مقالات وآراء
مفارقات السياسة السودانية (من ساوى بين الجيش المختطف والمليشيا الإرهابية ؟)

د. أحمد عثمان عمر
أصدرت مفوضية الاتحاد الأفريقي بيانا بعنوان “بيان مشترك بين مفوضية الإتحاد الأفريقي و الإمارات العربية المتحدة”، أثار حفيظة سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، التي وصفته في بيان وزارة خارجيتها بأنه قد “تناول الشأن السوداني بطريقة غير موضوعية تكررت فيه ذات السردية التي تساوي بين حكومة السودان ومليشيا الدعم السريع”. والناظر لهذا الغضب الكبير والإحتجاج غير المبرر، تصيبه دهشة كبيرة حين يعلم أن من ساوى بين مليشيا الجنجويد الإرهابية ومن هو أعلى من الحكومة الواجهة نفسها (الجيش المختطف) من حيث الإبتداء، هو الوثيقة الدستورية المعيبة التي تعتبر الدستور الذي يحكم السودان حالياً. فحكومة السودان المزعومة، ماهي إلا واجهة لجنرالات الجيش المختطف الذين كانوا يمثلون المكون العسكري في مجلس السيادة، مع المليشيا الإرهابية الخارجة من رحم الجيش نفسه وفقاً لتصريحات الجنرالات الموثقة!! ولهذا جميع منابر المفاوضات التي دعيت لها الأطراف منذ منبر جدة، كان يدعى لها الجيش المختطف والمليشيا الإرهابية، بإعتبار أن حكومة الجنرالات قبل الحكومة الحالية، سليلة إنقلاب عسكري فاشل تم في اكتوبر 2021م، ولم يتمكن من نيل أي شرعية حتى تاريخ اليوم.
فالمساواة بين الجيش المختطف صاحب الإنقلاب الذي يمثل السلطة الفعلية غير الشرعية وغير الدستورية وفقا للوثيقة الدستورية المعيبة، مثبتة بنص المادة (٣٥) من تلك الوثيقة، التي تنص حرفيا على ما يلي:” (١) القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مؤسسة عسكرية وطنية حامية لوحدة الوطن ولسيادته تتبع للقائد العام للقوات المسلحة وخاضعة للسلطة السيادية.
(٢) ينظم قانون القوات المسلحة وقانون قوات الدعم السريع علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة التنفيذية “.
والمساواة بين الجيش المختطف ومليشيا الجنجويد لا تخطئها عين. فهما معا وعلى قدم المساواة يشكّلان مؤسسة عسكرية واحدة، وكلا منهما علاقته بالسلطة التنفيذية ينظمها قانونه الخاص على قدم المساواة أيضاً وبإنفصال كلا منهما عن الآخر. وتبعيتهما معا للقائد العام للقوات المسلحة على قدم المساواة كذلك، وهي تبعية لا تخل بهذه المساواة، بإعتبار أن خضوع قوات الدعم السريع لقانون القوات المسلحة حتى قبل إلغاء الإنقلابي المزمن للمادة (٥) من قانون قوات الدعم السريع، كان يتم في حال إعلان الطوارئ أو عند الحرب في مناطق العمليات فقط، بحيث توضع المليشيا الإرهابية تحت إمرة الجيش المختطف.
وبعد إلغاء هذه المادة التي كانت تسمح للرئيس المخلوع بدمج المليشيا في الجيش في أي وقت، يصبح المنظم لوضعها نص المادة ( ١١-٢) من قانونها، التي تنص على انه:”يكون القائد مسئولا لدى القائد الأعلى عن أداء قوات الدعم السريع “. وهذا النص يعطي المليشيا الإرهابية إستقلالية عن قيادة الجيش المختطف، لأن القائد الأعلى هو مجلس السيادة الشرعي.
وإذا علمنا بأن الجيش المختطف ليس لديه قائد معين بصفة شرعية وفقا للمادة (١٠) من قانون القوات المسلحة، تصبح المليشيا الإرهابية في وضع أفضل من الجيش المختطف بكل أسف!! فقائدها معين من قبل الرئيس المخلوع وفقا لقانونها، في حين أن قائد الجيش المختطف لم يعينه ذلك الرئيس وفقا لما ينص عليه قانون القوات المسلحة، كما لم يعينه (المؤسس) رئيس وزراء حكومة شبه المدنية التي تم الإنقلاب عليها، الذي آلت له سلطات وصلاحيات الرئيس المخلوع في تعيين قائد القوات المسلحة بموجب نصوص الوثيقة المعيبة!!
