التيجاني عبد القادر.. كلاكيت تاني مرة

كتب الأستاذ زين العابدين صالح عبد الرحمن ردا على مقالى السابق بعنوان ” التيجانى عبد القادر وزمن الندوات السياسية الكبرى ” يتهمني فيه بأنني ما زلت شمولياً في داخلي، وأفتقد إلى صفة التسامح، لأن مقالي حول سيرة التيجاني عبد القادر يتضمن ــ في رأيه ــ تحاملاً على الرجل.
وقت رأيت ضرورة توضيح ما كتبت ربما قد يكون هناك من يشاركه الرأي بهذا القدر او ذاك .
وأعتقد أن من الضروري توضيح بعض النقاط.
أولاً، القول بأن الخاتم عدلان هتف: «أضرب أضرب يا أبو القاسم» ليس واقعة تاريخية ثابتة، وإنما رواية ظل الإسلاميون يرددونها عن الخاتم. ولذلك لا أرى مبرراً لإعادة إنتاجها باعتبارها حقيقة تاريخية لمجرد أنها تكررت طويلاً. وأنا هنا أستند إلى رواية الخاتم نفسه، الذي أكد لي أن هذه الرواية كذبة بُلقاء من خصومه الإسلاميين، وأنه لم يقل ذلك الهتاف على الإطلاق.
ثم إن المقارنة بين الخاتم عدلان والتيجاني عبد القادر في هذه المسألة ليست دقيقة.
فالخاتم لم يكن في ذلك الوقت مجرد طالب عابر في الجامعة؛ كان واحداً من أبرز خريجي قسم الفلسفة بكلية الآداب، وكان مؤهلاً لمواصلة دراساته العليا، لكنه كان مطارداً وملاحقاً بسبب نشاطه السياسي، وهو ما أثر بصورة مباشرة في مساره الأكاديمي.
أما التيجاني، فقد كان في تلك المرحلة عضواً في تنظيم سياسي كان قد دخل في تحالف مع نظام نميري، وكانت الحركة الإسلامية نفسها قد انتقلت إلى مرحلة مختلفة في علاقتها بالسلطة، وارتبط ذلك أيضاً بنفوذها الاقتصادي والتنظيمي المتزايد في تلك الفترة.
وهنا أعود إلى النقطة الأساسية في مقالي.مقالي عن التيجاني عبد القادر لا ينطلق من حقد أيديولوجي موروث، كما يحاول البعض تفسيره، وإنما هو محاولة لتسجيل واقعة تاريخية عشتها وشهدها أبناء جيلي، وما زال كثير منهم أحياء.
ولذلك أجد من الغريب أن يتحول توثيق واقعة شهدناها إلى اتهام للكاتب بأنه يفتقر إلى التسامح.ربما كان مقالي يسبح عكس التيار السائد الذي يميل إلى تمجيد سيرة الراحلين، مستنداً إلى مقولة «اذكروا محاسن موتاكم». لكن احترام الموتى لا ينبغي أن يعني حذف الوقائع التي لا تنسجم مع الصورة التي نريد رسمها لهم.
أنا لا أكتب تاريخ التيجاني كله، ولا أحاكم الرجل على كل ما فعله في حياته اللاحقة. وإذا كان قد مر بتحولات فكرية وسياسية مهمة، فأنا لا أنكر ذلك، بل أراه أمراً طبيعياً وجديراً بالدراسة.لكن التحول الفكري لا يمحو الماضي، كما أن نقد الماضي لا يلغي التحول.يمكن للإنسان أن يتغير، بل يمكن أن ينتقل من موقع فكري وسياسي إلى موقع آخر يناقضه، ويمكن أن يراجع مواقفه القديمة وينقدها. وهذا أمر يحسب له، لا عليه.
لكن ذلك كله لا يمنحنا الحق في إعادة كتابة التاريخ وفقاً للصورة المتأخرة للشخصية.
ومن هنا فإن واقعة الندوة التي تحدثت عنها في مقالي تظل واقعة لها دلالتها في تاريخ الحركة الطلابية السودانية، خصوصاً أنني شهدتها بنفسي، وشهدها آخرون من أبناء جيلي.
وفي تقديري، كان التيجاني عبد القادر من أوائل الذين أسهموا في التمهيد للعنف السياسي داخل الجامعة. ولذلك فإن استعادة تلك الواقعة ليست بحثاً عن إدانة أبدية للرجل، وإنما محاولة لفهم كيف تشكلت ثقافة العنف السياسي في الجامعات السودانية.
أما الخاتم عدلان، فإن كتاباته اللاحقة، وخصوصاً كتابه «آن أوان التغيير»، تمثل تحولاً فكرياً وسياسياً عميقاً في تجربته. ولا أعتقد أن من الإنصاف اختزال تجربته كلها في رواية غير موثقة عن هتاف قيل إنه ردده في الجامعة.
وفي النهاية، لا أعتقد أن كتابة التاريخ يجب أن تقوم على التقديس أو الإدانة الأبدية.يمكننا أن نعترف للإنسان بتحولاته الفكرية، وأن نقدر ما أنجزه في مراحل لاحقة من حياته، وفي الوقت نفسه نوثق مواقفه السابقة كما حدثت وكما شهدها جيله.فأنا لا أكتب هذا المقال لمحاكمة التيجاني عبد القادر على بقية حياته، وإنما لتسجيل صفحة من تاريخنا كما عشناها.
والتاريخ الذي لا نملك شجاعة مواجهة صفحاته كلها، يتحول في النهاية إلى سيرة انتقائية، لا إلى تاريخ.




هل قال الخاتم “اضرب .. اضرب .. يا ابوالقاسم” … سمعتها كثيرا من بعض اخوتنا الذين كانوا قد شهدوا تلك الحادثة عيانا بيانا ولم يكونوا كيزان. ولم اسمع قط من اي من منتمي الحزب الشيوعي ،الذي كان الخاتم وقتها علما من اعلامهم، ينكر او يفند تلك الواقعة وهي المرة الاولى التي نسمع بها ان فلان ينكر على الخاتم تلك المقولة.
وقرائن الاحوال تقول ان الحزب الشيوعي كان وقتها في علاقة “حب” مع سلطة مايو. فمن باب الاحتمال الاكبر ان يكون الخاتم قد قالها تمشيا مع موقفهم السياسي حينها.
فالخاتم لا ينكر وقوفه مع سلطة مايو حتى 71 بكل صلابة وقوة ولا يمكن لأي تبرير ان يجمل موقف الحزب من تلك الواقعة. إلا الذين يجملون مواف تلك الاحزاب وقتها كما انبرى طلعت في الدفاع عن تحالف الجمهوريين مع مايو وبالتبريرات التي ظلوا يرددونها حتى يومنا هذا ( ولكن لا اظن طلعت يدافع عن تبريرات الحزب الشيوعي لوقوفه مع مايو لأن ذلك يفسد عليه ما يمكن ان يكتب غدا دون ان يتعرض له بالذم ).
وطلعت هذه الايام يجند ايضا قلمه للدفاع عن الجنجويد ولكن باستحياء ومن وراء حجاب لأنه يعلم بأن الجنجويد جرائمهم لا يمكن ان تغتفر . ولكنها عقلية “الحوار” والقبيلة التي لا زالت تسيطر على عقول مثفينا وان نكروها.