حكومة الأمل تبيعه في كتيب

أحمد عثمان جبريل
حين تتحوّل المأساة الوطنية إلى مادة دعائية.. وحين يُختزل الألم الجمعي في منشور أنيق.. تكون السلطة قد بلغت ذروة انفصالها عن الواقع.
في السودان، لم يعد الخطر في الحرب وحدها، بل في الخطاب الذي يحاول تزيين الخراب، وبيع الوهم بإسم الأمل.
❝ الاستبداد لا يبدأ بالقمع، بل
بالكذب المنظّم. ❞
— عبد الرحمن الكواكبي
(1)
خروج كامل إدريس، رئيس وزراء ما يُسمّى بـ(حكومة الأمل) ليعلن أن حكومته ستقدّم إنجازاتها في كتيّب، ليس زلّة لسان ولا سوء تقدير، بل إعلان صريح عن طبيعة هذه الحكومة: “حكومة ترى الواقع ورقاً، وترى الشعب جمهوراً قابلاً للتضليل.. فالأمل، وفق هذا المنطق، لا يُعاش ولا يُلمس، بل يُسوَّق.
(2)
هذه الحكومة لم تولد من تفويض شعبي ولا من مشروع إنقاذ وطني، بل من قرار سياسي أعادها به الفريق عبد الفتاح البرهان إلى الخرطوم، لا لتباشر سلطة حقيقية، بل لتؤدي دور الواجهة.. البرهان، بوصفه صاحب القرار الفعلي وممسك مفاتيح القوة، يتحمّل المسؤولية الأولى عن وجود حكومة بلا أدوات، وبلا برنامج، وبلا قدرة على الفعل.. أما كامل إدريس، فمسؤوليته لا تقل خطورة:” فقد قبِل بكامل إرادته أن يكون عنواناً مدنياً لسلطة عسكرية، وارتضى أن تُدار الأزمة بالكلام، لا بالقرارات الصعبة.. هنا تتقاطع المسؤوليتان:” البرهان يرعى العجز، وإدريس يجمّله.
(3)
السياسة الأخطر التي تتحمّلها هذه الثنائية، ليست الكتيّب في حد ذاته، بل الكذبة التي سبقته.. كذبة (صلاح الخرطوم للعودة)..فقد دُفع آلاف السودانيين، من لاجئين ونازحين، للرجوع من دول الجوار والمنافي، ليصطدموا بمدينة لا تصلح للحياة.. عادوا ليجدوا بيوتاً مهدّمة، وخدمات غائبة، وأمناً هشّاً، بينما الحكومة تتحدّث عن الأمل.
(4)
أي أمل هذا الذي يُقدم لمحتاجيه في كتيّب، فيما ملايين الأطفال خارج المدارس؟ من المسؤول عن إنفاق المال العام على الطباعة والتلميع بينما طلاب السودان مشرّدون في الأصقاع؟ البرهان مسؤول لأنه يمسك بزمام الدولة ويعطّل أولوياتها، وحكومة إدريس مسؤولة لأنها لم تقل: لا.. لأنها قبلت أن تكون شريكاً في هذه البروقندا والانحراف الأخلاقي.
(5)
كامل إدريس، بسيرته وخبرته الدولية، لا يملك رفاهية الادّعاء بالجهل.. كان يُفترض فيه أن يدرك أن هذه اللحظة لا تحتمل أحلاماً مكتوبة ولا سرديات شخصية عن (أمل) متخيَّل.. قبوله بهذا الدور يعني تحمّله لمسؤولية سياسية وأخلاقية كاملة عن تضليل الناس، حتى وإن لم يكن صاحب القرار الأخير.
(6)
أما البرهان، فلا يمكنه الاحتماء بحكومة مدنية شكلية. فالحكم بإسمه، والقرار بيده، والحرب واقعة تحت سلطته.. وحين يفشل، ويترك الواجهة تتحدّث عن (كتيّبات) فهو لا يهرب من المسؤولية، بل يضاعفها.. فالحكم الذي لا يفعل، ثم يبرّر، هو حكم ينهار أخلاقياً قبل أن ينهار سياسياً.
(7)
بقى ان نقول:” في السودان، لم يعد الأمل سلعة تُباع، ولا وهماً يُطبع، ولا خطاباً يُلقى على حشود مصطنعة.. الأمل يُقاس بوقف الحرب، وبعودة الدولة لا الواجهات، وبجرأة تحمّل المسؤولية لا تبادلها.. وما لم يحدث ذلك، فإن (حكومة الأمل) لن تكون سوى اسم آخر لوهمٍ مكتوب، في كتيّب.
إنا لله ياخ.. الله غالب.


