مقالات وآراء

من حكايات التقاليد في رومانيا: معمودية الحصان قبل الإنسان!

 

اليوم،السادس من يناير، يحتفِلالمسيحيونالأرثوذكس والكاثوليك بعيد الغطاس، الذي يعرفأيضابعيد معمودية الرب أو عيد الظهور الإلهي. يرمز هذا العيد إلى معمودية المخلص يسوع المسيحفينهر الأردن على يد القديس يوحنا المعمدان.

ويختتم هذا العيد دورة أيام العطلات الشتوية الاثني عشر التي تبدأ ليلة عيد الميلاد.

؛؛؛…؛؛؛

بيدأنّه،في قُرى جنوب رومانيا، يسود عُرفٌ غير مكتوب في عيد الغطاس: تُعمّدالحصينأولًا، ثُمّيُعمّد الناس.وفي السادس من يناير، تُقام “معمودية الخيول”،وهياللحظة التي تُبارَك فيهاهذهالحيوانات.

بالنسبةللفلاحين في الماضي، لَمْ يكُنْ الحصان مُجرّد حيوان أليف، بلْكان عِماد المنزل. فبدونه، كان المرء يموتجوعًا. لمْ يكُنْ بإمكانه حرث الأرض، أو نقل الحطب، أو حتى الذهاب إلى السوق. لذلك، كانت رعايتهوالاهتمامبه مسألة حياة أو موت.

كانيُعتقد أنّ الماء الذي يجري تقديسه فيالكنيسة في هذا اليوم يحمي الحصان من الأمراض والذئاب والحوادث طوال العام.

تبدأ الاستِعداداتقبليوم. ينظِّفكلمالِك حصانه بعناية فائقة.وبرغمالبردالشديد،يغسِلهبالماء الدافئلإزالة كل الطين والأوساخ المُتراكِمة. ثُمّ يُمشّطه ويُفرِّشه لساعاتحتّىتبدأ فروته باللمعان تحت شمس الشتاء.

تُضفّر أعراف وذيول الخيول في عشرات الخُصلات الرفيعة، تُربط كل خُصلة بشرائط حمراء وجديلة من الصوف. اختيار اللون الأحمر ليسعملاًعشوائيًا، فهو اللون الوحيد الذي يُعتقد أنّه يطرُد العين والقوى الشريرة. يُعتبر الحصان غير المربوط بشرائط حمراء،حصانًاغير محمي.

فيصباح السادس من يناير، تستيقظ القرية قبل الفجر.يرتديالرجال ملابسهم الاحتفالية، ولكن ليس تلك الأنيقة جدًا، لأنّهم سيركبون الخيول في الوحل أو الجليد. تبقى النساء في منازلهن،فمهرجان“معمودية الخيول” احتفال ذكوري بحت،واستعراض للقوة والسيطرة على الحيوان.

حوالي الساعة التاسِعة، عندما يُنهي الكاهِن قدّاس عيد الغطاسداخلالكنيسة، يأخُذ صليبه، ومرجل الماء المُقدّس، وحزمة كبيرة من الريحان.

يخرُج أمام الكنيسة حيث ينتظره أكثر من أربعين حصانًا، كل حصان يمسِكه صاحبه أو الابن الأكبر للعائلة.

تشعُر الحيوانات بالتوتُّر. بعضها يصهل بعصبية، والبعض الآخر يدقّ بحوافِره. كثرة الخيول في مساحة ضيقة تُثير غريزة القطيع.يمسِك أصحابها اللجام بإحكام، ويتحدّثون إليها بهدوء لتهدئتها.

يبدأ الكاهِن الصلاةوالدُعاء. يتردّد صدى صوته في هواء يناير البارد. الكلمات باللغة السلافية القديمة، لا يفهمها أحد تمامًا، لكن الجميع يدرِك معناها: البركة، والحماية، والقوّة للعام القادم.

يخلع الناس قُبّعاتهم، ويرسمون إشارة الصليب، لكن أنظارهمتبقىعلى الخيول. ثُمّ يغمِس الكاهِنباقةالريحان في الماء المُقدّس ويبدأ بالرشِّ.ينتقِلمن حصان إلى آخر، ويرشّ كل حيوان ثلاث مرّات: على الرأس، على الظهر، ومرّة ​​على الصدر. يلامِس الماء البارد الحيوانات، فتفزع، ويحاولبعضهاالتراجُع، لكن أصحابها يمسِكون اللجام بقوّة.

فيهذه اللحظة، يقول شيوخ القرية إنّ تحوّلًا يحدُث.لمْيعُد الحصان مجُرّد حيوان، بلْ أصبح رفيقًا مُباركًا، تحميه قوى لا يراها الإنسان لكن يشعر بها. إنّها اللحظة التي يرتبِط فيها الحيوان ومالكه برِباط روحي يمتدّ لعامكامل. لكن الطقوس الحقيقية تبدأ بعد عودة الكاهِن إلى الداخل.

ما أنْ تُغلق أبواب الكنيسة،حتّىينكسِر الصمت. يقفِز الشاب الأول على السرج ويقود الحصان نحو الحقل. يتبعه الثاني على الفور،ثُمّالثالث.فيغضون ثوانٍ، ينطلِق أكثر من أربعين حصانًا في وقت واحد نحو أطراف القرية.

