مقالات وآراء

لغة الواثق كمير: كتابة تقييم في منطقة الوعي وعلى تخوم الفكر

م. معاوية ماجد

اللغة في الكتابة السياسية ليست مجرد أداة تقريرية محايدة، بل فضاء تتشكل فيه الفكرة وتُختبر فيه الرؤية، وبها يتحول الموقف السياسي إلى خطاب ذي معنى وأثر. فهي وعاء للوعي ووسيط للتأثير في المجال العام، تصوغ الفكرة بقدر ما تشرحها، وتمنح النص نبرته الأخلاقية والجمالية. تقوم لغة الكاتب السياسي على الدقة والاقتصاد والوضوح، مع انفتاح محسوب على البلاغة، بما يمنعها من السقوط في التهييج أو الغموض. وقد أدرك الجاحظ أن قيمة القول في حسن تأليفه، بينما نبه جورج أورويل إلى أن انحراف اللغة يفضي إلى انحراف المعنى السياسي. وعليه، فإن إتقان اللغة وتحقيق التوازن بين العقلانية والتأثير الجمالي شرط لازم لفاعلية الكتابة السياسية.
أما الحديث عن لغة دكتور الواثق كمير، فإنه يقتضي بحثًا دقيقًا ومسائلة مستمرة، لأنها ليست مجرد أسلوب كتابي، بل صيغة وعي متكاملة تتجسد فيها تجربته الفكرية والشخصية والاجتماعية والسياسية. بعد الغوص في تجربته، ارتأيت أن تكون هذه اللغة خاصة به، لا تشبه غيرها، وسميتُها “اللغة الواثقية”، لتعكس خصوصيتها وفرادتها، وقدرتها على الجمع بين التحليل النقدي والوعي الاجتماعي، وبين الإيقاع الأدبي والحس الأخلاقي. دراسة اللغة “الواثقية” تتطلب فهم كيف تتحول الكلمات عنده من مجرد تعبير إلى وسيلة للتحليل، والتكشيف، والتأثير في الوعي، وكيف يصبح الخطاب عنده أداة لاستكشاف البُنى الاجتماعية والسياسية، وفهم الإنسان والمجتمع في آن واحد.
لغة الواثق كمير، بهذا المعنى، تمثل نموذجًا حيًا لهذا التوازن بين الفكر والوعي، بين التحليل والتجربة، وبين الدقة العلمية والحس الإنساني، بحيث لا تنفصل الفكرة عن حاملها الاجتماعي، ولا تنعزل اللغة عن شرطها الأخلاقي. من هنا تبدو الكتابة عنده فعلاً كاشفة، لا يكتفي بوصف الظواهر، بل تسعى إلى تفكيك بنياتها العميقة، وإعادة تركيبها في أفق أوسع للفهم.
يتصل هذا التكوين اللغوي المبكر بسياق عائلي واجتماعي لعب فيه عنصر الذاكرة دورًا مركزيًا. فقد كانت الجدة، التي حمل اسمها لاحقًا بوصفه اسمًا عائليًا “كمير”، نافذته الأولى على عالم المعرفة. لم تكن مجرد حاضنة وجدانية، بل راوية للحكايات العميقة، تلك التي لا تكتفي بالسرد، بل تبني المعنى وتغرس السؤال. في فضاء تلك الحكايات تشكل وعيه الأول بالزمن، وبالخير والشر، وبالعدالة والظلم. جمعت الجدة بين الحزم والحنان، فكان لذلك أثره العميق في شخصيته، وفي لغته لاحقًا، حيث يظهر الانضباط دون جفاف، والتعاطف دون تسيب.
أما والده محمد حاج الخضر علي كمير، فقد انتمى إلى عالم التجارة، وصنع لنفسه مكانة راسخة في الخرطوم، وكان يشار إليه بمكانته بوصفه كـ«سِـر تُجّار» لمنطقة الخرطوم. لم يكن هذا الوصف لقبًا اجتماعيًا بقدر ما كان اسمًا لمنظومة قيم كاملة، تقوم على الدقة، وحفظ العهود، واحترام الزمن، والقدرة على إدارة العلاقات دون صخب. في هذا الإرث تعلم الواثق باكرًا أن الميزان ليس أداة حساب فحسب، بل مبدأ في النظر إلى الناس والأشياء.
