حين يصبح الخراب رأياً: في السلوك السام والتشيوء وتفكيك الإنسان السوداني

عبدالحافظ سعد الطيب
مقدمة: هذا ليس نقاشاً.. هذه جريمة معنوية
نحن، كشعوبٍ تتلمس سودانيتها وإنسانيتها وسط ركام الحرب والانهيار، لا نواجه الرصاص وحده، بل نواجه موجة سلوك سام وتشبوء ( Toxic behavior and objectification)
تُضخ بوعيٍ استخباراتي، وتُدار ببرودٍ إجرامي، وتهدف إلى ما هو أخطر من القتل: تدمير الحس الإنساني نفسه. ما يجري ليس اختلاف آراء، وليس فوضى تعبير، بل عملية منظمة لتخريب الوعي العام وتحويل المجتمع إلى جمهور متفرج على موته.
📌من المجزرة إلى المحتوى
في السودان، لم تعد المجازر صدمة أخلاقية، بل تحولت—بفعل هذا السلوك السام—إلى محتوى قابل للمشاركة. تُنشر صور الجثث في شوارع الخرطوم، أم درمان، الجنينة، نيالا، دون تحذير، دون سياق، ودون أي احترام للضحايا. يُعاد تداول مقاطع القتل وكأنها إثبات وجهة نظر، لا جريمة تستدعي العدالة.
الأخطر أن بعض المنصات تتعامل مع الفظائع باعتبارها سبقاً إعلامياً، لا دليلاً جنائياً. هنا يُقتل الإنسان مرتين: مرة بالسلاح، ومرة باللا مبالاة.وبالتشيوء
📌قنوات الفظائع: حين يتحدث القاع باسم الوطن
برزت قنوات وصفحات سودانية—معروفة بالأسماء والأساليب—وظيفتها الأساسية نشر الفظائع بلا أخلاق: قصص اغتصاب تُسرد بتشفٍّ، أخبار قتل تُصاغ بسخرية، ومآسٍ تُستثمر سياسياً. هذه القنوات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن التطبيع مع الجريمة.
والمأساة أن الذين أُخرجوا من بالوعات وقاع المدن—أخلاقياً وفكرياً—نُصّبوا فجأة محللين وخبراء وأصحاب رأي. أشخاص لم يُعرفوا يوماً بموقف أخلاقي أو معرفة عامة، صاروا يقررون من هو الوطني ومن هو الخائن، من يستحق التعاطف ومن يستحق الإبادة الخطابية.
🔥الاغتصاب كسلاح تشهير في الحرب السودانية
في الحرب السودانية، تحوّلت جريمة الاغتصاب من جريمة ضد الإنسانية إلى أداة تشهير سياسي واجتماعي. تُنشر شهادات—صادقة أو ملفقة—دون أي مراعاة للناجيات، وتُستخدم الأجساد كساحة تصفية حسابات. بدلاً من حماية الضحية، يُطلب منها الصمت أو تُستدعى قصتها لإذلال جماعة بأكملها.
هذا ليس جهلاً، بل انحطاط أخلاقي متعمّد يخدم استمرار الحرب.
🔥خلط الجلاد بالضحية: الجريمة الكبرى
📍من أخطر أنماط السلوك السام في السودان هو مساواة الجلاد بالضحية:
يُقال للنازح إنه مسؤول عن نزوحه، وللمغتصبة إنها جزء من الدعاية، وللمقتول إنه “كان في المكان الخطأ”. بهذا الخطاب، تُغسل أيدي القتلة، ويُعاد توجيه الغضب نحو الضحايا أنفسهم.تدان بالتعاون وتدان في محكمة بتهمة بسقوط الفاشر
📍لماذا يُستهدف السوداني الآن؟
لأن السودان يقف على حافة تعريف جديد لذاته: دولة أم غنيمة؟ مواطنة أم مليشيا؟ إنسان أم وقود حرب؟ في هذه اللحظة، تُطلق حملات تسميم الوعي لكسر أي إمكانية لتوافق أخلاقي جامع. الهدف واضح: مجتمع بلا بوصلة، يسهل قياده.
