المشجع الذي أبكى إفريقيا

طه يوسف حسن
الرجال لا يبكون عبثاً، يبكون عندما تنكسر الأحلام ،أنهمرت دموع المشجع الكونغولي ميشيل كونكا أشهر مشجعي كأس الأمم الإفريقية في المغرب عندما سدد اللاعب الجزائري عادل بولبينا هدفاً في الدقيقة 119 أنهى به أحلام فهود الكونغو الديمقراطية في مسيرة كأس الأمم الإفريقية.
بمظهرٍ أنيق و ألوان منتخب الكونغو الديمقراطية جسَّدَ ميشيل كونكا أناقة باتريس لوممبا الرمز الوطني للمقاومة و الحرية، حين إنطلقت صافرة البداية في ملعب مولاي الحسن بالرباط، بدأ عرض آخر مسرحهُ المدرجات، جسّدَ فيه ميشيل كونكا تمثال لوممبا بصمتٍ يملأُ وجدان الجمهور.
بكى ميشيل كونكا عندما راوغت قدم اللاعب الجزائري بولبينا آمال و أحلام شعب الكونغو و عانقت كُرته الشِبَاك قُبيل صافرة الحكم المصري بدقيقة ليُعلن الحكم عن يتيمة جزائرية أقصت الكونغو من دوري أمم إفريقيا، بكى كونكا و لكن صفقت له القارة الإفريقية، لأنه ظلَّ واقفاً 120 دقيقة، لم يتحرك، مُجسِداً نضال باتريس لوممبا ليُذكِّر العالم بقضية النضال التي راح ضحيتها أكثر من 9 مليون كنغولي.
تَصَرُف المشجع لم يكن مجرد دعم رياضي لفريقه، بل كان تكريماً لنضال القارة الإفريقية و إحياءً لذكرى باتريس لوممبا أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية بعد الاستقلال، الذي أُغتيلَ في ظروفٍ مأساوية على أيدي دعاة الحرية وحقوق الإنسان “المخابرات البلجيكيةً” بعد خُطبته الشهيرة “خطاب الدموع والدم والنار” أمام ملك بلجيكا ليُصبح رمزاً وطنياً للقارة السمراء.
قاد باتريس لوممبا الحركة الوطنية ضد الاستعمار البلجيكي وأصبح أول رئيس وزراء مُنتخب في يونيو 1960، قبل اغتياله في يناير 1961.
يستحضر المشجع الكونغولي، الذي سرق الأضواء و سرق المشاعر، هذه الذاكرة الوطنية بصمته ووقوفه طوال 90 دقيقة، أو ما يزيد ليحوّل المدرجات إلى رمز حي للصمود والانتماء، تكريماً لروح الزعيم التاريخي لبلاده.، و لنضال شعبه من أجل الحرية.
أمم إفريقيا ليست مجرد بطولة، بل هي إحتفالية تجمع في مدرجاتها شعوب عاشت الاستعمار وقاومت، دفعت ثمناً باهظاً من أجل الحرية و الاستقلال، إتخذت كرة القدم أداة تعبير قادرة على اختصار كل ذلك الإرث. هنا تتجاوز الرياضة إطار التسعين دقيقة، وتتحول إلى وسيلة تثقيف ناعمة، تحمل التاريخ دون خطابة، وتزرع الوعي دون صدام.
لهذا تظل كرة القدم القيمة المتاحة و المساحة الإنسانية التي تتحول إلى رسائل صامتة قادرة على الوصول إلى وجدان الشعوب بطريقةٍ أبلغ من أي خطاب سياسي، حين تجد من يؤمن بأن الكرة قد تكون أداة مقاومة، مثلما هي أداة ترفيه و متعة.