وقد وجد هذا التكوين صداه في نشأة دكتور الواثق داخل مجتمع الخرطوم، بوصفه فضاءً مدينيًا مفتوحًا على التعدد والتجاور الإنساني، حيث تلتقي الخلفيات الاجتماعية دون حواجز صلبة. في هذا الوسط تعلم مهارات الإصغاء، وفهم الاختلاف، وبناء العلاقات خارج الانتماءات الضيقة. وكانت اللغة اليومية، بما تحمله من مرونة وثراء، جزءًا من تكوينه التعبيري، فأسهمت في تشكيل حس لغوي يجمع بين الفصاحة، والقدرة على مخاطبة الناس دون تعال.
كانت أمه كذلك، رحمها الله، قلب البيت النابض وروحه الطيبة، عنوانًا للحنان والدفء، ومرحابةً بالضيوف من الأهل والأصدقاء. في كل ركن من أركان المنزل، كانت آثار محبتها تلمس القلب: صوتها الناعم يملأ الصباح بالطمأنينة، وابتسامتها الصافية تزرع الأمان في النفوس. علمته كيف يكون الإنسان متسامحًا مع ذاته ومع الآخرين، وكيف تتحول البساطة في العطاء إلى قوة ساحرة تشد القلوب إليه.
لم تكن الأم مجرد حضن يضم، بل كانت مدرسة للحياة، تعلمه الصبر، وتحترم الإنسان في جوهره، وتزرع فيه القيم التي تجعله يقف شامخًا بين الناس، متفهمًا لآلامهم وأفراحهم. كل موقف اجتماعي، وكل شعور وجداني، كان لها بصمة فيه، حتى صار حضوره بين الناس صدى لمبادئها، وامتدادًا لروحها الطيبة التي لم تفارقه يومًا.
في حضنها، تعلم دكتور الواثق معنى الوفاء، وفي عينيها، رأى حقيقة الإنسانية، وفي كلماتها، اكتسب قدرة على الإصغاء والفهم قبل أن يتحدث. كانت الأم، بحق، شاعرية الحياة التي لا تنتهي، وأثرها باقٍ في قلبه وعقله وروحه، كما لو أن كل نبضة فيه تحمل صدى حنانها الأبدي.
وامتدادًا لهذه المشاعر، الواثق يملك عشقًا عميقًا للأغنية السودانية، يغوص في خباياها كما يغوص الباحث في أسرار المعرفة، فيستخرج منها لآلئها النادرة ويعيد صياغتها في روحه قبل أن تنساب على لسانه. وعندما يتغنى بها، يصبح صوته جسرًا يعبر بالسامعين إلى آفاق بعيدة، فيطرب كل من يجلس حوله، من الأسرة إلى الأصدقاء، فتخفق القلوب مع أنغامه، وتتمايل الأرواح على رقص الحروف والوتر.
وجاءت خلفيته الرياضية كذلك لتكمل هذا التكوين. فقد كان ناشطًا في كرة القدم، وتنقل بين أكثر من فريق، في منطقة الخرطوم جنوب. في الرياضة تعلم العمل الجماعي، والانضباط، وقبول الخسارة قبل الاحتفاء بالنصر، وهي خبرة تجلّت لاحقًا في لغته التي تميل إلى العقل الجمعي لا البطولة الفردية، وإلى الفعل المشترك لا الصوت الأحادي.
في جامعة الخرطوم، حيث درس علم الاجتماع، دخل الواثق مرحلة التكوين العلمي المنهجي. هناك تتلمذ على يد أساتذة شكلوا، كل من موقعه، تخومًا معرفية أساسية في تشكّل لغته:
دكتور أحمد الشاهي: انفتح على الأنثروبولوجيا بوصفها قراءة في الحياة اليومية، لا علمًا يراقب المجتمع من عل.
دكتورة رضا حبيب عبدالله: تعلم أن علم الاجتماع ليس توصيفًا محايدًا، بل مساءلة أخلاقية للبنى الاجتماعية.
دكتورة فهيمة زاهر سرور الساداتي: أدرك أن المعرفة تتقاطع مع تاريخ الجسد والمجتمع والنساء، وأن التفكير الاجتماعي لا ينفصل عن موقعه الاجتماعي.
دكتور محمد أحمد عبد الغفار: اتسعت رؤيته للعلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين الدولة بوصفها بنية، والسياسة بوصفها ممارسة.
