عقب سقوط مدن الثروات وحصار مدينة الأسواق…«بل بس»… هل هي الحل؟

ميرغني أبشر
«لم يحدث أن ضلَّل شيء أذكى العقول، ولا سفَّه شيء أسمى ما عرفه الإنسان، بقدر ما تفعل الحرب. حتى العلم يفقد حياده، ويندفع علماء الأنثروبولوجيا إلى إعلان انحطاط أصول الخصوم.
— فرويد: الحب والحرب والحياة والموت
منذ بروز التيار الإسلامي في المشهد السياسي السوداني، وإدخاله البنوك — بنك فيصل الإسلامي نموذجًا — بوصفها مستثمرًا مباشرًا في سوق العمل السياسي، ثم ابتكاره لاحقًا في اتفاقيات السلام لقاعدة قسمة الثروة والسلطة، تحوّل الصراع السياسي في السودان تدريجيًا من مجال الأفكار والبرامج ذات المرجعيات الفكرية، وقيم المواطنة والقومية، إلى محاصصة مالية صِرفة تُدار بمنطق السوق والربح والخسارة.
هذه القاعدة، التي أطلقها «العرّاب» حسن الترابي عبر مساهمة خليل إبراهيم في الكتاب الأسود: اختلال ميزان السلطة والثروة في السودان، ويا للمفارقة، هي ذاتها التي استعارتها قوى الحرية والتغيير وشركاء الثورة آنذاك، وضمّنتها في بنود الاتفاق الإطاري، وإن تغيّرت اللغة وتبدّلت اللافتات.
وهكذا، لم تعد الحرب المستعرة اليوم سوى التتويج الطبيعي لمنطق السوق السياسي، حيث تُحسم الصراعات في دفاتر الأرباح والخسائر، وأسعار الأسهم، وتوازنات الكارتيلات.
لذلك، لا يمكن القبض على مفاتيح وقف هذه الحرب إلا عبر التدقيق في معايير سوق المال السياسي، وحسابات الربح والخسارة على ميزان الأعمال السوداني.
لن أعود إلى تاريخ الصراع منذ الإطاحة بالمستثمر السابق وزعيم كارتيل المؤتمر الوطني، عمر البشير.
دعني أدخل مباشرة إلى لحظته الراهنة:
نحن أمام مشهد جديد عنوانه سيطرة قوات تأسيس على الفاشر وبارا، وحقول النفط في هجليج وحصار الأبيض، بما يعنيه ذلك من:
– إعادة توزيع جغرافي للنفوذ،
وانكسار مراكز الثقل الرمزية للدولة،
وانتقال الحرب من معركة مواقع إلى معركة اقتصاد وسيطرة واستنزاف طويل.
– هذا التحوّل لا يمكن فصله عن إعادة ترتيب أوراق التفاوض في سوق جدة، بعد أن أُعيدت صياغة مسودته تحويريًا وفق خارطة الرباعية؛ إذ لم تعد جدة منصة وساطة بالمعنى التقليدي، فهي يقينًا بورصة سياسية تُسعَّر فيها الأقاليم، والجنرالات، ومحاولات تلافي مخاطر الانهيار الكامل.
– من جهة، جاء التدخل الإيراني–التركي المباشر — عبر المسيّرات والدعم اللوجستي — كرهان من كارتيل البرهان لتعزيز موقعه التفاوضي.
ومن الجهة الأخرى، جاء التمدد العسكري لقوات الدعم السريع وحلفائها (تأسيس) في دارفور وكردفان، وسقوط مدن رئيسية، بوصفه ردًا هدف إلى:
تبخيس الأثر العسكري والسياسي للتقنية والدعم الإيراني–التركي،
وخصم قيمة ذلك من حصة البرهان والإسلاميين في ميزان المساومات.
غير أن هذا الرهان، الذي تشكّل طهران أحد أطرافه، بات محدود الأثر، لا بسبب الردود الميدانية فحسب، بل أيضًا بفعل الأزمة الداخلية الخانقة في إيران، وما سبقها من رقابة خفية ومشدّدة على تدفق الأسلحة نحو حكومة بورتسودان، بعد الضربات المتكررة التي وُجّهت مؤخرًا لشحنات السلاح التركية، وما ترتّب على ذلك من تضييق خطوط الإمداد ورفع كلفة الاستمرار في هذا المسار.
وبكلمات السوق:
الأسهم الإيرانية لم تعد مضمونة العائد.
في المقابل، يتحرّك المحور الإماراتي–السعودي–الأمريكي وفق منطق مختلف:
رفع سقف الدعم الهادف إلى وقف الحرب، بما يمنع ترسيخ موطئ قدم إيراني–تركي مريح على البحر الأحمر،
وتسريع الوصول إلى تسوية مضبوطة عبر جدة، وفق المسودة المعاد تشكيلها بخارطة الرباعية، والتي دفع بها الأمير محمد بن سلمان بعيدًا خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، وما تلاها من تصريحات دبلوماسية من مختلف الأطراف المعنية.
مع تحييد خطر الهيمنة المطلقة للعسكر والإسلام السياسي على السلطة في الخرطوم.
هذا التوجّه يستند إلى قراءة براغماتية تقول إن:
الحركة الإسلامية استثمرت في هذه الحرب أكثر مما تحتمل خسارته،
وإن إخراج الجيش ومليشيات الإسلام السياسي إلى الثكنات دون ضمانات سيُفضي إلى عدم استقرار مزعج لكل الشركاء،
وإن المطلوب هو إعادة هندسة السلطة، لا كسرها كليًا.
