مقالات وآراء

انتخابات 2026.. المفوضية تروج لسراب ديمقراطي

خطرفات ذاتية

سايمون دينق

“قرأت خبرا مؤخرا على المواقع الإخبارية أثار حيرتي، فلم أستطع تحديد ما إذا كنت سأضحك أم أبكي من محوريته وارتباكه. الخبر كان إعلان رئيس المفوضية الوطنية للانتخابات في جنوب السودان البروفيسور أبيدنقو كشول، عن جاهزية المفوضية لإجراء الانتخابات العامة المقررة في ديسمبر 2026.”

في الحقيقة أن الخبر نفسه لم يكن غريبا او مفاجئا. المشكلة تكمن في أن البروفيسور اختزل جاهزية المفوضية في “المكاتب الانتخابية” التي قال إنه تم تجهيزها في معظم الولايات. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تجهيز المكاتب وحده كفيل بإجراء انتخابات حرة ونزيهة؟ خصوصًا وأنه استخدم تعبير “معظم الولايات”، مما يعني أن بعض الولايات لم تشملها هذه العملية.

البروفيسور، كما جاء في الخبر، أشار إلى أن الانتخابات ستُجرى حسب الدوائر الجغرافية التي اعتمدت في انتخابات 2010، بناءا على قرار سياسي من أطراف اتفاق السلام لعام 2018. التوزيع المقترح للمقاعد سيكون 60% للدوائر الجغرافية، 25% لقائمة النساء، و15% لقائمة الأحزاب. وهنا تظهر العديد من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات منطقية لان مسألة اعتماد الدوائر القديمة يدور حولها الكثير من اللغط فهي ليس محل اجماع بين الاحزاب كما أن هنالك استحقاقات انتخابية مهمة تسبق هذه المرحلة ولا يمكن تجاوزها ووردت في اتفاق السلام المنشط نفسه.

أعتقد أن البروفيسور لا يملك أجوبة منطقية لما يحدث .. إلا أن هذه المسائل يمكننا تأجيلها هنا لنناقش ما هو أكثر أهمية. البروفيسور أكد أيضا اكتمال معظم البنية التحتية، وأن القوانين الانتخابية قيد المواءمة، كما أصر على التقليل من شأن المخاوف المتعلقة بالتمويل واللوجستيات. مما يعنى ضمنيا أن المفوضية ترفض حجة تمويل العملية الانتخابية وفي هذا السياق، لابد من التوقف عند نقطتين: أولاً: تكرار كلمة “معظم” في حديثه، ما يعنى جاهزية المفوضية مشكوك في أمرها.

ثانيًا، رفضه المخاوف المتعلقة بالتمويل واللوجستيات. هنا نطرح السؤال: كيف يتم رفض هذا الأمر الهام؟.
من حديث البروفيسور، يبدو أنه لم يقصد تمويل المفوضية نفسها، فذلك محسوم. لكن المقصود، على الأرجح، هو تمويل الأحزاب السياسية، لا سيما الأحزاب المعارضة. فإذا كانت المفوضية ترى أن التمويل ليس إشكالية، فكيف ستتمكن الأحزاب من تمويل حملاتها دون دعم من الدولة؟.

من المعروف أن الأحزاب، بما في ذلك الحزب الحاكم نفسه، لا يمكنه تمويل حملاته الانتخابية من دون الاعتماد على المال العام من خزينة الدولة.

هذا التصريح من المفوضية يبدو وكأنه يعكس واقعًا أن الانتخابات لن تُجرى بالشكل الذي يروجون له، لأن أي انتخابات تحتاج إلى موارد مالية كبيرة، وهو أمر غير متاح لجميع الاحزاب. من هنا يبدو أن المفوضية قد صممت العملية الانتخابية بحيث تناسب حزبا واحدا فقط: الحزب الحاكم، الذي يملك السلطة والمال.

والأكثر إشكالية هو أن المفوضية لا تملك آلية رقابية أو سلطة قادرة على منع الحزب الحاكم من استخدام المال العام في تمويل حملاته الانتخابية. فعندما يكون للحزب الحاكم كل امكانيات الدولة، بينما تفتقر الأحزاب الأخرى لهذه الموارد، يصبح الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة ضربا من الخيال. إذا كانت الانتخابات ستُجرى في هذه الظروف، فما الفائدة من هدر الوقت والمال في عملية انتخابية نتيجتها معروفة سلفا؟.

والسؤال الأهم: هل الهدف من هذه الانتخابات هو ممارسة الديمقراطية حقا، كما تفعل الدول الأخرى؟ أم أن الهدف هو مجرد استحقاق دستوري ورد في اتفاق السلام المنشط، أم أنه وسيلة لتثبيت حكم من يظل في السلطة؟.

إن هذه الأسئلة في غاية الأهمية، والإجابة عليها ضرورية. أما إذا كانت المفوضية لا تملك أية حلول، فربما يكون من الأفضل لها أن توفر الجهد والمال الذي سيُهدر في انتخابات غير عادلة، وان تقوم بانتظار ذلك الموعد لتعلن فيه فوز الحزب الحاكم.. وبذلك تكون المفوضية قد وفرت على الشعب الجنوبي الكثير من الأموال التي كانت ستُستنفد في مسرحية انتخابية لن تقدم جديدا

ألقاكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..