دكتور عباس أحمد: تعلم قيمة التنظيم المعرفي وتقنيات التعليم بوصفها أدوات لصياغة الوعي.
دكتورة بلقيس بدري: فتحت أمامه أفقًا واسعًا لفهم قضايا المرأة بوصفها جزءًا عضويا من مشروع التحديث الاجتماعي.
دكتورة سامية الهادي النقر: كشفت له البعد الحقوقي للمعرفة، وارتباطها بالمجتمع المدني، والنضال اليومي من أجل العدالة.
وخلال اشتغاله ببحثه الميداني لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه، انتقل الواثق من فضاء التنظير إلى تماس مباشر مع المجتمع الحي، حيث درس مجتمع النوير بوصفهم بنائين في مجال التشييد المعماري، والعمال الشماليين في مصانع الخرطوم بحري، عاقدًا مقارنة سوسيولوجية دقيقة لا تبحث عن الفروق السطحية، بل عن شروط العمل، وبُنى السلطة، وعلاقات الإنتاج، وطرائق تشكل الوعي داخل الفضاء الحضري. ومن هذه التجربة بدأت تتشكل لديه أسئلة جديدة حول الدولة، والعدالة، وتوزيع الفرص، بوصفها وقائع يومية ملموسة.
التقى الواثق بزوجته دكتورة زينب البكري أثناء دراستهما في جامعة الخرطوم، في ذات كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، حيث كانا زميلين في الدراسة. وسرعان ما تطورت علاقتهما لتصبح شراكة حياتية قائمة على الاحترام المتبادل، والوعي المشترك بالقضايا الفكرية والاجتماعية.
زينب البكري خبيرة في مجال التنمية، تحمل الجنسيتين السودانية والكندية، ولديها خبرة واسعة ممتدة، تحمل الكثير من الكسب الفاعل في مفاصل العمل. بدأت مسيرتها الأكاديمية كمحاضرة أولى في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بجامعة الخرطوم، بالتزامن مع توليها إدارة برنامج المرأة والتنمية. ثم شغلت مناصب قيادية في البنك الأفريقي للتنمية بين عامي 1991 و2009، بما في ذلك مدير التنمية الاجتماعية ونائب الرئيس لعمليات القطاعات، كما شاركت في لجان التفتيش للبنك الدولي ولجنة مراجعة الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا.
والدها، الدبلوماسي والمفكر والكاتب د. بشير البكري، وُلد عام 1918 بأم درمان، ونشأ في شارع السيد علي الميرغني، أحد شوارع الزعامات السياسية والاقتصادية في العاصمة. درس في المدارس المحلية ثم في جامعة القاهرة، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد من السوربون، وعمل في الصحافة والإذاعة، ثم شغل مهامًا دبلوماسية كسفير لفرنسا، وحصل على أرفع الأوسمة الدولية.
لقد كان الحوارُ العميق والمستمر مع والدها، واحدة من تخوم الفكر المبكرة للغة الواثق ، ونافذةً واسعة استضاء بها الواثق كمير، فاستفاد كثيرًا من هذا التبادل الفكري الغني، الذي صاغ رؤيته وفهمه العميق للديناميات الاجتماعية والسياسية، وجعل معرفته أداةً للتأمل والتحليل الأخلاقي والاجتماعي.
إبان دراسته الجامعية، بدأت رحلات الواثق كمير إلى الجنوب، ومن ثم إلى بريطانيا وغالب الدول الأوروبية، حيث كانت هذه الأسفار امتدادًا لتجربته الأكاديمية والمعرفية، وفضاءً لاختبار اللغة والفكر في ظروف متنوعة، تعلّم فيها أن كل مكان يحمل تجربة فكرية ولغوية فريدة، وأن الكلمة تتشكّل بحسب المكان والزمان، وتتأثر بالتفاعل مع الآخر.
مع زوجته، امتدت الأسفار لتشمل غالب الدول الأفريقية، وتحديدًا ساحل العاج، حيث أقام الواثق فترة في عاصمتها الاقتصادية والثقافية، أبيدجان. تشتهر أبيدجان بمزيجها الساحر من الحداثة والطبيعة، وجُزُرها الخضراء وأسواقها النابضة بالحياة، ما خلق لدى الواثق تجربة حسية وفكرية غنية، انعكست في لغته “الواثقية” من خلال القدرة على مزج الإحساس بالمكان مع التأمل والتحليل العميق. كما شملت أسفاره غالب الدول العربية في رحلات مهنية وأكاديمية متعددة، لتصبح هذه التنقلات جزءًا من تجربة معرفية مشتركة، صقلت وعيه الاجتماعي والسياسي، وأثرت في لغته.
