مقالات وآراء

حكايات رومانية: ترانيم اعياد الميلاد‎ لاستقبال سنة جديدة

د. عصام محجوب الماحي

عندما تسمع أصوات الرجال والأطفال يقتربون في الشارع ليلة عيد الميلاد، يُنشدون الترانيم القديمة بتناغُمٍ بديع، وعندما ترى ضوء المشاعِل يشُقّ عتمة الليل المُتجمِّدة، والنجمة المنحوتة تتلألأ على الجباه، فاعلم أنّك لا تستمِع إلى مُجرّد أغاني، وإنّما إلى نبض قلب القرية المُتناغِم، إلى الطقوس التي تربُط الأرض بالسماء، إلى التقاليد التي تُحوّل أطول ليلة شتاء إلى أبهى احتفال في العام.
في الماضي، لمْ تكُن الترانيم مشهدًا سياحياً أو مسابقةً للفوز بجوائز، بلْ كان واجِبًا مُقدّسًا، طقسًا يجب احترامه ليحلّ العام الجديد بخير، واجِبًا تجاه المجتمع وتجاه الرب. كان على كل بيت في القرية أنْ يُنشِد – من أغناها إلى أفقرها، من الصغير إلى الكبير. لا يُستثنى أحد، ولا يُنسى أحد.
تبدأ الاستعدادات للترانيم قبل أسابيع. صبية وشباب القرية ورجالها يجتمعون كل مساء في منزل أكبرهم سِنًا – شيخ القرية، قائد المجموعة. يتعلّمون ترانيم الميلاد – نصوصها الطويلة، وألحانها المُعقّدة، وتناغُمها مع أربعة أو خمسة أصوات. لمْ تكُن هناك نوتات موسيقية مكتوبة، وكل شيء يجري تعلّمه شفهيًا، سماعيًا، من كل جيل، من الذي سبق الى الجديد.
الترانيم الميلادية، هي في الاصلِ شِعرًا قديمًا، يعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين. تحدّثت عن ميلاد المسيح، وعن الرُعاة عند المذود، وعن النجم الذي أرشد المجوس. لكِنّها تحدّثت أيضًا عن الطبيعة – عن الغزلان والذئاب، وعن أشجار التنوب والبلوط، وعن الشمس والقمر. كانت مسيحية، لكنها احتفظت بجذور وثنية، تُذكّر بالزمن الذي كان الرومانيون يُنشدون فيه للشمس وخصوبة الأرض.
النجمة، الرمز المركزي للترنيمة، كانت تُصنع من شرائح خشبية، تُشكّل نجمة سداسية أو ثمانية الرؤوس، مُغطّاة بورق ملون أو ورق قصدير لامِع. في المُنتصف، أيقونة الميلاد. وفي الزوايا، شموع أو مصابيح كهربائية. كل شيء مُثبّت على عمود طويل، يحمِله أصغر فرد في المجموعة – الطفل الذي يحمل النور على جبينه.
في ليلة عيد الميلاد، عندما تغيب الشمس ويحلّ الظلام على القرية، يتجمّع المنشدون. يرتدون ملابس أنيقة – ملابس تقليدية أو على الأقل أنظف ما لديهم. يأخذون معهم معاطِف فرو سميكة، لأنّ الليل طويل والبرد قارِس. يُشعلون مشاعلهم – أغصان جافة مُشبّعة بالصمغِ، تحترِق بلهبٍ بُرتقالي ودخان أسود. ثُمّ ينطلقون.
أوّل منزِل يصلون إليه دائمًا منزِل الكاهِن. هناك يتوقّفون، ويشكِّلون نِصف دائرة عند البوابة، والنجمة أمامهم مرفوعة عاليًا. يسأل شيخ القرية أصحاب المنزل: “تقبلون الترتيلة؟”، فيجيب الكاهن: “تقبلونها بفرح!”، ثم تبدأ الموسيقى.
