العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف (10)
حين يصبح الخوف لغة… ومن يديرها؟

د. ناهد محمد الحسن
الخوف ليس نقيض الشجاعة.
الخوف إحساس بدائي، حيوي، يسبق السياسة ويصاحبها.
لكن الخطر لا يكمن في وجود الخوف، بل في من يملكه، ومن يديره، ولأي غاية.
في المجتمعات الخارجة من الحرب، لا يعيش الناس بلا خوف.
يعيشون بأنواع مختلفة منه: خوف على الأبناء،
خوف من الغد،
خوف من تكرار ما حدث،
وخوف من أن يكون الصمت هو الثمن الوحيد للبقاء.
علم النفس السياسي يميّز بين نوعين من الخوف: خوف يحمي الحياة،
وخوف يُدار لإدامة السلطة.
الأول يدفع الإنسان إلى الاحتماء، التنظيم، البحث عن ضمانات، والسعي لتغيير شروط الخطر.
أما الثاني، فيُستخدم لإبقاء المجتمع في حالة شلل:
لا يثور، لا يطالب، لا يسأل، فقط “ينجو”.
وهنا يبدأ التحول الخطير:
حين يصبح الخوف لغة عامة،
لا شعورًا فرديًا.
لغة تقول: – لا وقت للأسئلة
– لا مجال للاختلاف
– لا صوت يعلو فوق “الخطر”
– ومن يعترض، فهو إما ساذج أو خائن
بهذه اللغة، لا تُدار الحرب فقط،
بل يُدار ما بعدها.
في علم الاجتماع السياسي، تُسمى هذه الحالة تسييس الخوف.
حين تتحول المخاوف الحقيقية إلى أداة لإغلاق المجال العام،
ويُعاد تعريف “الأمان” بوصفه طاعة،
و“الاستقرار” بوصفه صمتًا،
و“النجاة” بوصفها التخلي عن السياسة.
وهنا يصبح الهتاف — مهما كان صادقًا — غير كافٍ.
لأن الهتاف يُعبّر عن الرفض،
لكنه لا يُفكك البنية التي تُنتج الخوف وتعيد تدويره.
في السودان، الخوف اليوم ليس واحدًا. هناك خوف من العسكر،
وخوف من المليشيا،
وخوف من الفوضى،
وخوف من الفراغ،
وخوف من أن يؤدي أي تغيير إلى الأسوأ.
هذه المخاوف لا تُلغى بالشعارات،
ولا تُواجه بالتخوين،
ولا تُعالج بالإنكار.
حين يُطلب من الناس “ألا يخافوا”،
يُطلب منهم عمليًا أن يكذبوا على تجربتهم.
السياسة الجادة لا تطلب من الناس الشجاعة المجردة،
بل تخلق شروطًا تجعل الخوف قابلًا للتحويل إلى فعل.
كيف؟
ليس عبر استثارة الغضب فقط،
ولا عبر استدعاء الذاكرة كجرح مفتوح،
بل عبر بناء مسارات تُقنع الناس أن الفعل أقل كلفة من الصمت.
في التجارب التي نجحت نسبيًا — جنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية —
لم يُلغَ الخوف،
لكن تم نقله من مستوى الشلل إلى مستوى التنظيم.
لم يُقال للناس: “لا تخافوا”،
بل قيل لهم: “الخوف مفهوم… وهذه أدوات لتقليصه”.
أما حين يُدار الخوف بلا أفق،
فإنه يتحول إلى مورد للسلطة،
يُستدعى عند كل منعطف: – لتأجيل العدالة
– لتبرير العنف
– لتخويف الناس من السياسة نفسها
وهنا يصبح أخطر ما في الخوف،
أنه يُقنع الناس بأن السياسة ترف،
وأن البقاء أهم من الكرامة،
وأن السؤال نفسه تهديد.
معركة ما بعد الحرب، إذن، ليست فقط ضد السلاح،
بل ضد احتكار الخوف.
أن نستعيد حقنا في الخوف بوصفه إحساسًا إنسانيًا،
لا أداة سياسية ضدنا.
أن نفهم أن الخوف لا يُهزم بالصراخ،
بل بتوسيع الخيارات،
وبناء الثقة،
وخلق بدائل واقعية تجعل الحياة خارج منطق العسكر ممكنة.
لهذا، فإن شعار “العسكر للثكنات”
لا ينجح فقط لأنه عادل،
بل حين يُترجم إلى مسار يخفف خوف الناس،
لا يضاعفه.
في المقال القادم، سنواجه السؤال الأصعب: كيف تتحول الشعارات، حين تُفصل عن بناء القوة الاجتماعية،
من أدوات تحرر…
إلى طقوس تُطمئن الضمير لكنها لا تغيّر الواقع؟