وأخيرًا، استقر المقام في كندا، بمدينة تورنتو، أكبر مدن البلاد وأكثرها تنوعًا ثقافيًا، وتقع على ضفاف بحيرة أونتاريو. تتميز تورنتو بتعدد ثقافاتها وأعراق سكانها، ومساحاتها الخضراء الحضرية، وشوارعها النابضة بالحياة، ما وفر له فضاءً متسعًا للتفكير والتأمل. وقد غمرت هذه البيئة لغته “الواثقية”، فأثرت في عمق تفكيره وأسلوبه. ، فبرزت القدرة على التكيف مع السياقات المختلفة، مع الحفاظ على العمق التحليلي والحس الأخلاقي، وأصبحت لغته أداة لفهم الواقع الاجتماعي والسياسي ونسجه بأسلوب يجمع بين الدقة الفكرية والإيقاع السردي والحس الإنساني العميق.
خلال عمله في مصلحة الثقافة، التقى الواثق بمجموعة من أبرز المفكرين والفنانين والأدباء، ممن شكلوا معه تخومًا فكرية ساعدت في صقل لغته الواثقية، من بينهم:
إبراهيم الصلحي: الذي كان يدير المصلحة بتكليف مباشر من دكتور منصور خالد، وهو فنان عالمي، أعماله جزء من المجموعات الدائمة في متاحف مثل MoMA والمتحف البريطاني، وقد انعكست روح الفضاء الفني العالمي في حس الواثق الجمالي.
محمد المهدي المجذوب: شاعر، ديوان “نار المجاذيب”، أثر في حسه الشعري والمجازي.
حمدنا الله عبد القادر: كاتب مسرحي، جائزة الأدب الجاد، وأول مسرحية له “انتظار عمر”.
جمال محمد إبراهيم: دبلوماسي وكاتب، أعماله “نقطة تلاشي” و”دفاتر كمبالا”.
عبد الهادي الصديق: كاتب وأديب ودبلوماسي، أعماله مثل “نقوش على قبر الخليل” و”السودان والأفريقانية”.
حسين شريف: فنان تشكيلي وكاتب ومخرج سينمائي، أعماله ورسوماته أثرت في الحس البصري واللغوي للواثقية.
الطيب محمد الطيب: إعلامي وباحث في التراث الشعبي، مؤلفاته مثل “الدوباي” و”المسيد”.
محمد عبد الحي: شاعر وأستاذ الأدب المقارن، مؤلفاته “الله في زمن العنف” و”أقنعة القبيلة”.
الكتيابي: أديب وشاعر، أعماله “هي عصاي” و”رقصة الهياج”.
عبد الرحيم أبو ذكرى: كاتب وشاعر ومترجم، ديوانه “الرحيل في الليل”.
كل هؤلاء كانوا تخومًا فكرية وقف عليها الواثق، واكتسب منها، وشكّلت خبراته وملاحظاته وجعلت لغته الخاصة عميقة وواعية ومدهشة.
في القاهرة، خلال بعض إجازاته الراتبة، يحرص دائمًا على لقاء عدد من أصدقائه، من بينهم دكتور المحبوب عبد السلام الكاتب والاستاذ الجامعي، الذي يناديه دوما بعبارة “الكاشف أخوي”، وتعكس عمق العلاقة وروح الملاطفة التي كانت تجمعهما. وهي مقولة طريفة تعود إلى الفنان إبراهيم الكاشف والفنانة عائشة الفلاتية، في موقف ما حدث بينهما. كما يلتقي بدكتور هاني رسلان، رحمه الله، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية، وهو صديق مشترك بينهم، وصديق آخركذلك وهوكمال الجزولي القانوي الضليع والمفكر الفذ والشاعر الجميل صاحب (أم درمان تأتى في قطار الثامنة، الأعمال الشعرية غير الكاملة) وتضفي هذه اللقاءات “الثلاثية” أحيانا و”الرباعية”، جوًا ثريًا من الحوار الفكري وجمال النقاش حول مختلف القضايا، كما تمثل امتدادًا لتقوية الروابط الإنسانية والفكرية بينهم.
