مقالات وآراء

ما بعد الدولة المعلقة: تفكيك العقل السياسي السوداني بين الوعد المعطل والتاريخ المكسور

م. معاوية ماجد

ليس المقصود بمفهوم العقل السوداني جوهرًا ثقافيًا ثابتًا ولا طبيعة نفسية جمعية مغلقة، بل بنية تاريخية مركبة تشكلت عبر تداخل معقد بين التجربة الاستعمارية، وبدايات الدولة الوطنية، وتعاقب الأنظمة السياسية، وانكسارات الثورات، وتراكم الخيبات العامة. إنه عقل سياسي اجتماعيًّا تكون داخل شروط ما بعد الاستعمار، واشتغل في فضاء دولة لم تكتمل سيادتها، ولم تستقر مؤسساتها، ولم تحسم أسئلتها التأسيسية المتعلقة بالهُوِيَّة والسلطة والعدالة. من الحكومة الوطنية الأولى إلى الحكومة الحالية، يمكن تتبع مسار طويل من التحولات التي لا تُقرأ بوصفها أحداث منفصلة، بل باعتبارها تجليات لبنية ذهنية وسياسية واحدة، ظلت تعيد إنتاج نفسها عبر أشكال مختلفة من الحكم والفعل العام.
ينطلق هذا المقال من افتراض منهجي مفاده أن أزمة السودان ليست أزمة أنظمة فحسب، بل أزمة عقل سياسي تشكل تاريخيًا، وراكم أنماط من التفكير والممارسة أعاقت تحويل اللحظات الثورية إلى مسارات لبناء دولة مستدامة. وعليه، فإن النقد هنا لا يتخذ طابعًا أخلاقيًا أو اتهاميًا، بل يندرج ضمن النقد الإبستمولوجي للتجربة السياسية، على نحو يقترب من مشاريع نقد العقل عند محمد عابد الجابري، دون أن ينشغل بالبنية المعرفية الخالصة، أو كما عند أشيل مبيمبي في نقد العقل الزنجي، من حيث تفكيك العلاقة بين الحداثة والعنف وتاريخ الهيمنة، مع خصوصية السياق السوداني.
دخل السودان لحظة الاستقلال وهو مثقل بتناقضات عميقة. فقد ورث جهاز دولة صممه الاستعمار لإدارة السكان لا لتمكينهم سياسيًا، ووجدت النخب الوطنية نفسها أمام دولة قائمة شكلًا، لكنها خاوية من العقد الاجتماعي. هذا الوضع أسس منذ البداية لما يمكن تسميته بالدولة المؤجلة، حيث تم تأجيل الأسئلة الكبرى لصالح حلول براغماتية قصيرة المدى. ومع غياب مشروع وطني جامع، تحول الفعل السياسي إلى إدارة دائمة للأزمات، وهو ما جعل الانقلابات العسكرية لا تظهر كقطيعة راديكالية مع المسار المدني، بل كامتداد منطقي لفشله البنيوي.
في هذا السياق، تشكل عقل سياسي ميال للتسويات المؤقتة والتحالفات الهشة والرهان على القوة بدل التوافق. وهو عقل يعيد إنتاج منطق الاستثناء الذي تحدث عنه كارل شميت، حيث تصبح الحالة الطارئة هي القاعدة، ويجري تعليق الدستور باسم الضرورة، وتعطيل السياسة باسم الأمن، وتأجيل الديمقراطية باسم الاستقرار. وبهذا المعنى، لم تكن السلطويات المتعاقبة طارئة على الوعي السياسي السوداني، بل نتاج لشروط تاريخية وفكرية جعلت من الدولة أداة للسيطرة لا فضاء للتعاقد.