والسؤال المؤرق هو : من هو المسؤول عن هذا الوضع الشاذ والخاطئ والمرفوض، الذي أذرى بالقوات المسلحة وحط من شأنها وقدرها، وجعلها مساوية لمليشيا الجنجويد الإرهابية، بل اقل منها من حيث شرعية قيادتها من ناحية قانونية؟ والإجابة الأمينة هي ان المسؤول هو اللجنة الأمنية للإنقاذ، التي نفذت انقلاب القصر في العام ٢٠١٩م لمصلحة الحركة الإسلامية المجرمة، وحكمت كسلطة أمر واقع بإسم المجلس العسكري الإنتقالي بقيادة الإنقلابي المزمن، التي فرضت هذا الوضع على الجناح التسووي في (قحت)، وتم النص عليه في الوثيقة الدستورية المعيبة. وهو وضع لا يمكن معالجته بتعديل غير دستوري للوثيقة، أو بإلغاء لقانون قوات الدعم السريع من قبل الإنقلابي المزمن، الذي ليس لديه سلطة تشريعية او حق في التشريع.
ونص المادة (٣٥) من تلك الوثيقة المعيبة، هو أحد أسوأ نصوصها على الإطلاق، لأنه شرعن الجنجويد على مستوى دستوري، وساوى بين القوات المسلحة والمليشيا الإرهابية، وجعلهما جناحان لمؤسسة عسكرية واحدة، وحافظ على إستقلالهما وتنظيم علاقتهما بالسلطة التنفيذية كلا على حدة إستنادا لقانونه. وإن كانت لجنة الإنقاذ الأمنية هي المسؤول الأول عن هذا الوضع الشاذ المسئ والمشين الذي فرضته على الجناح التسووي في (قحت)، إلا أن هذا الجناح مسؤول مسئولية تامة عن قبول هذه الإملاءات المخالفة لشعار ثورة ديسمبر المجيدة “الجنجويد ينحل”. فبدلا من حل الجنجويد، قبل التيار التسووي شرعنة المليشيا الإرهابية على مستوى دستوري ومساواتها بالقوات المسلحة، و الإعتراف باستقلاليتها التي يكرّسها قانونها وتحميها الوثيقة من حيث تنظيم علاقتها بالسلطة التنفيذية. والغريب في الأمر أنه بعد كل ذلك ، كانوا جميعا يتفاوضون حول دمج المليشيا الإرهابية في الجيش المختطف، ضد إرادة الشعب المنادي بحلها، وبالتوازي مع سلطة الرئيس المخلوع في دمجها، التي ألغاها الإنقلابي المزمن بإلغاء المادة (٥) من قانون المليشيا، لأنها سلطة كانت ستؤول لرئيس وزراء حكومة شبه المدنية (المؤسس) أيضا، بإعتبارها سلطة تنفيذية لم تنظمها الوثيقة المعيبة، فتم حرمانه منها.
إستنادا إلى ذلك ، يصبح احتجاج وزارة خارجية السلطة غير الشرعية غريبا ومخالفا لنصوص الوثيقة الدستورية المعيبة، حتى وإن تم تعديلها لاحقا بصورة غير شرعية من قبل الإنقلابي المزمن الذي لا يملك سلطة التعديل. ويصبح موقف مفوضية الاتحاد الأفريقي صحيحا ودستوريا، بسبب أن السلطة غير الشرعية الحالية ومن خلفها، هم الذين ساووا بين المليشيا الإرهابية والجيش المختطف الحاكم، وهم من أشركوها في لجنة الإنقاذ الأمنية ونفذوا معها إنقلاب القصر ضد ثورة ديسمبر، وهم من أشركوها في مجلس الانقلاب الإنتقالي، وهم من نصبوا قائدها نائباً لرئيس مجلس السيادة واخترعوا له منصبا غير موجود، وهم من نفذوا معها إنقلاب اكتوبر ٢٠٢١م الذي تناسلت منه سلطة الأمر الواقع الحالية، وكانوا شركاء لها لحين حدوث الإنقسام وإندلاع الحرب. لذلك هم مسؤولون عن هذه المساواة وليس المجتمع الدولي، وهم مسؤولون أيضا عن تداعيات هذه المساواة المسيئة والمهينة للقوات المسلحة لا لحكومة الواجهة الشكلية. فالإهانة موجهة للسلطة الفعلية، ولشعب السودان الذي ساوى الإنقلابيون جيشه الذي يفترض أن يكون قوميا ومحتكرا لإستخدام السلاح تحت سلطة مدنية خالصة، بمليشيا إرهابية من صنع قصيري النظر في الحركة الإسلامية المجرمة.