في كتابه «جون قرنق: رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية»، قدم الواثق ملخصًا تحليليًا موجزًا يعكس طريقة طرحه المختلفة والمبتكرة. فالكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يسعى إلى تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية، وقراءة المشروع الوطني في عمقه التاريخي والاجتماعي. كل فصل يشكل تحليلًا مركبًا، حيث تفكيك البنى السياسية، واستكشاف الاستراتيجيات المجتمعية، وفهم الديناميات الاقتصادية والاجتماعية، كلها أدوات تؤطر الطرح، فتتضح المعاني في سياقها الواقعي دون تبسيط مخل.
وقد شكّل هذا الكتاب مدخله للانخراط في الحركة الشعبية، ويختزل التحول الكبير في مساره السياسي في عبارة شهيرة له: «من النقابة إلى الغابة».
كما لم يقتصر جهد الواثق على إنتاج الخطاب من داخله، بل امتد إلى فعل الترجمة بوصفه ممارسة فكرية ولغوية عالية الحساسية؛ إذ قام بترجمة عدد من خطاب وخطابات د. جون قرنق من الإنجليزية إلى العربية، لا بوصفها نقلاً آلياً للنص، وإنما إعادة تشييد له في لغة أخرى. وفي هذا الفعل، تتجلى مقدرته العميقة على التمكن من اللغتين معاً، وفهم الفروق الدقيقة بين بنيتهما الثقافية والدلالية، بما مكّنه من نقل المعنى السياسي والفكري كاملاً، محافظاً على ثقل الخطاب ومهابته، وعلى شحنته الرمزية والأخلاقية في آن واحد.لقد جاءت ترجماته امتدادا لكتابته الأصلية، تنبض بالبلاغة والانضباط، وتدل على وعي عميق بأن الترجمة، في سياق الخطاب السياسي، ليست مجرد نقل كلمات، بل نقل رؤية وموقف وسياق، وهو ما أدار له الواثق أدواته اللغوية باحترافية عالية، جعلت النص المترجم يبدو وكأنه كُتب ابتداء بالعربية، لا منقولا إليها.
في كتابه الأخير “رحلتي مع منصور خالد: الخروج من الذات لملاقاة الآخر”، يستهل الواثق نصه بلغة تنبض بسمته الخاصة، لغة لا تكتفي بأن تكون وعاءً للفكرة، بل تتحول إلى كيان حي يقود المعنى ويصوغه. فمنذ الصفحات الأولى، تتجلى “اللغة الواثقية” بوصفها أسلوبًا متفردًا، يقوم على مزاوجة دقيقة بين التحليل النقدي الصارم والوعي الاجتماعي العميق، وبين الإيقاع الأدبي المشحون والدقة المفهومية المنضبطة. إنها لغة تحتفي بالفكرة من دون أن تجردها من إنسانيتها، وتمنح الوقائع التاريخية والسياسية بعدًا أخلاقيًا يجعلها قابلة للفهم والتأمل، لا مجرد الرصد والتوثيق.
وفي ثنايا هذه اللغة، يحتفي الواثق بصديقه الراحل دكتور منصور خالد احتفاءً معرفيًا وأخلاقيًا عميقًا، لا يقوم على الاستدعاء الوجداني وحده، بل على استحضار منهج ورؤية وتجربة فكرية كاملة. يظهر منصور في النص بوصفه مرجعًا في الصرامة الفكرية ونبل الموقف، وحضورًا ينعكس على طرائق التفكيك والتحليل، حيث تتقدم الفكرة على صاحبها، ويغدو الصوت الشخصي متخففًا من حضوره لصالح قوة الحجة ودقة البناء.