تعاقبت على السودان تكوينات أيديولوجية متعددة، من القومية العربية إلى اليسار الماركسي، ومن الإسلام السياسي إلى صيغ ليبرالية ضعيفة الجذور. غير أن القاسم المشترك بينها هو عجزها عن التحول من خطاب تعبوي إلى مشروع تاريخي. فالسياسة، في أغلب تجلياتها، لم تمارس بوصفها فعلًا مؤسسيًا طويل النفس، بل بوصفها صراعًا على السلطة، أو وسيلة لإعادة توزيع الغنائم الرمزية والمادية. وهنا يمكن استدعاء تحليل غرامشي حول الفارق بين السيطرة والهيمنة، حيث فشلت النخب السودانية في بناء هيمنة ثقافية وأخلاقية قادرة على إنتاج رضًا اجتماعي واسع.
أما الثورات السودانية، فقد مثلت لحظات كثيفة للتاريخ، انفتحت فيها إمكانات التغيير على مصراعيها، لكنها سرعان ما أُغلقت بفعل غياب تصور واضح لمرحلة ما بعد السقوط. فالعقل الثوري، حين لا يقترن بوعي مؤسسي، يتحول إلى طاقة احتجاج عاجزة عن بناء الدولة. ويتكرر هنا ما وصفته حنا أرندت بالفارق بين الثورة والتحرر، حيث يتم إسقاط السلطة القديمة دون القدرة على تأسيس فضاء سياسي جديد. وبذلك، يعود القديم في هيئة جديدة، وتستمر الحلقة المفرغة لإعادة الإنتاج القسري للأزمة.
يلعب المثقف السوداني دورًا إشكاليًا في هذا المشهد. فمن حيث المبدأ، يُفترض فيه أن يكون مثقفًا عضويًا، بالمعنى الغرامشي، مرتبطًا بقضايا المجتمع، ومشتغلاً على تحويل المعرفة إلى قوة اجتماعية. غير أن الواقع يكشف عن مثقف محاصر بين سلطة تستوعبه أو تقصيه، ومجتمع منهك لا يملك رفاهية الإنصات الطويل للخطاب النقدي. وهكذا، ظلت المعرفة النقدية معزولة نسبيًا عن دوائر الفعل، ولم تتحول إلى مشروع جمعي قادر على إعادة توجيه الوعي العام.
ولا يمكن فهم هذا الوضع دون التوقف عند وعي العامة، لا بوصفه وعيًا سلبيًا أو جاهلًا، بل كنتاج تاريخ طويل من الخذلان السياسي. فقد راكم المجتمع السوداني خبرة عميقة في الشك بالسلطة، والسخرية من الشعارات، والانسحاب إلى استراتيجيات النجاة الفردية. هذا الوعي، على ما فيه من حكمة مريرة، يساهم في تعطيل تشكل فعل جماعي مستدام، ويغذي بدوره أزمة الثقة بين النخب والجمهور.
إن نقد العقل السوداني، في هذا المستوى، لا يهدف إلى تثبيت صورة قاتمة عن الواقع، بل إلى فتح أفق جديد للتفكير في شروط إمكان الخروج من المأزق التاريخي. فالمطلوب ليس استيراد نماذج جاهزة للدولة أو الديمقراطية، ولا إعادة تدوير خطابات أيديولوجية مستهلكة، بل بناء وعي تاريخي جديد يعترف بالإخفاق، ويفكك أسبابه، ويعيد تعريف السياسة بوصفها فعلًا أخلاقيًا ومؤسسيًا في آن واحد.
ما بعد الدولة المعلقة ليس زمنًا طوباويًا، بل أفق عمل نقدي شاق، يبدأ بتفكيك البُنى الذهنية التي حكمت التجربة السياسية منذ الاستقلال، ويمر عبر إعادة الاعتبار للمثقف بوصفه فاعلًا اجتماعيًا لا مجرد معلق، وينتهي بإعادة تمركز الإنسان السوداني في قلب المشروع السياسي، لا كوسيلة للتعبئة، بل كغاية للعدالة والكرامة. عند هذا الحد فقط، يمكن للتاريخ السوداني أن يكف عن الدوران في حلقته المكسورة، وأن يشرع في فتح مسارات جديدة للمعنى والأمل.
ولعل المأزق السوداني، في جوهره العميق، ليس مأزق سلطة عابرة ولا فشلًا سياسيًا قابلًا للإصلاح التقني، بل هو تعبير عن عقل لم يتحرر بعد من منطق التعليق الدائم للتاريخ، عقل اعتاد أن يعيش في منطقة بين بين، لا يقطع مع ماضيه ولا يمتلك شجاعة العبور الكامل إلى مستقبله.
