هل تُمحى الثورة من ذاكرة الأطفال؟ حذف دروس ديسمبر يشعل الجدل في السودان

في بلد يعيش واحدة من أكثر لحظاته السياسية اضطرابًا، جاء قرار وزارة التربية والتوجيه بولاية كسلا بحذف مضامين مرتبطة بثورة ديسمبر من مناهج المرحلة الابتدائية ليكشف عن صراع يتجاوز ساحات القتال، ويمتد إلى قلب المدرسة، حيث يُعاد تشكيل الوعي العام من بوابة التعليم. فبينما تتواصل الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، يبدو أن المعركة على الذاكرة والرموز قد دخلت فصلًا جديدًا، يستهدف الأجيال الناشئة في لحظة فارقة من تاريخ السودان الحديث.
القرار، الذي صدر عن الإدارة العامة للتعليم الابتدائي في كسلا، ووجّه إلى مديري التعليم بالمحليات، تضمّن حذف دروس ووحدات دراسية من كتب اللغة العربية والقراءة للصفوف الثالث والرابع والخامس، أبرزها درس بعنوان «حرية، سلام، وعدالة» من الصف الرابع، وموضوع التعبير عن ثورة ديسمبر من الصف الثالث، إلى جانب حذف وحدة «وطني» من ذات الكتاب. وقد استند القرار إلى مخرجات لجنة مختصة دون أن يُرفق بأي شرح تفصيلي للمعايير التي اعتمدتها، ما أثار موجة من التساؤلات حول خلفياته السياسية والتربوية.
ويأتي هذا التعديل في سياق أوسع من إعادة صياغة المناهج التعليمية، حيث أورد التعميم أيضًا توصيات بشأن تدريس مادة الحاسوب، أقر فيها بأن المنهج عملي بطبيعته لكنه يُدرّس نظريًا بسبب شح الإمكانيات، مع اقتراح تنظيم رحلات إلى مراكز الحاسوب متى توفرت، وهي إشارة إلى الفجوة العميقة بين التصور النظري للمناهج والواقع الميداني للمدارس السودانية، خاصة في المناطق الطرفية.
لكن ما أثار الجدل الحقيقي هو الطابع الرمزي للمضامين المحذوفة، إذ رأى ناشطون ومعلمون أن حذف شعارات الثورة من المناهج يمثل محاولة لإقصاء قيم الحرية والسلام والعدالة من الوعي الجمعي للأطفال، في وقت يُعد فيه التعليم أحد أهم أدوات ترسيخ الهوية الوطنية. وكتب أحد الثوار في تعليق غاضب: «ديسمبر تجري مجرى الدم في قلوبنا… أولادنا استوعبوها من مشاهداتهم لطغيانكم وجبروتكم… وليس من الكتب»، وهو تعبير عن شعور واسع بأن الثورة لم تكن مجرد حدث سياسي، بل لحظة تأسيسية في وجدان السودانيين.
ويعيد هذا القرار إلى الواجهة سؤالًا قديمًا حول العلاقة بين التعليم والسياسة في السودان، إذ لطالما كانت المناهج الدراسية ساحة لتجاذب القوى المتنازعة، من الإسلاميين إلى القوميين إلى دعاة التغيير المدني. ومع اندلاع الحرب الشاملة في البلاد، يبدو أن هذه المعركة قد انتقلت إلى مستوى جديد، حيث يُعاد تعريف ما يُدرّس للأطفال وفقًا لاعتبارات أمنية وسياسية، لا تربوية أو معرفية.
وتتزايد المخاوف من أن يكون هذا القرار مقدمة لعودة مناهج النظام السابق، التي طالما وُصفت بأنها أيديولوجية وتلقينية، لا تراعي التنوع الثقافي واللغوي في السودان، ولا تستجيب لمعايير التعليم الحديثة. وفي ظل غياب توضيحات رسمية شاملة من وزارة التربية بكسلا، يظل الشارع السوداني في حالة ترقب، وسط دعوات لإعادة النظر في القرار، وضمان أن تبقى المدرسة مساحة لتعليم القيم، لا لإقصائها.
ففي بلد تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الانقسامات الاجتماعية، يصبح التعليم أكثر من مجرد محتوى دراسي، بل أداة لإعادة بناء الدولة أو إعادة إنتاج أزماتها. وما جرى في كسلا ليس مجرد تعديل في كتاب مدرسي، بل مؤشر على اتجاهات أعمق، تتطلب نقاشًا وطنيًا واسعًا حول مستقبل التعليم، ودوره في تشكيل مواطنين قادرين على فهم تاريخهم، والمشاركة في صياغة مستقبلهم.



