
يبدو أن قدري هو العيش بين مطرقة المنفى وسندان “التزوير الأدبي”، فبينما كنت أعتقد أنني فررت بجسدي من جحيم السودان في صيف 2013، اكتشفتُ أن اسمي وقلمي ظلا أسيرين في أيدي حفنة من المنتحلين الذين يقتاتون على التزلف والوقيعة، بدأت المهزلة بـ “صحيفة الوطن” الموريتانية، تلك التي يبدو أن أخبارها لا تصل إلا لمن أراد الله له شقاءً، نشروا مقال “تسول” مخزيًا ذُيّل باسمي! ولأنني كنت حينها كالغريب الذي فقد لغته، عاجزًا عن تفعيل تجوالي الدولي أو ولوج حساباتي الرقمية، لم أقرأ تلك الفضيحة إلا بعد شهور، حينها أدركتُ أنني لست في مواجهة “أخطاء مطبعية”، بل أمام حملة “اغتيال معنوي” منظمة، لم أقف مكتوف الأيدي؛ جندتُ “خوارزميات غوغل” لتكون حارسي الشخصي، وضعتُ رباعية بياناتي (الاسم، اسم الشهرة، البريد، الهاتف) تحت المجهر، لتأتيني الصرخة الإلكترونية فور مساسي بأي سوء، ويوم أمس، استيقظتُ على صفعة جديدة! فبينما كنت أزين موقع “سودانيز أونلاين” بمقالين من عصارة فكري، وجدتُ “ثالثًا” لقيطًا يزاحمني المساحة! في نفس اليوم؛ مقالٌ بعنوان رنان: (لاجئ خارج الحماية: شهادة من داخل دائرة اللجوء المغلقة)، قرأته، فكاد الضحك يغلبني لولا مرارة الموقف، يا له من كاتب أخرق! لغة ركيكة لا تشبهني، وأسلوب مهترئ لا يمت لقاموسي بصلة، الكاتب “الخفي” قرر في لحظة تجلٍ أن يهاجم الجميع: مفوضية اللاجئين، الحكومة المصرية، والشعب المصري، وكأنه أراد أن يحرق كل جسوري بـ “حبرٍ مسموم”، يا له من غباء! فالمفوضية التي هاجمها “انتحالي” هي ذاتها التي أكرمت وفادتي في مكتب الإسكندرية، ومنحتني “الكرت الأزرق” فور تأكدها من هويتي كصحفي، أما “بعبع” الأمن المصري، فقصتي معه تفوق الخيال، لقد أوقفتني أجهزة الأمن خمس مرات في خمس محافظات وحبست من ساعات لأسبوعين، ليس لأنني بطلٌ قومي، بل لـ “فحص أمني” يشبه التفتيش عن إبرة في كومة قش، والذروة كانت في الأقصر! حيث استقبلتني أربع سيارات شرطة يقودها عقيد! التهمة؟ “الإساءة للرئيس” عبر مشاركة أخبار من “القدس العربي” و”العربي الجديد”، في حسابي في الفيسبوك؛ خرجتُ من التحقيق، لكنهم قرروا “تطهير” المدينة من وجودي فورًا، وحين طلبتُ تأجيل الرحيل للصباح، وجدتُ “ضابطين” ينتظرانني في الاستقبال كظلين لا يفارقاني، رافقاني من فندق نوبلز بساحة المعابد حتى “السكة الحديد”، وظلا يراقباني حتى تحرك القطار بي، وكأنني أحمل قنبلة موقوتة، لا مجرد حساب فيسبوك يتابعه عدد متواضع من البشر! من أين لهؤلاء “الوشاة” بكل هذا الوقت لملاحقة مشاركاتي المتواضعة؟ وكيف لموقع “سودانيز أونلاين” -الذي أتعامل معه منذ عقدين عبر بريدي الرسمي- أن يقبل مقالًا مجهول المصدر ليُنسب إليّ؟ إلى كل من قرأ تعليقات سلبية باسمي في صحيفة “الراكوبة” أو غيرها: هل هذا أسلوبي؟ هل عرفتموني يومًا متسولًا للكلمة أو بائعًا لمواقف رخيصة بركاكة لغوية؟ إنها محاولة “توريط” فاشلة، خطها قلمٌ جبان يخشى المواجهة فيختبئ خلف أسماء الشرفاء، ولكن، خاب مسعاكم؛ فالحقيقة كالشمس، لا يحجبها “منحلٌ” ولا يواريها “واشٍ”.. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- ضجَّت مَنابرُ الصِّحافةِ الإلكترونيةِ في الأسابيعِ الخاليةِ، واشتعلت منصاتُ التواصلِ بسجالاتٍ لم تهدأ؛ والسببُ مَقالٌ قديمٌ نُسِبَ إلى البروفيسور عبد اللطيف البوني، يحملُ في طيَّاتِه هجوماً لاذعاً على ثوّارِ ديسمبر، ومع نفيِ “البوني” صِلتَهُ بذاك النص، انقسمَ الناسُ بَيْنَ مُصدِّقٍ ومُشكِّك، كُنتُ حينها في مَجموعةٍ تضمُّني عبر “الواتساب” بنُخبةٍ من الصحفيين السودانيين الأجلاء، أولئك الذين تتلمذتُ على أيديهم واقتبستُ من مِشكاةِ خِبرتِهم، طرحتُ سؤالي عليهم بامتثالِ التلميذِ وحيرةِ المُتأمل: “أشكُّ حقاً في نِسبةِ هذا المقال للبوني، ولكن.. مَن ذا الذي يملكُ ترفَ الوقتِ لِيخطَّ بَنانُه نصاً ويُهدِيَ جُهدَه لغيرِه؟”، هنا، جاءني الردُّ الذي أخرسَ فضولي وعلَّمني ما لم أكُن أعلم؛ إذ أجمعَ أساتذتي على حقيقةٍ جوهرية: “لكلِّ كاتبٍ بَصمةٌ وراثيةٌ في مِدادِه، ولونيةٌ فريدةٌ تسري في عروقِ نصوصِه؛ تجعلُ القارئَ الفطنَ يُميزُ طِرازَه الفريدَ وإن تخفَّى خلفَ أسماءٍ مُستعارة، أو يَلفِظُ الدخيلَ عليه وإن رُصِعَ باسمِه صراحةً”، لم يَمضِ وقتٌ طويلٌ حتى تجرَّعتُ من الكأسِ ذاتِها؛ فقد انتحلَ أحدهم اسمي، ودبَّجَ مقالاً ركيكَ الصياغةِ، باهتَ المعنى، ونسبَه إليّ، سارعتُ حينها بمطالبةِ الموقعِ بحذفِه (لم يحذف حتى منتصف ليل الجمعة / السبت)، ونشرتُ نفيي القاطعَ في كلِّ منصاتي ومجموعاتي، وما هي إلا لحظاتٌ، حتى انهمرت عليَّ الرسائلُ كغيثٍ طيَّبٍ من المعارفِ والأصدقاء، تُجمعُ في فحواها على جُملةٍ واحدة: “هذا ليس أنت!”، قالوا لي بثقة: “ليس هذا أسلوبُك، ولا لغتك، ولا طريقتك التي عهدناها؛ فمن قرأ لك مَقالينِ فحسب، يستطيعُ أن يفرزَ نبعَك الصافي من هذا الكدَر”، حَمِدتُ اللهَ كثيراً على تلك “اللونيةِ” التي صقلتُها طوالَ عِقدينِ من الزمان، فقد غَمستُ ريشتي في مِحبرةِ الكتابةِ منذ عام 2005م وأنا لا أزالُ طالباً أتحسسُ خُطاي، ورغمَ تعاقبِ السنين، ظلَّت روحي هي الروح، ومنهجي هو المنهج، لم أتبدَّل ولن أتغيرَ بإذنِ الله، لقد مضيتُ في دَربِ الكلمةِ حاملاً شعاري الذي لا أحيدُ عنه، ومبدئي الذي أستلهمُ منه ثباتي: إمّا حياةٌ تَسرُّ الصديقَ.. وإمّا مَماتٌ يغيظُ العِدا.. Either a life that pleases friends, or a death that enrages enemies وعلى قول جدتي:- “دقي يا مزيكا !!”.