أصوات الرجال – عميقة، عميقة، قوية – تُنشد المقطع. أصوات الأطفال – صافية، عالية، نقية – تُجيب في جوقة. التناغُم مثالياً، مُكتسباً بالتِكرار حتّى أصبح فطرياً. ليس هناك آلات موسيقية، فقط أصوات بشرية تتداخل في أنماط مُعقّدة توارثتها الأجيال. وكل شيئ يجري نقياً، بسيطاً، مُقدساً.
تستمرّ الترانيم طويلاً، عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة لكل ترنيمة. ليس هناك تسرُّع، ولا سطحية. يُغنَّى كل مقطوعة بإخلاص، وتُنْطَق كل كلمة بوضوح، وتُرَدّد كل نغمة حتى النهاية. المُضيف يستمِع من الشرفة أو العتبة، تارِكاً البرد يدْخُل ولا يغلق الباب، حتّى لا يجرح خاطر المُنْشدين.
عندما تنتهي الترانيم، يخرُج المُضيف بالهدايا: معجِّنات، لفائف فطائر، تُفّاح، مُكسّرات، حلويات، نقود للفقراء منهم الذين لا يملِكون شيئاً، براندي للرجال ليدفئوا أنفسهم. كل ما قدّمه يقابل بامتنان ويُضع في حقائب كبيرة يحملها الأطفال على أكتافهم. لا يُرفض شيء، حتى أصغر هدية كانت علامة احترام ومشاركة في الطقوس.
يستمرّ المُنشدون في ترديد الترانيم، بيتًا بيتًا، وبوابةً بوابة. أصواتهم تُسمع من بعيد، تُعلن لأهل البلدة قدومهم. تنبح الكلاب، ويركض الأطفال لاستقبالهم، ويخرج كبار السن إلى عتبات منازلهم يستمعون بقلوبٍ مُغمضة. المشهد كأنّه حفل فِرقة موسيقيٍّة تجوب أرجاء القرية، جالِبة الفرح والبركة في كلّ مكان.
في الاعتقاد الشعبي، كان للترانيم قوى سحرية تحمي من الموت. فالبيت الذي لا تُنشد فيه الترانيم يبقى بلا حماية طوال العام، إذ يُمْكِن للأرواح الشريرة أنْ تدخُله، وتتراكم فيه المصائب. لذلك، كان حتّى أفقر الناس يخرجون حاملين شيئًا ليُقدّمونه، ولو كان رغيف خبز أو بضع تفاحات. الكمّية ليست مُهِمة، بلْ اللفتة الطيبة، فاستقبال المنشدين يعني تلقّي البركة.
الأطفال الذين يشاركون في الترانيم يتعلّمون دروسًا قيّمة في الحياة. يتعلّمون الترانيم، مُرتبطين بتقاليد وتاريخ أهلهم. يتعلّمون العمل الجماعي، فكل صوتٍ مُهِم، ولا يُمكن لأحدٍ أنْ يغيب دون أنْ يُشعر به. يتعلّمون الاحترام، كيف يتصرّفون في بيوت الناس، وكيف يشكرون على الهدايا. يتعلمون التحمُّل – يمشون لساعات في البرد والثلج، دون تذمّر.
تستمرّ ليلة الترانيم حتّى الفجر. وآخر منزل يُرنّم فيه عادةً منزل أغنى رجل في القرية، أو منزل عُمدة مجلس البلدية. وهناك، تُقام وليمة كبيرة – مائدة عامِرة بالطعام والشراب لجميع المُتْشدين. يأكلون ويشربون، ويعدّون الهدايا التي جمعوها، يقسمونها بينهم وفقًا للقاعدة المُتّبعة – المزيد للفقراء، والقليل للأغنياء، وجزء للكنيسة، وجزء لمّن صنع النجمة.
