مقالات وآراء

استقلال بلا سيادة: من الوصاية إلى الحرب

عبد العزيز أبو عاقلة

لم يكن يناير 1956 في السودان وعدًا مكتملًا، ولا قمحا بل لحظة جرى الاحتيال عليها مبكرًا. خرج المستعمر، لكن الدولة لم تولد. رُفع العلم، بينما تُركت السيادة بلا حارس سوى بندقية قررت أن تحكم بدل أن تحمي. منذ ذلك اليوم، لم يعش السودان أزمة حكم عابرة، بل عاش في قبضة فكرة واحدة: أن الجيش هو الدولة، والدولة هو الجيش وأن الشعب تفصيل قابل للإرجاء.
منذ أن تذوّق العسكر طعم السلطة من اول انقلاب لهم 17 نوفمبر 1958 لم يعودوا مؤسسة وطنية، بل تحولوا إلى مركز قرار لا يخضع للمساءلة. بل وصاية علي الشعب والوطن لم تكن الانقلابات استثناءات، بل نظام حكم غير معلن. السياسة لم تُقصِ العسكر، بل صودرت منهم، والديمقراطية لم تُمنح فرصة الفشل أو النجاح، لأنها ببساطة لم تكن مسموحة. فالدولة المدنية الديمقراطية تعني نهاية الامتياز، ونهاية الامتياز تعني نهاية الوصاية.
كل مرة اقترب فيها السودانيون من تحول مدني بكل مافيه من ايجابيات وسلبيات و حكم مدني، دوّى جرس الخطر داخل غرف القيادة. أكتوبر وأبريل وديسمبر لم تكن محطات فوضى، بل لحظات كشف: كشفت أن البلاد يمكن أن تُدار بلا جنرالات عسكر ، وأن الشارع قادر على استعادة السياسة من فوهة البندقية. لذلك كان الرد دائمًا واحدًا: الانقلاب، مهما اختلف اسمه أو ذريعته.
ومع كل انقلاب، كان التحالف نفسه يعود إلى الواجهة: الجنرالات والإسلاميون. تحالف مصلحة لا تحالف فكر. الجيش يحتاج غطاءً أيديولوجيًا، والإسلاميون يحتاجون بندقية تعيدهم إلى السلطة. هكذا أُعيد تدوير السلطة ذاتها، لا لبناء دولة، بل لحمايتها من الشعب. لم يكن الهدف يومًا إنقاذ الوطن، بل إنقاذ السيطرة عليه.

وعندما فشل هذا التحالف في إدارة الدولة، قادها إلى أسوأ ما يمكن أن تصل إليه: الحرب. حرب لم تكن قدرًا، بل نتيجة مباشرة لعقلية الانقلاب والوصاية. حين تُدار السياسة بالبندقية، تصبح البندقية هي اللغة الوحيدة الممكنة. وحين تُقصى الدولة المدنية، وخمد اي صوت ينادي ببناء دولة علي أسس جديدة وتخاطب القضايا الأساسية التي هرب منها النخب السياسية والعسكر لا يبقى في الميدان سوى السلاح، يتكاثر بلا ضابط، ويتصارع بلا وطن.
الحرب التي يعيشها السودان اليوم ليست انفجارًا مفاجئًا، بل حصيلة سنوات من تفكيك الدولة لصالح مراكز قوة عسكرية وأمنية، بعضها صُنع عمدًا، وبعضها تُرك لينمو بلا حساب. الجنرالات الذين صادروا السياسة هم أنفسهم الذين فتحوا أبواب الجحيم،هم وحدهم الذين كونوا المليشيات للعمليات القذرة ضد شعوبهم ثم وقفوا يتحدثون عن المؤامرة والفوضى وكأنهم خارج المشهد.
ومنذ اندلاع الحرب، تلاشى أي ادعاء بالوصاية الوطنية. المدن تُدمَّر، الملايين يُهجَّرون، والبلاد تُسحق، بينما يتحدث قادة الحرب بلغة باردة عن السيادة والأمن. لم يُقدَّم مشروع سلام حقيقي، ولا رؤية لإنهاء الكارثة، لأن الحرب في جوهرها أصبحت امتدادًا للسلطة، لا فشلًا لها.
الاقتصاد انهار، المجتمع تمزق بالكراهية والانقسام والإثنية والقبلية البغيضة ، والدولة اختفت تقريبًا، لكن الخطاب لم يتغير. ما زال الجنرالات يتحدثون كأوصياء، وما زال الإسلاميون يبحثون عن موطئ قدم وسط الخراب الذي شاركوا في صنعه. الوطن يُحرق، لكن السلطة تظل الهدف.
هكذا انتقل السودان من وصاية إلى حرب، ومن انقلاب إلى كارثة مفتوحة. لم تعد المشكلة في غياب الديمقراطية فقط، بل في تدمير شروط الحياة نفسها. الاستقلال الذي لم يُستكمل سياسيًا، دُفع ثمنه الشعب السوداني الآن دمًا ونزوحًا وانهيارًا شاملًا.
لكن رغم هذا الخراب، لم تُمحَ الحقيقة: هذه الحرب ليست حرب الشعب، بل حرب من صادروا حقه في السياسة. وصادروا حقه في الحياة وهي لن تنتهي بخطاب عسكري، ولا بعودة تحالف قديم بوجه جديد، بل فقط بكسر دائرة الوصاية والانقلابات ومعالجة تاريخيّة لجذور المشكلة تاريخيا تبدأ من التأسيس المعوج .

يناير لن يستعيد معناه الحقيقي الان لن نحتفي به ما دامت البلاد رهينة بجنرالات وإسلاميين أوصياء ، وما دام الدين يُستدعى لتبرير القتل، وما دام الوطن يُدار كغنيمة. والهوية القاتلة . الاستقلال الحقيقي يبدأ يوم تُنتزع السياسة من السلاح، وتُعاد الدولة إلى أهلها علي أسس جديدة بلا كهانة ويُقال بوضوح: لا وصاية بعد اليوم، ولا حرب باسم الكرامة.

حينها فقط، يمكن لهذا البلد أن يخرج من الحرب، كما خرج يومًا من الاستعمار، إلى دولة تحترم الإنسان كأنسان تستحق اسمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..