عقل يتقن لغة الرفض، لكنه يتلعثم حين يُطلب منه أن يتكلم لغة البناء، ويجيد هدم الأصنام، لكنه يتردد طويلًا أمام مهمة تشييد المعنى.
في هذا المعنى، لا تبدو الدولة السودانية غائبة تمامًا، ولا حاضرة تمامًا، بل قائمة بوصفها وعدًا مؤجلًا، وطموحًا معلقًا، وكيانًا يعيش في المخيلة أكثر مما يعيش في الواقع. دولة تكتب دساتيرها بالحبر، ثم تمحوها بالدم، وتعلن ولادتها مع كل ثورة، ثم تعيد دفن نفسها في صمت ما بعد الخيبة. وهنا، لا يصبح السؤال لماذا فشلت الدولة، بل لماذا ظل العقل السياسي أسير فكرة الدولة بوصفها غنيمة، لا بوصفها عقدًا أخلاقيًا ومجالًا عامًا مشتركًا.
إن الصدمة الحقيقية لا تكمن في تكرار الفشل، بل في تطبيعه، وفي تحويله إلى جزء من الحس المشترك، وإلى قدر يتعايش معه المجتمع بوصفه مصيرًا تاريخيًا لا فكاك منه. عند هذه النقطة، يتوقف الفشل عن كونه حدثًا استثنائيًا، ويغدو بنية ذهنية، ويتحول العجز من حالة طارئة إلى نظام اشتغال كامل، يعيد إنتاج نفسه بلا حاجة إلى قمع مباشر، لأن الوعي ذاته يكون قد استبطن حدود الممكن، وتنازل سلفًا عن حقه في تخيل ما هو مختلف.
غير أن الأفق، رغم كل ذلك، لا يغلق تمامًا. فالتاريخ، حتى في أكثر لحظاته قتامة، يظل مفتوحًا على إمكانات لم تستنفد بعد. وما لم يخضع العقل السوداني لنقد جذري يطال مسلماته العميقة، ويزعزع منطقه الموروث في التفكير في السلطة والدولة والهُوِيَّة، سيظل يدور في الحلقة ذاتها، يبدل الوجوه ويعيد إنتاج البنية. أما إذا امتلك شجاعة النظر في المرآة، لا لجلد الذات بل لتفكيكها، فقد يتحول النقد من فعل تشخيص إلى فعل تأسيس، ومن خطاب خيبة إلى بداية معنى جديد.
حينها فقط، يمكن للسودان أن يغادر زمن الدولة المعلقة، لا بانقلاب جديد ولا بثورة عابرة، بل بثورة في الوعي ذاته، ثورة صامتة لكنها جذرية، تعيد للسياسة معناها الإنساني، وللدولة وظيفتها الأخلاقية، وللإنسان السوداني مكانه بوصفه الغاية الأخيرة لكل مشروع، لا وقوده المؤقت. عند هذا الحد، لا يعود المستقبل وعدًا مؤجلًا، بل احتمالًا مفتوحًا، ولا يعود التاريخ عبئًا ثقيلًا، بل مادة قابلة لإعادة الكتابة، مرة أخرى، ولكن هذه المرة، بوعي مختلف، وبكلفة أخلاقية أعلى، وبأمل لا يقوم على الوهم، بل على المعرفة والمسؤولية معًا.

تعليق واحد

  1. هذا المستوى النقدي الرائع لحال الدوله السودانيه يعري فرية اي شخص يحاول ان يقفز الى دائرة التشكيك المعتاده لمثل هذه الافكار التي تضرب معسكر الحرب والقوى المدنيه على حد سواء. جودة التوصيف للازمه السودانيه هي ادانه جمعيه لكل من ساهم في الوصول الى الحال الذي وصلت اليه الدوله السودانيه التي لم يجمعها قط عقد اجتماعي يعرف افرادها وكياناته ويوظف طاقاتها في الاتجاه الصحيح الذي يقودها الى مستقبل حقيقي.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..