والمطلوب هو تحميل الإنقلابيون ومن خلفهم الحركة الإسلامية المجرمة مسؤولية هذه المساواة المذلة، مع عدم إعفاء الجناح التسووي في (قحت) من مسؤولية قبول هذا الوضع الشاذ والمهين بالمخالفة لشعارات ثورة ديسمبر المجيدة، وهذا بالطبع لا يعتبر تأييدا لمناورات دولة الإمارات العربية بالتعاون مع مفوضية الاتحاد الأفريقي، ولا تبييضا لصفحتها، بل توضيحا لحقيقة تثبتها القوانين.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!
9/1/2026



يا دكتور احمد انا معاك على طول الخط الا في موضوع (الجيش المختطف والمليشيا الارهابية) وأنا بالنسبة لي المليشيا الارهابية اشرف مليون مرة على الجيش المختطف من المخابرات المصرية قبل ان تختطفه ايادي الكيزان ولا اظن بأنهم استطاعوا اخراجه من عباية المخابرات المصرية إلى اليوم، واما الجنجويد فلم يغرقوا حلفا من اجل عيون المصريين ولم يقتلوا 2 مليون مواطن جنوبي من اجل فصل الجنوب كما اراد المصريين وفي النهاية تم فصل البيت الواحد وجعل جدار من دم ما بينهم لاجل عيون المصريين لم يسلم الجنجويد حلايب وشلاتين وابورماد تسليم مفتاح للمصريين ولم يقتلوا اهالينا في جبل النوبة ودارفور بالبراميل المتفجرة ، الجنجويد لم يأسسوا المليشيات لقتل ابناء جلدتهم واستغلال جهلهم للاقتتال في بعضهم البعض، ولا يأتي أحد ويقول ويردد الاسطوانة المشروخة بان القوى السياسية هي من استخدمت الجيش من اجل الانقلابات بل هو الجيش والمخابرات المصرية كانت تعمل على ذلك قبل الاستقلال وهي وراء كل الانقلابات واحتضنت أول أنقلاب ودفعت جميع القوى المدنية والعسكرية للانقلاب وذلك بتازيم الامور في البلاد والانقلاب الأول كان تحت رعاية المخابرات المصرية والانقلاب الثاني كان انقلاب القوميين العرب خطط له في القاهرة والثالث باركه محمد حسن مبارك وهو يعرف أنه انقلاب الاخوان المسلمين ولا احد يحاول يقنعني بأن الجيش بري و الكيزان قد نجحوا و قاموا بخديعة الاستخابرات المصرية والعربية المتأمرة على ديمقراطية السودان هذا من سابع المستحيلات، وبعدها اصبح الشغل الشغال لاجهزة الاستخباراتية السودانية والمصرية والاجنبية أن تجعل الحياة الديمقراطية مستحيلة في السودان وفتنت بين القوى المدنية ودفعتهم دفعاً للتأمر مع الجيش للانقلاب والذي كان ينتظر وكانه بريء وهو من دبر لكل تلك الانقلابات ، والله الجنجويد سودانيين كاملي الدسم اكثر من اي ضابط عظيم مر على الجيش السوداني من تأسيسه ربما خذلتهم جهالتهم التي تدفع الكثير منا للعنصرية والقبلية ولكنهم اكثر صدقاً واخلاصا للوطن والمواطن من جل القوى المدنية والعسكرية في السودان