في هذا السياق، يمكن فهم المقاربة الأمريكية المتبلورة تجاه السودان بوصفها مقاربة إدارة صراع لا حسمه دفعة واحدة، وذلك عبر فتح الطريق أمام فترة انتقالية بواجهة مدنية خالية من الكيزان، تُدار بضمانات دولية وإقليمية، من دون السماح بانزلاق شامل أو عودة الإسلام السياسي من الباب الخلفي.
وهي مقاربة تنسجم مع عقلية دونالد ترامب في إدارة الملفات المعقّدة: رجل قوي واحد، صفقة واضحة، كلفة أقل، وفوضى مضبوطة.
وفي الإطار الإقليمي، لا يمكن فصل هذا المسار عن التفاهمات التركية–السعودية التي أعادت تشكيل توازنات الإقليم، وأفضت إلى ما انتهت إليه الأوضاع في سوريا، بما في ذلك رحيل نظام الأسد.
ومن هنا، تُقرأ دعوة أنقرة للبرهان عقب زيارته للقاهرة بوصفها محاولة لإعادة توجيه بوصلة نظام الخرطوم نحو خارطة الأمير محمد بن سلمان، ومنع أي انجراف خلف وعود رمادية، سواء للاستمرار في الحرب أو للالتفاف على مسار الرباعية.
إذن… ما خيارات سوق السياسة السوداني؟
وبكل شفافية، هما خياران لا ثالث لهما — بغضّ النظر عن موقفنا الشخصي الرافض لكليهما، وهو موقف متزمّت يشبه موقف «البلابسة»، وموقف خاسر دائمًا في أسواق العمل السياسي:
الخيار الأول:
إعادة وجوه مستترة للبرهان وحميدتي إلى السلطة بصيغة سياسية جديدة، مع وعد مؤجَّل بتسليمها للمدنيين بعد إنهاء الدمج ومعالجة آثار الحرب، بما يضمن استمرار تدفّق ريع المصالح لكارتيلات العسكر والإسلام السياسي، مقابل وعد طويل الأجل لقوى الثورة، سيظل قابلًا للتسويف، ومصحوبًا بسيولة وعدم استقرار في الشارع.
الخيار الثاني:
مساومة قوى ديسمبر بودائع ضخمة لإدارة الدولة، مقابل إزالة صورية لأدوات تمكين الإسلاميين، وتخفيض حدّة الملاحقة القضائية، ومنحهم فرصة عودة سياسية مشروطة، خلال فترة انتقالية طويلة، تُمارَس فيها السلطة فعليًا بيد المدنيين وقوى الثورة، مع حماية مستترة لمصالح حميدتي المالية وضمان دور سياسي له في المستقبل.
هذه هي خيارات سوق السياسة السوداني الواقعية لوقف نزيف الحرب، وتجنّب التقسيم، وحماية ما تبقى من موارد البلاد، وعلى رأسها الإنسان السوداني.
أما الانتقال من منطق السوق إلى منطق المشاريع الوطنية، فلن يكون ممكنًا إلا بعد تعافٍ طويل، عبر مشروع قومي شامل، تقوده قوى المجتمع القاعدية والنخب، في ثورة جديدة لتحديث بنية الدولة السودانية، يقودها فكر ما بعد الانتقال الديمقراطي، وموت مفاهيم توزيع الثروة والسلطة — بوصفها عامل عدم استقرار — لصالح قومية الثروة والسلطة، ومعايير الكفاءة والمواطنة.




طلس كثيف وخلط لأوراق لا علاقة لها ببعض .
نعم البعد المادي المنفعي موجود في حركات الانسان وسكناته .
لكن هذا الصراع في بداياته كان على أفكار لا أقول مقدسات ظن أصحابها انهم قادرين على تطبيقها بمنتهى السلاسة وما دروا ان بحر الحياة بما فيه من مغريات وملهيات ومشتهيات ولصوص وانتهازيين هو في الواقع بحر عميق غرق فيه كثير من الناس .
نعم كثير من الخائضين في الصراع الاني نظرتهم ليست صحيحة اما لحاجة في النفوس من طمح او خوف او لخصومة قديمة يتوهمون ان حلها أولى من حل هذا الصراع الكارثي وان نظرتهم للحل هي المثلى .
الامر اصبح اكبر من صراع على منفعة مادية بل اصبح صراع وجودي بعد الممارسات الوحشية التي ارتكبتها قوات حميتي المجرمة في الخرطوم والجزيرة وسنار ودارفور وكردفان بل في كل شبر وصلته هذه القوات البربرية .
الخلاصة لا مستقبل للسودان بوجود هذه القوات المجرمة وكل متحالف او متعاطف معها والغ في هذا الاجرام بحسب موقفه .
والشعب ومؤسساته الرسمية على علات هذه المؤسسات وعلات قادتها ادرك حقيقة الصراع الاني تماما والعمل جاري للحسم .
والشعب ومؤسساته الرسمية على علات هذه المؤسسات وعلات قادتها ادرك حقيقة الصراع الاني تماما والعمل جاري للحسم .
لا ادرى من اين حصلت على الدكتوراة لتؤكد لنا بان العمل جاري للحسم??
الاربعة سنوات التي خاضها جيش كيزان المخانيث ولم يظهر انتصار واحد من هذا الجيش على ارض الواقع تؤكد بان من اعطاك الدكتوراة هم مجرد كيزان مغيبين ولصوص وقتلة امثالك ،، فقط اشرح لنا هروب الجيش من كل المواقع الا اذا اعتبرت انسحاب الجنجويد من الخرطوم ومدني انتصارا لجيشك المهزوم??
ايقاف الحرب هو الهدف الاسمى لشعبنا وكلنا يدرك ويعلم علم اليقين بان جيش المخانيث والدعم السريع هما وجهان لعملة واحدة وان جيش الكيزان يستغل امثالك لمزيد من الكذب والتضايل بان الحسم جاري ،،،