليوم لا يمكن أن يكون إلا فعلًا وطنيًا واعيًا، يضع الإنسان السوداني في مركز المشروع الوطني، ويعيد الاعتبار للسياسة بوصفها أفقًا للعقل لا أداة للقهر، وللوطن بوصفه قيمة عليا لا تختطف باسم أيديولوجيا، ولا ترتهن لمصالح الخارج. عندها فقط، يمكن للسودان أن يخرج من دائرة التأسيس المؤجل، ويدخل أخيرًا زمن الدولة المستحقة.



