كيف يفكرون ……؟

اكرم ابراهيم البكري
ما يجري في السودان اليوم لا يمكن فهمه بوصفه حرب بين جيش وميليشيا فقط، بل بوصفه حرب تصفية سياسية داخلية تقودها بقايا المشروع الإسلاموي من داخل المؤسسة العسكرية، حرب تستهدف كل من يناهضهم فكريا وسياسيا حتى وإن لم يحمل سلاح ولم ينخرط في أي عمل عسكري.
فى الأيام الفائته ظهرت قضية خالد بحيري كاشفة لا لذنب ارتكبه، بل لطبيعة السلطة التي تحاكمه.
بحيري لم يعتقل لأنه قاتل، ولم يحاكم لأنه مول ميليشيا، بل لأنه يمثل نموذج المثقف المدني المناهض للإسلام السياسي، ولأنه قال بشكل علنى ما يخشاه هذا التيار الإسلامي
(أن معركة السودان الحقيقية هي ضد عسكرة الدولة وضد اختطاف الجيش لصالح أيديولوجيا واحدة+
. تهمة التعاون مع الدعم السريع لم تكن سوى قناع قانوني هش لإعدام موقف سياسي، واستخدام القضاء كأداة ردع لكل من يجرؤ على كسر مقولة الجيش المقدس
وعندما توضع هذه القضية بجانب حالة أبو عاقلة كيكل، تنكشف الفضيحة الأخلاقية كاملة. كيكل، القائد المسلح المرتبط بانتهاكات موثقة، لم يعامل كخطر وجودي، بل جرى استيعابه أو التغاضي عنه أو تدويره سياسيا وعسكريا، لأنه مفيد، لأن بندقيته يمكن توجيهها، ولأن عنفه لا يهدد البنية الأيديولوجية التي تريد الحركة الإسلامية استعادتها عبر الجيش. هنا يصبح السلاح جواز مرور، بينما يصبح القلم جريمة.
هذه ليست مفارقة عابرة، بل منهج حكم من يعارض الإسلاميين يُتهم، يُسجن، يُشوَّه، ومن يخدمهم يُغفَر له كل شيء. لا معيار قانون، ولا عدالة حرب، ولا حرص على الدولة. المعيار الوحيد هو هل أنت معنا أم ضدنا؟
هل تكرّس دولة الغلبة أم تطالب بدولة القانون؟ وبناءً على الإجابة، يُكتب مصيرك.
الأخطر أن هذا المسار لا يدمر خصوم الإسلاميين فقط، بل يفكك ما تبقى من فكرة الجيش الوطني نفسه. جيش يحاكم الكُتّاب ويحتضن أمراء العنف لا يمكنه ادعاء حماية الدولة، بل يعترف ضمنيا بأنه طرف أيديولوجي، لا مؤسسة قومية. وكل من يبرر ذلك باسم الحرب أو الظرف الاستثنائي إنما يشارك في شرعنة عودة الاستبداد بثوب عسكري.
قضية خالد بحيري ليست قضية شخص، بل إنذار أخير إذا انتصر هذا المنطق، فلن يسأل غدا من حمل السلاح، بل من حمل فكرة، ولن يكون الخطر هو المليشيا، بل الدولة التي تحوّلت إلى أداة انتقام فكري. هنا، يصبح الصمت تواطؤا، وتصبح تسمية الأشياء بأسمائها فعل مقاومة