في صباح عيد الميلاد، تستيقظ القرية مُرهقة لكن سعيدة. كانت الترانيم ناجحة، ونالت جميع المنازل البركة، وشعر المجتمع بالوحدة. نام الأطفال حتّى وقت مُتأخِّر، يحلمون بالهدايا التي تلقوها. يذهب الرجال إلى قداس عيد الميلاد بأصوات مُبحوحة لكن بقلوب مُفعمة بالفرح. القرية تدخُل العام الجديد مُستعِدّة له، مُحصّنة ومُباركة.
في المُدنِ، تجوب فرق مُنظّمة الشوارع، تُغنّي عبر مكبرات الصوت، وتطلُب المال لا الهدايا. بدأت تتلاشى التقاليد حتّى في القُرى التي يرحل منهالالشباب إلى المدينة، ويرحل كبار السِن دون أنْ ينقلوا للاجيال الجديدة الترانيم كاملة ويورِّثونها لهم، ويشغِل التلفاز والإنترنت الأنظار. لكن في القرى النائية، في المجتمعات التي لا تزال تُقدّر التقاليد، تعيش الترانيم بصِدق.
هناك، في ليلة عيد الميلاد، حين يشتدّ البرد وتتألّق النجوم في السماء، تعود الأصوات للارتفاع. ترانيم قديمة، تُغنَّى كما غُنيت لقرون، تحمِل الرسالة نفسها من الفرح والأمل. يُنير النجم الطريق في الظلام، وتتوهج المشاعِل بلونٍ بُرتقالي، وتتداخل الأصوات في تناغُمٍ بديع. لبضع ساعات، يتوقّف الزمن، وتختفي الحداثة، وتعود القرية إلى ما كانت عليه دائمًا – مجتمعًا موحدًا في الإيمان والتقاليد.
تُعلِّمنا الترانيم معنى الجماعة والاستمرارية. تُظهر لنا أنّ الأعياد الحقيقية لا تُقضى في عُزلة أمام التلفاز، بلْ معًا، ننتقِل من بيت إلى بيت، نتشارك الفرح. يذكِّرنا هذا بأنّ التقاليد ليست مُجرّد آثار متحفية جامِدة، بلْ هي حيّة ما دُمنا نحترمها وننقُلها للأجيال القادمة. ويخبرنا ذلك أنّ أجمل هدية في عيد الميلاد ليست شيئًا يُشترى من متجر، بلْ صوتك يمتزج بأصوات الآخرين، يُنشدون الترانيم القديمة تحت سماء باردة.
عندما تسمع المنشدين – سواء في الشارع أو الزقاق أو على التلفاز – توقّف. أنْصُت جيدًا، لا كخلفية صوتية، بل كشيء مُهِم. حاول أنْ تلتقِط الكلمات، وأنْ تشعُر بالتناغُم، وأنْ تفهم الرسالة. إذا طرقوا بابك، استقبلهم بفرح، وقدّم لهم ما تستطيع، واشْكُرهم على إحياء التقاليد. ورُبّما، إنْ كان لديك أطفال، علّمهُم بعض الترانيم – ليس من كتاب، بلْ شفهيًا، ليعتادوا عليها. وهكذا، تستمرّ التقاليد، وفي كُلِ الاعوام القادِمة، في ليلة عيد الميلاد، سترتفِع الأصوات من جديد، تُنشد الترانيم نفسها التي نُنشدها اليوم، والتي أنشدها الأجداد أمس، بلْ مُنذ قرون.

د.عصام محجوب

بوخارست – رومانيا
1 يناير 2026
؛؛؛
حكاية وجدتها في صفحة رومانية بتطبيق فيسبوك باسم (IBMFamilyEdits)، اعجبتني، ارتحت لها، ترجمتها ووضعت لها عنوان “حكايات رومانية: ترانيم اعياد الميلاد‎ لاستقبال سنة جديدة..”. أدناه رابِط النصّ الاصلي:

https://www.facebook.com/share/1BZkVFme7d/?mibextid=wwXIfr

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..