كسلا تحارب الذاكرة: حين تُحذَف ثورة ديسمبر من الكتب، والثورة حيّة رغم انفهم

حسن عبد الرضي
في كسلا، لا تمشي وزارة التربية والتعليم إلى الأمام، بل تُدير ظهرها للزمن، وتُصرّ على السير القهقرى، كأن التاريخ يمكن شطبه بقرار إداري، وكأن الذاكرة الوطنية تُمحى بالممحاة الحمراء، لا بالوعي ولا بالتجربة ولا بالدم الذي سال في الشوارع.
الخبر الذي تداولته الوسائط عن قرار وزارة التربية والتوجيه بولاية كسلا حذف “ثورة ديسمبر” و”حرية سلام وعدالة” من مناهج التعليم الابتدائي لا يعبّر عن “تعديل فني” ولا “مراجعة تربوية”، بل يكشف ــ بوضوح فجّ ــ عن موقف سياسي معادٍ لثورة ديسمبر العظيمة، وعداءٍ صريح لوعي الأجيال الجديدة، ومحاولة بائسة لإعادة إنتاج الإنسان المطيع، الخائف، منزوع الذاكرة.
أي وزارة هذه التي ترى في “حرية، سلام، وعدالة” خطراً على عقول الأطفال، ولا ترى في الفقر، والانهيار، وغياب المعامل، وتدريس الحاسوب “نظرياً”، أي خطر؟
وأي عقل إداري هذا الذي يتصور أن حذف وحدة “وطني” من كتاب القراءة سيجعل الوطن أقل حضوراً في قلوب التلاميذ، أو أن شطب اسم “ثورة ديسمبر” سيُلغي حقيقة أنها أصبحت جزءاً من التاريخ السوداني، مثل الاستقلال، وأكتوبر، وأبريل؟
إن ما تُقدِم عليه وزارة التربية بكسلا ليس سوى محاولة انتقام متأخرة من ثورة انتصرت أخلاقياً وإن تعثرت سياسياً. فالثورات، حين تفشل في صناديق السياسة، تنتصر في الوعي، وحين تُهزم في القصر، تنتصر في الشارع، وحين تُحارب في المناهج، تسكن في الذاكرة الشعبية، وفي الأغاني، وفي الحكايات، وفي ضمير الأمهات.
أما الحديث عن أن هذه الحذوفات جاءت بناءً على “مخرجات لجنة مختصة”، فهو حديث لا يخدع أحداً. فاللجان في السودان كثيراً ما تكون ستاراً بيروقراطياً لقرارات سياسية خجولة، تُلبس ثوب “التخصص” وهي في حقيقتها امتداد لعقل الوصاية، والخوف من الحرية، والرعب من السؤال.
ومن المفارقات الكاشفة للسخرية، أن ذات الوزارة التي تحذف الثورة من الكتب، تعجز عن توفير معمل حاسوب، فتأمر بتدريس المادة “نظرياً”، ثم تقترح ــ بكل براءة ــ تعويض العملي بـ“رحلات مدرسية” لمراكز نظم المعلومات!
هكذا تُدار العملية التعليمية: وعيٌ يُحذف، ومعملٌ غير موجود،
وتلميذٌ يُطلب منه أن يتخيل الحاسوب كما يُطلب منه أن ينسى الثورة.
لكن، ليفهم سادة الوزارة في كسلا ــ ومن يقفون خلفهم ــ حقيقة بسيطة:
ثورة ديسمبر لم تدخل المنهج بقرار، ولن تخرج منه بقرار.
دخلت لأنها كانت حدثاً أخلاقياً عظيماً، ولأنها عبّرت عن تطلعات جيل كامل، ولأنها قالت ما لم يجرؤ المنهج القديم على قوله: إن الحرية حق، وإن السلام ضرورة، وإن العدالة أساس الوطن.
يمكنكم حذف الدروس،
وشطب العناوين،
وتغيير الصفحات،
لكنكم لن تحذفوا الأسئلة من رؤوس الأطفال،
ولا الأغاني من أفواههم،
ولا القصص من بيوت السودانيين.
إن ما تفعلونه اليوم مكتوب عليه الفشل، لا لأنكم ضعفاء إدارياً فحسب، بل لأنكم تحاربون المستقبل بأدوات الماضي، وتظنون أن التعليم يمكن أن يكون محايداً في معركة الحرية، أو صامتاً في وجه الظلم.
وستكتشفون، عاجلاً أم آجلاً، أن المنهج الأقوى ليس ما يُطبع في الكتب، بل ما يُكتب في الوعي…
وهناك، في ذلك الوعي، ستظل ديسمبر حيّة، رغماً عن كل الحذف، وكل التعميمات، وكل القرارات.



