مقالات وآراء

العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف «9».. حين تُدار الذاكرة… وتتحول السياسة إلى صدى للجرح

 

د. ناهد محمد الحسن

بعد الحرب، لا يبدأ الصراع من جديد بالسلاح، بل باللغة.

بالطريقة التي نروي بها ما جرى، وبالأسئلة التي نسمح لها أن تُطرح، وبالألم الذي نختار الاعتراف به أو تجاهله.

في هذه اللحظة تحديدًا، تصبح الذاكرة شأنًا سياسيًا بامتياز، لا لأنها تعيد الماضي، بل لأنها تحدد كيف سنعيش الحاضر، وأي مستقبل يصبح ممكنًا.

في المجتمعات الخارجة من العنف، لا تكون المعركة الأولى على السلطة، بل على المعنى.

من الضحية؟ من الجاني؟ ما الذي يُقال؟ وما الذي يُترك في الظل؟

وحين لا تُدار هذه الأسئلة بحسّ إنساني ونفسي وسياسي متكامل، تتحول من محاولة للفهم إلى أدوات اصطفاف، ومن سرديات إلى هويات صلبة.

علم النفس الاجتماعي يصف هذه اللحظة بوصفها لحظة تجمّد الصدمة.

حين لا تجد الصدمة مسارًا للاعتراف، ولا أفقًا للعدالة، ولا لغة للاحتواء، تتحول من تجربة إلى تعريف للذات.

لا يعود الألم حدثًا وقع، بل يصبح “من نحن”.

وهنا يبدأ الخطر: أن تتحول الذاكرة من جسر للفهم إلى سور للفصل.

هذا ليس افتراضًا نظريًا.

في البوسنة، بعد توقف الحرب، لم تتوقف الحرب داخل الوعي.

الدولة وُحّدت شكليًا، لكن الذاكرة قُسّمت.

مدارس مختلفة، سرديات مختلفة، أبطال مختلفون، حتى الحداد صار ممارسة سياسية.

النتيجة لم تكن عودة للعنف الواسع، بل ما هو أخطر: تعايش بلا ثقة، وسلام بلا مجتمع.

ظل الصراع حيًا، لا في الشوارع، بل في الذاكرة الجمعية، جاهزًا للاستدعاء عند أول اهتزاز.

في لبنان، جرى اختيار مسار آخر: الصمت.

تم تجاوز الحرب دون مساءلة حقيقية، باسم الاستقرار.

لكن ما حدث نفسيًا هو أن الذاكرة لم تُمحَ، بل خُزّنت.

تحولت إلى مخزون غضب قابل للتسييس عند كل أزمة.

وحين تغيب العدالة، يصبح الماضي سلعة في الحاضر، ويُستعمل الألم لإعادة إنتاج الخوف والاصطفاف.

أما جنوب أفريقيا، فقد طرحت سؤالًا مختلفًا:

كيف نعترف دون أن ننتقم؟

وكيف نحاسب دون أن نكسر إمكانية العيش المشترك؟

لم يكن المسار مثاليًا، لكنه فهم شيئًا جوهريًا:

أن المجتمع لا يُشفى حين يُطلب منه النسيان، ولا حين يُطلب منه البقاء في موقع الاتهام الأبدي،

بل حين يُعاد إدخال الألم في لغة إنسانية تسمح بالمساءلة دون نزع الإنسانية.

ما يجمع هذه التجارب ليس “النموذج”، بل التحذير.

الذاكرة، حين تُدار بعقلية الغلبة، تُنتج سياسة غاضبة.

وحين تُدار بعقلية الصمت، تُنتج سلامًا هشًا.

وحين تُدار بلا حسّ نفسي، تتحول إلى أداة توريث للصراع، تنتقل من جيل إلى جيل، حتى دون حرب.

في السودان، نحن نقف أمام هذا المنعطف.

الخطر الحقيقي ليس في اختلاف الروايات، بل في تحويل الرواية إلى بديل عن السياسة.

حين تصبح المظلومية برنامجًا، والغضب هوية، والتخوين لغة،

تغيب الأسئلة الأصعب:

كيف نحمي من تبقى؟

كيف نمنع القادم؟

وكيف نعيش مع اختلاف لم نختره لكنه واقعنا؟

الشارع، كما قلنا في المقال السابق، ليس كتلة واحدة ولا ذاكرة واحدة.

هو مساحة مجروحة، موزعة بين الخوف، والإنهاك، ومحاولات النجاة.