وانطلاقًا من هذا الأفق، سأورد في ما يلي ملخصًا تحليليًا شاملًا، وفق رؤيتي الخاصة، بعد أن وضعت الكاتب جانبًا، وانصرفت إلى التأمل في هذه الرحلة المختلفة بجمالها وعمقها، رحلة جمعت نفرًا من المفكرين الأفذاذ الذين أسهموا، كل من موقعه، في إرساء مفاهيم فارقة في تشكل السياسة السودانية، وصياغة أسئلتها الكبرى، وتحديد ملامح خطابها الفكري والأخلاقي عبر مراحل حاسمة من تاريخها:
في التقديم للكتاب يرى كل من الدكتور لام أكول والأستاذ المحبوب عبد السلام في كتاب الواثق كمير أكثر من مجرد سيرة؛ فهو سجل للتجربة السياسية والفكرية والفكرية الأخلاقية لمنصور خالد وعلاقته بالحركة الشعبية بقيادة جون قرنق. يقدم لام أكول القراءة من منظور سياسي نقدي، مؤكداً أن الكتاب يوثق لحظات حاسمة، ويثير قضايا تنظيمية وفكرية تحتاج إلى تعمق لفهم تحديات الحركة الشعبية. أما المحبوب عبد السلام فيرى الكتاب تجربة فلسفية وتأملية، توضح مسؤولية الفرد والمثقف تجاه السلطة والحرية والعدالة، وتبرز كيف يمكن للمعرفة والأدب السياسي أن يساهما في بناء دولة ديمقراطية متعددة الثقافات، بعيدة عن الانغلاق العرقي أو الثقافي.
باختصار، يقدم التقديم رؤية مزدوجة: تحليل نقدي سياسي من جهة، وتأمل فلسفي وأدبي وإنساني من جهة أخرى، ليصبح الكتاب جسر فهم متكامل بين التاريخ والسياسة والفكر والأخلاق..
يقدم كتاب “رحلتي مع منصور خالد” تجربة معرفية فريدة، تتجاوز حدود السرد التاريخي والسياسي التقليدي لتصوغ رؤية متكاملة للقضية السودانية في تداخلها بين الهوية والسياسة والإنسانية. الكتاب لا يروي سيرة منصور خالد فحسب، بل يغوص في عمق فكره وفلسفته العملية، ويكشف كيف يمكن للفكر السياسي أن يكون أداة للتغيير الأخلاقي والاجتماعي.
من خلال مفهوم “الخروج من الذات”، يعكس الكتاب قدرة الإنسان على تجاوز انغلاقه الثقافي والسياسي، والانفتاح على الآخر المختلف، كشرط أساسي لفهم مطالب المجتمع وتجاوز الانقسامات. وهو بذلك يضع القارئ أمام تجربة تحليلية وأخلاقية وفكرية في آن واحد، تتناول السياسة من زاوية الاعتراف بالآخر، لا مجرد التنافس على السلطة.
من خلال السياق الفكري والسياسي، ينطلق الكتاب من فرضية أن الأزمة السودانية ليست مجرد نزاع مسلح أو أزمة حكم، بل أزمة هوية وسيادة أخلاقية وسياسية. ويستند في ذلك إلى ثلاثة مستويات مترابطة:
البعد التاريخي والهوياتي: يكشف عن فشل النخب في بناء مشروع دولة جامع، وإصرارها على فرض هويات ضيقة على مجتمع متعدد ثقافات وأديان وأعراق.
البعد الفكري لمنصور خالد: خالد يظهر في الكتاب كمثقف شمالي خرج من أطره التقليدية ليحتك بالآخر الجنوبي، ويعيد تعريف مفهوم الوحدة على أساس الاختيار الطوعي والاعتراف بحقوق الآخر.
الحوار كمنهج: الحوار مع جون قرنق يتجاوز كونه أداة تفاوض، ليصبح ممارسة إنسانية وفلسفية، تمكّن من بناء رؤية مشتركة للسلام، تعكس إدراك خالد بأن العدالة لا تُفرض بالقوة، وأن الحلول المستدامة تولد من الاعتراف المتبادل.
وفي الأبعاد الأدبية والإنسانية، نجد أن الكتاب يجمع بين التحليل السياسي والأسلوب الأدبي، فيخلق لغة تعكس وعي الكاتب وفهمه العميق للحدث والشخصية. فالمتابع للشخصيات يلمس:
السرد النفسي الداخلي: خالد وقرنق يظهران ليس فقط كقادة، بل ككيانات تبحث عن معنى العدالة والوحدة، مما يمنح القارئ إحساساً بالمشاركة في الرحلة الإنسانية.
البعد الأخلاقي: “الخروج من الذات” ليس مجرد مبدأ سياسي، بل موقف إنساني يقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر، وهو ما يجعل الكتاب درساً في أخلاق السياسة وفن الممكن.