هذا هو السِباق المجنون،واللحظة التيينتظِرهاالفتيان طوال العام.لاتوجد قواعِد، ولا مسار مُحدّد، ولا جوائز.لايوجد سوى الفخر واستعراض القوة. الكل يريد أنْ يُظهر بأنّ لديهأقوىوأسرع وأفضل حصان في القرية.

يمتدّ مسار العدو لمسافة كيلومترين تقريبًا،عبرالحقول المُتجمِّدة أو الموحلة على أطراف القرية.

في يناير،تكونالأرض وعرة.جليدفي الأخاديد، وطين تحت الثلج، وحفر مخفية، وصخور مدفونة. قد ينزلقالحصانفي أي لحظة. خطوة خاطئة واحدة، وقديسقُط.

وهنا تبرُز الخُرافة الأكثر قتامة: إذا سقط حصان أثناء العدوفييوم“معموديةالحصان”، فسيُعاني صاحبه من سوء الحظ والخسائر طوال العام. وبرغم أنّه مُجرّد اعتقاد نظري،يرى الفلاحون في ذلك إشارات بأنّالمحصول سيكون ضعيفًا، وستمرض الحيوانات، وسيعاني الأطفال، ولنْيأتْالمال.

يُعتبر سقوط الحصانيوم“معموديةالخيول” نذير شؤم يُطارد العائلة طوال العام.لهذاالسبب، يمتطي الجميع خيولهم بحماس شديد. يريدون الركض بسرعة لإظهارقوتهم، ولكن ليس بسرعة كبيرة خشية التعرض لحادث. إنّه توازندقيقبين الكبرياء والخوف، بين الرغبة في الفوز ورعب الخسارة.

يقف المتفرجون على جانبي الطريقيصفِّقونويهتِفون ويشجِّعون.النساءيخرجنمن منازلهن ويشاهدن من بعيد. الأطفاليركضونخلفالخيول بأقصى سرعة. يجلس كبار السن على المقاعد أمام المنازل ويعلقون قائلين: “حصان جورجي أفضل من العام الماضي”؛ “إيونيضغط على حصانه بشدة، سيسقط”؛ “حصانفاسيليالأجمل، لكنه ليس الأسرع”.

بعدحوالي عشر دقائق، تبدأ الخيول بالعودة.بعضهالا يزال يركض، وبعضها يهرول، وقليل منها يمشي مُنهكًا.وجوه أصحابها مُحمرّة من الجهدوالحماس، وملابسهم مُلطّخة بالطين، لكنّهم يبتسمون. لقد اجتازوا الاختبار. لَمْ تسقُط خيولهم. سيكون هذا العام جيدًا،مليئاًبالخير.

وراء هذه الطقوس يكمن شيءأقدمبكثير من المسيحية.كان لدىالتراقيين، الشعوب القديمة التي سكنت مُنذ آلاف السنين منطقة تراقيا وتحدُثت اللغةالتراقية، وهي شعوبهندوأوروبيةعاشت في مناطق تشمل اليوم بلغاريا ورومانيا وتركيا واليونان ومولدوفا، وكان لديهم آلهةخاصة بهم مثل “سابازيوسو”كوتيس“، وكانت ضمنشعائرهم، عبادة الحصان.كان الحصان مُقدّسًا، ويُعتبررسولًابين عالم البشر وعالم الآلهة.

عندماظهرت المسيحية، لَمْ تستطع الكنيسة القضاء على هذا الاعتقاد الراسِخ.وبدلًا من حظر الطقوس، قام الكهنةبتكييفها،وضعواعليها بركة مسيحية،وحوّلواعبادةالتراقيينإلى تقليد أرثوذكسي.بيدأنّالجوهر ظل كما هو: الحصان مُميّز، ويجِب حمايته، وهو حلقة الوصل بين الإنسان والقوى التي لا نفهمها.

اليوم، لا يزال تقليد “معمودية الخيول” قائماً في القُرى التي ما زال أهلها يربّون الخيول، لا للمتعة أو الرياضة، بل للعمل. في أماكن لَمْ تصلها الجرارات بعد، أو حيث التضاريس وعرة للغايةعليهاوعلىالميكنةعموماً.فيقُرى لا يزال التقويم الزراعي فيها يُملي نمط الحياة، ولا تزال مباركة الحيوان رمزاً للبقاء.

فيهذه القُرى، في السادس من يناير، عندما يرُشّ الكاهِن الحصان بالماء المُقدّس، وينطلِق الصبية بحماس عبر الحقول المُتجمِّدة، لا يُحْتَفَل بتقاليد راسِخة فحسب، بلْ بالرابِطة العريقة بين الإنسان والحيوان، بين العمل والإيمان، بين البقاء والطقوس.

د. عصام محجوب

بوخارسترومانيا

6يناير 2026

؛؛؛

حكايةوجدتها في صفحةرومانيةبتطبيق فيسبوك باسم (IBMHamilyEdits)،ترجمتها ووضعت لها عنوان “من حكايات التقاليد في جنوب رومانيا.. معمودية الحصان قبل الأنسان!“.أدناهرابِطالنصّ الأصلي:


https://www.facebook.com/share/1Bz1FZ9Vyo/?mibextid=wwXIfr

 

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..