وحين يُخاطَب هذا الشارع بلغة تُطالبه بالاصطفاف بدل الاعتراف،

أو تُحاكم خوفه بدل فهمه،

فإن السياسة لا تستعيده، بل تدفعه خطوة أخرى إلى الخلف.

الذاكرة المسؤولة لا تُساوي بين الضحية والجلاد،

ولا تطلب من الناس التسامح قبل العدالة،

لكنها ترفض تحويل الألم إلى امتياز سياسي،

وترفض أيضًا تحويل الغضب إلى بديل عن التفكير.

السياسة، في لحظة ما بعد الحرب، ليست في رفع الشعارات الكبرى،

بل في القدرة على إدارة الذاكرة دون عسكرة الوعي.

أن نسمح بالاعتراف دون أن نُطلق يد الانتقام،

وأن نفتح باب المساءلة دون أن نغلق باب العيش المشترك.

بهذا المعنى، فإن معركة ما بعد الحرب ليست فقط على من يحكم،

بل على كيف نتذكر.

لأن الطريقة التي نتذكر بها اليوم،

هي الطريقة التي سنعيد بها إنتاج الدولة… أو تفكيكها.

في المقال القادم، سننتقل إلى سؤالٍ لا يقل حساسية:

كيف يمكن تحويل الخوف، الذي صار لغة يومية، من أداة شلل سياسي إلى مدخل لاستعادة الفعل؟

وكيف نميّز بين الخوف الذي يحمي الحياة، والخوف الذي يُدار لإدامة السلطة؟

‫2 تعليقات

  1. ايتها الحسناء إذا كنت تتحدثين عن وقف الحرب واستعادة الطريق المدني فانتي واهمة ‘ بالتاكيد يمكن وقف الحرب آجلا أو عاجلا بعد القضاء علي الجنجويد ‘ أما استعادة الطريق المدني والديمقراطي فقد كفر بها الشعب لان الثورات ادخلته في طريق مظلم ولا يمكن تجريب المجرب

  2. الحرية لحمدوك
    د. أحمد عيسى محمود
    عيساوي (٠١٢١٠٨٠٠٩٩*٠٩٠٦٥٧٠٤٧٠)
    حاولت الدويلة توصيل عتاد عبر الحبشة. وجدت تلك القافلة العلاج المناسب في يابوس الحدودية من نسور الجو. حولّت السعودية صفقة صواريخ من حفتر للسودان. وصول أكبر طائرة شحن عسكرية قطرية قادمة من قاعدة العديد الأمريكية بقطر لمطار بورسودان. مصادر ميدانية أكدت نهاية وضع اللمسات الأخيرة للطوفان البري لتطهير كردفان ودارفور. والجميع متابع بدقة. إذ رمت غرف الحمادكة حجرًا في بركة الشارع، على أقل تقدير لفت الشارع عن متابعة الأحداث الميدانية المتسارعة، أو بالأحرى تطمين عقلها الباطني بالأماني، لتعيش لحظات وهي بعيدة عن حقيقة الواقع (مخدر آيس سياسي مُعتّق من النوع أبو كديسة)، حيث أكدت إعتقال الدويلة لحمدوك بحجة قطع الطريق على السعودية التي ترغب في هندسة المشهد السوداني بإعادة حمدوك مرة أخرى لكابينة القيادة. وللإجابة لابد من الاستعانة بأغنية (مرة أفرح ومرة أبكي ومرة تغلبني القراية). ولنترك فرح وبكاء الأغنية، لنقف مع (تغلبني القراية). لنعيد درس (الرجال البلهاء). لطالما السعودية ترغب في تدوير نفايات الأمارات، وهي بتلك العملية قدمت خدمة جليلة لمشروع الأمارات. إذن لماذا الاعتقال؟؟. قد يكون الإنسان غبي. ولكن أن تصل به حالة الغباء لدرجة (حماقة الحمادكة) التي أعيت من يداويها منذ بداية ثورة فولكر وحتى يوم الناس هذا. فتلك تحتاج لخبراء في علم النفس والاجتماع. وخلاصة الأمر ما أشبه ذلك الغباء الحمدوكي إلا بقصة أشعب الآكول عندما أخبر أطفال الحي بوجود وليمة في بيت فلان. وما أن صدّق الأطفال وتقاطروا بالطرقات وحدانا وزرافات صوب الوليمة. هنا تبعهم أشعب نفسه ظنًا منه بأن يكون ما قاله للأطفال حقيقة.
    الأثنين ٢٠٢٦/١/١٢

    نشر المقال… يعني الحرية لحمدووووووك.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..