أما بالنسبة للدبلوماسية والفكر السياسي يعرض الكتاب دكتور منصور خالد كرمز للفكر السياسي العملي الذي يوازن بين الممكن والمستحيل، ويبين كيف يمكن استخدام الدبلوماسية كفن لتحقيق الحد الأدنى من العدالة:
فهم الخصم: معرفة دوافع ومخاوف الطرف الآخر لا تقل أهمية عن الاستراتيجية السياسية.
مقاومة الداخل: تجاوز الأيديولوجيات والنخب المستفيدة من الوضع القائم لتحقيق حلول شاملة.
ابتكار حلول وسطى: مثل فكرة “السودان الجديد” والتعددية الثقافية، وهي تطبيق عملي لرؤية متوازنة بين الحقوق والواجبات.
أما بخصوص قراءتي النقدية للكتاب أقول برغم عمق الكتاب وثرائه، يمكن الإشارة إلى بعض الملاحظات النقدية:
ميل واضح لتركيز الضوء على شخصية خالد، مع ضعف نسبي في تحليل البنى الاجتماعية والاقتصادية للصراع.
تصوير المواقف الإيجابية لخالد أكثر وضوحاً من المواقف الإشكالية، ما قد يحد من التقييم النقدي الكامل لمسارته.
مع ذلك، تظل هذه الملاحظات هامشية مقارنة بالقيمة التحليلية والإنسانية العميقة للكتاب، الذي يقدم تأملاً فكرياً وسياسياً وأخلاقياً في آن واحد.
في الخلاصة يمثل كتاب “رحلتي مع منصور خالد” ليس مجرد وثيقة تاريخية، بل تجربة معرفية وأخلاقية وأدبية تقدم رؤية فريدة لفهم الصراع السوداني:
الوحدة الحقيقية لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى على الاعتراف بالآخر والاحترام المتبادل.
السياسة ليست مجرد إدارة مصالح، بل ممارسة أخلاقية وفكرية تتطلب شجاعة التفكير والقدرة على الحوار.
الكتاب يضع القارئ أمام نموذج عملي لكيفية تحويل الاختلاف إلى بناء مشترك، ويجعل من تجربة دكتور خالد منصور ودكتور جون قرنق درساً مستمراً في القيادة الإنسانية والسياسية.
في تحية خاتمة أقول…
من نافذة جدته الحاضنة للحكاية والمعنى، ومن رحاب حي الخرطوم ٢، وجامعة الخرطوم، وهدوء تورنتو، ومن تخوم الفكر التي عبرها وصاغ منها لغته الخاصة، اللغة “الواثقية”، ومن منطقة الوعي التي وصل إليها بمراكمة القراءات المختلفة، والسعي بين الأصدقاء، والانخراط في السياسة، والحس الفني والأدبي العالي، تتشكل لغة الواثق كمير، لغة تحمل صدى الأرض ووميض الفكر، وصخب المدينة. لغة لا تُقرأ فحسب، بل تُعاش، تتحرك بين الذات والآخر، بين التحليل والوعي، وبين ما يُقال وما يُفكر، كما يتحرك النهر الذي ينساب عبر صخور الواقع، يلتقط كل انعكاس، وكل صوت، ويعيد تشكيله في أفق جديد.
من خلالها يصبح الفكر جسدًا، والمعنى فضاءً لا يُقاس بل يُختبر، حيث تختلط الحقيقة بالخيال، وتتلاقى المعرفة بالشعور، وتستحضر الكتابة لحظة شفافية قصيرة، حين يلتقي العقل بالقلب، والفكر بالحياة. إنها اللغة “الواثقية” التي تفتح أبوابًا على احتمالات لا تُغلق، وتدعونا أن نغوص في عمق التجربة الإنسانية، لنرى ما وراء الكلمات، وندرك أن المعنى لا يُصنع في الصمت وحده، بل في حركة التجربة والوعي، وفي التفاعل المستمر بين المكان والزمن والفكرة.

تعليق واحد

  1. إذا كان تحليلا فقد أبنت وأنجزت
    وإن كان إطراء فالواثق يستحق أكثر من ذلك بكثير
    الواثق مثقف عضوي بكل ما تحمل الكلمة من معاني
    وهو مثقف عظيم سار في درب العظام
    فسيصل بنا والسودان لبر الأمن

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..