خروج:- #بلاغ_للرأي_العام هذا المقال لم اكتبه..
لاجيء خارج الحماية: شهادة من داخل دائرة اللجوء المغلقة كتبه عثمان الوجيه
ليست المأساة دائمًا في الهروب من الوطن، بل في الوصول إلى بلدٍ يفترض أنه ملاذ آمن، فإذا به يتحول إلى سجنٍ مفتوح بلا جدران.
أنا لاجئ يعيش في دولة موقّعة على ميثاق جنيف، لكن توقيعها لم يتجاوز الورق، أما الواقع فيكشف نفاقًا رسميًا ممنهجًا، تُسحق فيه كرامة الإنسان باسم القانون، ويُفرّغ فيه مفهوم الحماية من أي مضمون إنساني.
هذا اللاجئ — وأنا واحد منهم — لا يملك حق الاندماج القانوني، ولا يُمنح وثيقة سفر تمكّنه من التنقّل كحل مؤقت، رغم أن هذا أبسط ما تتيحه القوانين الدولية. يُسمح له بالعمل نظريًا، لكنه يُعاقَب عمليًا: يعمل بلا حماية قانونية، ويُطالَب بدفع غرامات باهظة بسبب وجوده «غير النظامي»، في مفارقة عبثية تجعل الضحية متهمًا، والبقاء جريمة.
لا يحق له الذهاب إلى معسكرات اللاجئين، ولا يُسمح له بالعيش خارج المدن. يُجبر على البقاء في المدن وتحمل أعباء الإيجار والمعيشة كاملة، دون أي دعم حقيقي من المفوضية أو الدولة المضيفة. لا مسكن، لا إعانة، لا شبكة أمان… فقط انتظار طويل بلا أفق.
وفي هذا الفراغ القاتل، يتعرض اللاجئ لشتى أشكال التنمّر والاضطهاد غير المعلن، في محاولة لدفعه قسرًا نحو تجار البشر. هؤلاء منتشرون في كل مكان، كالبكتيريا، يتغلغلون في الأجهزة الأمنية، وفي منظمات المجتمع المدني، وحتى في المؤسسات الشريكة للمفوضية نفسها. لا تسلم المفوضية في هذا البلد من نفوذهم، فهم لا يصلون إلى هذه المواقع بالكفاءة أو النزاهة، بل عبر المحسوبية، والمال، وتحت شعارات براقة مثل «تكافؤ الفرص» و«تمكين المرأة» وغيرها من اللافتات التي تُستخدم غطاءً للفساد لا أكثر.
الحقيقة الصادمة أن المال هنا هو العامل الحاسم في كل شيء: في الحصول على وظيفة، في تسريع ملف، في إيقاف مضايقة، أو حتى في شراء صمت. أما اللاجئ الفقير، فهو الحلقة الأضعف، المحكوم عليه بالبقاء في هذه الدائرة المغلقة: لا هو قادر على العودة، ولا هو مسموح له بالاندماج، ولا هو محميّ من الاستغلال.
هذه ليست حالة فردية، بل واقعٌ يومي يعيشه آلاف اللاجئين بصمت. صمتٌ لا يعني الرضا، بل العجز. وهذه الشهادة ليست طلب شفقة، بل صرخة أخيرة في وجه نظامٍ يدّعي الإنسانية بينما يمارس نقيضها.
الرابط:- https://sudaneseonline.com/ board/505/msg/1767892697.html
#أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام.