سيكولوجية الإنسان المهدور: حين يُعاد توجيه الألم ضد أصحابه
📍الإنسان المهدور هو ذاك الذي سُحقت كرامته بشكل متكرر: قُمِع، أُهين، جُرِّد من القيمة، وفُقدت قدرته على التأثير في مصيره. هذا الهدر لا ينتج إنساناً مكسوراً فقط، بل قد ينتج إنساناً ناقماً يبحث عن أي مسرح لتفريغ غضبه.
📍الخطير في هذه السيكولوجيا أن الغضب لا يتجه نحو الجلاد الحقيقي—السلطة القامعة أو البنية العنيفة—
▪بل يُعاد توجيهه نحو الأقرب والأضعف:
▪المجتمع،
▪الضحايا،
▪أبناء الهامش، ▪النساء،الأطفال
▪ والنازحين. هنا تتحقق المعادلة المثالية للسلطة: جلاد غير مرئي، وضحايا يتقاتلون.
📍كيف تستخدم السلطة الإنسان المهدور؟
▪السلطة، خصوصاً السلطوية والعسكرية، لا تكتفي بقمع الإنسان، بل تعيد تدويره:
▪تُغرقه في خطاب كراهية يمنحه شعوراً زائفاً بالقوة.
▪تمنحه منصة ليشتم ويحرّض، فيشعر لأول مرة أنه “مسموع”.
▪تبرر له العنف الرمزي بوصفه وطنية أو واقعية.
هكذا يتحول الإنسان المهدور إلى أداة قذرة: يدافع عن منظومة أهانته، ويبرر جرائم لم يستفد منها، ويهاجم شعبه نيابة عن جلاده.
▪ثورة المعلومات: من أداة تحرر إلى أداة تدجين
مع تطور ثورة المعلومات، لم يعد القمع يحتاج إلى رقابة مباشرة. الهاتف الذكي صار زنزانة متنقلة، والمنصة صارت غرفة تحقيق ناعمة. الخوارزميات تكافئ الغضب، التطرف، والسخرية، فتُدمن الإنسان المهدور على التفاعل العنيف.
تُستخدم القصص المفبركة، مقاطع الفظائع، واللغة السوقية لإبقاء الوعي في حالة استثارة دائمة تمنع التفكير والتحليل. كلما كان المحتوى أكثر صدمة، زادت فرص انتشاره، وكلما زاد انتشاره، تعمّق الهدر الإنساني.
📌من المهدور إلى المُفسِد
▪حين لا يُعالج الهدر، يتحول الإنسان من ضحية إلى مُفسِد في المجال العام: ينشر الشائعات، يبرر الجرائم، ويسخر من الألم. لا لأنه شرير بالفطرة، بل لأنه لم يُمنح عدالة ولا اعترافاً، فاختار الانتقام الرمزي من الجميع.
📌حين يصبح الخراب رأياً محترماً
▪اللحظة الفاصلة هي حين يُطلب منا احترام الحرب لا وماحاربت فيها انت خائن ولا انت هربت آراء تبرر القتل، أو تبرّد الاغتصاب، أو تسخر من النزوح. حينها لا نكون أمام حرية تعبير، بل أمام انهيار أخلاقي شامل يُقدَّم في هيئة رأي.
📌ما العمل؟ بلا تلطيف
1. سمِّ الجريمة جريمة: لا لغة رمادية مع القتل والاغتصاب.
2. قاطع قنوات الفظائع: عدم المتابعة شكل من أشكال المقاومة.
3. احمِ الضحايا لغوياً: لا إعادة نشر، لا تشهير، لا استثمار.
4. افضح السلوك السام: سمِّه، حلّله، ولا تطبّعه.
5. أعد بناء الخطاب الإنساني: الإنسان أولاً، قبل السياسة وقبل السلاح.
📌خاتمة: معركة على الإنسان نفسه
ما نعيشه ليس سجالاً فكرياً، بل حرب على الإنسان السوداني: ذاكرته، لغته، وتعاطفه. إما أن ننتصر للأخلاق والمعنى، أو نترك السلوك السام يحوّلنا إلى مجتمع يرى في الخراب رأياً، وفي الفظاعة مادة، وفي الضحية عبئاً. هذه معركة وعي، والحياد فيها تواطؤ.


